كتاب الصلاة 114

الدرس في كتاب الصلاة 114، ألقاها

أحكام صلاة الخوف ومشروعيتها

صلاة الخوف مشروعة بالكتاب والسنة، واختلف العلماء في استمرار مشروعيتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. الجمهور يرى أنها باقية بينما رأى بعض الحنفية أنها خاصة بالنبي.

تأخير الصلاة بسبب الحرب والقتال

اختلف العلماء في تأخير الصلاة عن وقتها بسبب الحرب، حيث أجاز البخاري وأحمد التأخير في بعض الروايات بينما رأى الجمهور عدم جواز التأخير واستدلوا بأدلة من السنة.

كيفية أداء صلاة الخوف في مختلف الظروف

صفات صلاة الخوف متعددة وتختلف باختلاف الأوقات والظروف كما ورد في الأحاديث النبوية، وفي الحروب الحديثة يصلي الجنود فرادى إذا اشتد الخوف حفاظًا على حياتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامه على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. تجمع ما بعد فندخل في مسائل صلاة الخوف، وأولى هذه المسائل حكم صلاة الخوف. صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ الآية. وأما السنة، فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف، وسيأتي معنا بإذن الله عز وجل جملة من الأحاديث في ذلك. وكذا مرت معنا أحاديث ثلاثة في أحاديث الباب الذي مر معنا. وهذا القول هو قول جمهور العلماء، فجمهور العلماء على أن حكمها باقٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنها ليست بمنسوخة. وذهب أبو يوسف من الحنفية، من أصحاب أبي حنيفة، إلى أن هذه الصلاة إنما كانت تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾. فقال أبو يوسف: لا تصلى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلى واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلى الآخر بطائفة أخرى، وهي الحارسة، ركعتين أيضًا، وتحرس التي قد صلت، وتحرس التي لم تصل. وممن ذهب إلى هذا القول أيضًا محمد بن الحسن، وأيضًا من الحنفية الحسن بن زياد، والمزني، وهو من أئمة الشافعية. وهؤلاء -كما ترون- يرون أن صلاة الخوف، الصلاة المذكورة بإمام واحد، قالوا: إنما ذلك كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فلا، بمعنى أنه تصلى كل طائفة بإمام، تصلى كل طائفة بإمام. وإنما كان في الزمن الأول؛ لحس الصحابة أجمعين على أن يصلوا خلفه صلى الله عليه وسلم. وأما بعد موته، فهذا المعنى ليس بموجود، هذا من حيث المعنى، ومن حيث النظر. وأما من حيث الدليل، فاستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، قالوا: فيه دلالة على هذا المعنى أيضًا؛ إلى أن هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم. والراجح -بل والصواب- قول الجمهور في هذه المسألة؛ فإن الأصل أن ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم يثبت في حق أمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه به، هذا هو الأصل. ما شرعه الله جل وعلا رسوله، فهو شرع كذلك لأمته، إلا أن يقوم الدليل الدال على أن ذلك من خصوصيته. وقد تقدمت الأدلة من كتاب الله، ومن سنة رسوله، على أنه صلى الله عليه وسلم صلاها مرارًا، وهذا اختلاف فيه: أنه كان يقيم فيها الصلاة، هذا أمر، وأمر آخر: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أجمعوا على هذا الأمر؛ على أن صلاة الخوف كذلك تصلى بإمام واحد، بحسب الكيفيات التي يحفظها كل صحابي. وكل قول حادث بعد الإجماع، فهو مردود. ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم صلوا هذه الصلاة بإمام واحد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بهم، فصلوا صلاة بإمام واحد. فدل هذا على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يفهموا من تلك الأدلة الخصوصية، بل فهموا منها التشريع. وهذا -كما سمعتم- مؤيد للأصل؛ مؤيد للأصل أن الأصل عموم التشريع. والله أعلى وأعلم. بقي أن الإمام مالك رحمه الله تعالى، حكي عنه رحمه الله تعالى: أن صلاة الخوف تجوز في السفر دون الحضر. أن صلاة الخوف تجوز في السفر دون الحضر، وهو قول عبد الله، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابه. والجماعة: الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: صلاة الخوف إنما تكون فيما لا فيه سفر، إذا خرج الإمام، إذا خرج المسلمون فيما لا فيه غزو، وحصل القتال، أو تأهبوا القتال، أو خافوا من القتال، فإنهم يصلون صلاة الخوف، لكن في سفر، أما إذا دهامهم العدو إلى بلدهم، وهجم عليهم العدو إلى بلدهم، فإنهم لا يصلون صلاة السفر، لا يصلون صلاة الخوف. فقال: لا تشرعوا صلاة الخوف إلا في السفر، أما في الحضر فلا. واحتج لهم بحمل آية القصر على صلاة الخوف، وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. فحملوا على أن هذه الآية، أو هذه الصلاة: صلاة الخوف، إن خفتم. والجماعة عملوا قالوا: وقد شرط لها ربنا جل وعلا شرطان: الأول السفر، والثاني الخوف، السفر في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والخوف في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يُفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يصلي صلاة الخوف في أسفاره، ولم يصلها في الحضر، مع أنه حوصر بالمدينة عام الخندق، وطالت مدة الحصار، واشتد الخوف، ولم يصل فيها صلاة الخوف. فاستدلوا بالآية، واستدلوا كذلك بفعله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق؛ فإنه لم يصل بصحابته صلاة الخوف. وأجيب عن هذا: بأن صلاة الخوف لم تكن شرعت إلا بعد غزوة الأحزاب، في السنة السابعة. وذكر البخاري رحمه الله تعالى تعليقًا، من حديث عمران القطان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في الخوف، في غزوة في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. وخرجه الإمام أحمد، بالرواة بن نهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست مرار قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف في السابعة. والحديث المجموع بهذين الطريقين يرتقي إلى الحسن، وفيه دلالة على أن صلاة الخوف إنما شرعت متى؟ بعد يوم الخندق. وفي حديث أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر. الحديث فيه: فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم. وهذا كان -كما قالوا- بعد الفتح؛ لأن جاء في بعض الرواة: أن أبا موسى الأشعري شارك في هذه الغزوات، وإنما جاء بعد خيبر، وإنما جاء بعد خيبر. وخيبر كانت بعد الخندق. فاستدل بهذه الأدلة على ما تقدم. أما الآية، فأجابوا بأنها في القصر؛ أنها في القصر في السفر، وليست في الخوف. والله أعلى وأعلم. فالظاهر أنها تصلى هنا وهنا، ولكن لا تقصر، هل تقصر أم لا؟ الظاهر أنها لا تقصر إلا إذا كانت في سفر. المسألة الثانية: هل صلاة الخوف تصلى في الوقت، عند الذكر؟ واضح جماعة. هذه المسألة: هل صلاة الخوف تصلى في الوقت، عند ذكر الصلاة؟ أم أنه يؤخرها إلى بعد ذهاب الخوف؟ ذهب الجمهور إلى هذا القول: أنه يصليها عند الذكر، يصليها عند الذكر، إذا كان في خوف، له أن يصلي صلاة الخوف، ويصليها في وقتها، ولا يؤخرها. لظاهر الأدلة في ذلك عن نبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه صلى في غزوات كثيرة، فلم يؤخر الصلاة عن وقتها، قالوا: فهذا هو الأصل. وذهب الطائفة من أهل العلم إلى أنه إن انشغل بالحرب، جاز له تأخير الصلاة عن وقتها، أي ولو كان ذاكرًا، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية، والبخاري. وقد علق البخاري صحيحة، ووصله غيره بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: حضرت مناهضة حصن تستر، وحصن تستر في جهة بلاد الأهواز -كما يقول العلماء- قال: حضرت مناهضة حصن تستر، عند صلاة الفجر، قال: واشتد اشتعال القتال، قال: فلم يقدروا على الصلاة. قوله: لم يقدروا على الصلاة، يدل على أنهم ذاكرون لها، يدل على أنهم ذاكرون لها، ولكنهم لم يقدروا أن يصلوها في الوقت؛ لانشغالهم بالقتال. قال: فلم نصلي إلا بعد ارتفاع النهار، قال: فصليناها، ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. والجمهور استدلوا أيضًا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بعد خروج الوقت يوم الخندق؛ وذلك لما حصل لهم ذهول وانشغال، فصلوها بعد الوقت. وأجيب عن هذا: بأن صلاته يوم الخندق منسوخة؛ بصلاة الخوف. وما حصل من الصحابة في فتح تستر، يحمل على حالة النسيان والذهول عن الصلاة؛ بسبب الاشتغال بالحرب. والأرجح -والله أعلم- ما ذهب إليه البخاري، والإمام أحمد في رواية؛ لأن ذلك أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن قواعد الشريعة جاءت بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد. ومن تحصيل المصالح: ما هو؟ الجمع بين المصلحتين، إن أمكن، ولو بحصول نوع نقص في إحدى المصلحتين. فتحصيل المصلحتين: التي هي مصلحة الفتح الذي حصل بسبب ذلك القتال، وكذلك حصل مصلحة إقامة الصلاة، ولكن بعد تأخيرها، بعد خروج وقتها. وهاتان -كما ترون- مصلحتان شرعيتان مطلوبتان. فكما سمعتم: أقرب لقواعد الشريعة. والدليل النص، لا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع. وفي مثل هذه الصورة: هل الجمع ممكن؟ أم غير ممكن؟ الجمع ممكن؛ بأن يحمل على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وإن كانوا ذاكرين، إلا أنهم شغلوا بالحرب، وقدموا مصلحة الحرب والفتح، ودرء المفاسد الذي قد تحصل بالصلاة في ذلك الوقت، وانشغالهم بالصلاة عن الحرب، تحصل مفاسد أم لا؟ تحصل نوع مفاسد، لا شك ولا ريب. فلأجل هذه المعاني، رأى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بإجماعهم في تلك الوقعة: أن يستمروا في الحرب، وأن يقاتلوا. فلما انتهت المعركة، وظفر المسلمون، وفتح الله جل وعلا على المسلمين، صلى بهم أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه. وقد انتصف النهار. وهذا كان في زمن عمر، من الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. ولم ينقل إنكار عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه. وهذا يدل على أنه كالإجماع عندهم. بقي تنبيه هاهنا في قول أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: ﴿وَمَا يُسِرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا﴾، ما مراده رحمه الله؟ هل مراده أنه لو صلى الصلاة في وقتها كان خيرًا؟ أم أنه مغتبط فرح بما فتح الله جل وعلا عليهم؟ الجواب: ذكر الحافظ رحمه الله في هذا قولين. القول الأول: أن هذا القول صدر من أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه على سبيل الإغتباط والسرور؛ من أن الله جل وعلا جمع لهم بين عبادتين: بين عبادة الجهاد في سبيل الله والفتح، وبين عبادة الصلاة. واضح جماعة. والآخر: أنه ندم على خروج وقت صلاة الفجر عن وقتها، وأنه ما صلاها إلا بعد خروج وقتها. ثم تعقبه الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى؛ قال: لو كان أنس رضي الله عنه وأرضاه منكرًا على أبي موسى الأشعري، ولم يكن موافقًا، لم يوسعه اتباعه، ولم يصلي الصلاة في الوقت؛ لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. فكون أنس يصلي معه، ثم يقول هذه العبارة، يدل على أنه موافق لأبي موسى، ومقر لفعله رضي الله عنه وأرضاه. وكما سمعتم: لا يعلم أن عمر -وهو عمر رضي الله عنه وأرضاه- أنكر، أو غيره من الصحابة، أنكر هذا الفعل. وهذا كالإجماع منهم على تقرير، أو على إقرار هذا الفعل من أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين. المسألة الثالثة في هذا الباب: في صفة صلاة الخوف، أي كيفية صلاة الخوف. اختلف العلماء في صفة صلاة الخوف اختلافًا كثيرًا؛ لاختلاف الآثار في هذا الباب، أي المنقولة من فعله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف. والمشهور من ذلك: سبع صفات. بعضهم أوصلها إلى نحو أربع وعشرين صفة. بعض العلماء أوصف صفات صلاة الخوف إلى أربع وعشرين صفة. ولكن المشهورة منها -كما سمعتم- مدارها على سبع صفات. الأولى: ما جاء في حديث يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مر معنا في ثاني أحاديث الباب. وممن قال به الشافعي رحمه الله تعالى. ذهب إلى حديث صالح بن خوات، عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فقال: هذه الصفة هي صفة صلاة الخوف. ورواها مالك هذا الحديث بعينه، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، موقوفًا، مثل حديث يزيد بن رومان، إلا أنه قال: إنه لما قضى الركعة بالطائفة الثانية، سلم، ولم ينتظرهم حتى يفرغوا من الصلاة. فالشافعي أثر المسند على الموقوف، ومالك أثر الموقوف. فهذان قولان على مقتضى حديث صالح بن خوات، عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم معنا أنه: سهل بن أبي حثمة. فهاتان صفتان: الأولى أخذ الشافعي، وبالثاني أخذ الإمام مالك رحمه الله تعالى. والإمام مالك رحمه الله تعالى قال: بعض أهل العلم، إنه ذهب إلى هذا؛ لأنه أشبه بالأصول؛ لأنه أشبه بالأصول. كيف هذا؟ قالوا: أي أن الإمام لا يجلس حتى تفرغ الطائفة الثانية من صلاتها؛ لأن الإمام متبوع، لا متبع، وغير مختلف عليه. والصفة الثالثة: ما ورد في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه أبو داود. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. والجمع في هذا المعنى اختلف أهل العلم في تصحيح هذا الحديث. فمن أهل العلم من ضعفوه؛ بسبب هذا الانقطاع. ومن أهل العلم من قال: وإن كان لم يسمع من أبيه لصغره، إلا أنه أخذ حديث أبيه من ثقات أصحابه، ومن أهل بيته، فحديثه على ذلك يكون صحيحًا، وحكم حكم المسند. وإلى هذا جنح من المحدثين: علي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وفي آخرين. قال: عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بطائفة، وطائفة مستقبل العدو. فصلى بالذين معه ركعة، وسجد سجدتين، وانصرفوا، ولم يسلم، فوقفوا بإزاء العدو. ثم جاء الآخرون، فقاموا معهم، فصل بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. وبهذه الصفة قال أبو حنيفة وأصحابه، ما خلا أبا يوسف؛ لما تقدم. طائفة صلت، والطائفة الثانية حراسة، قد يكون العدو عن يمينهم، وقد يكون عن شمالهم، وقد يكون من ورائهم. والأخرى لم تصلي، بل كانت في مقابلة العدو. فلما صلى الطائفة الأولى ركعة، تقدمت الطائفة الثانية، فصلت ركعة، وهي لها الأولى، والأخرى بقيت حارسة، مكان الأولى. فلما صلى ركعتين، سلم النبي صلى الله عليه وسلم، وصلت الطائفة الأخرى معه الركعة الثانية، وسلمت. فلما سلمت، انطلقت إلى مكان أختها، فتقدمت الأخرى، فصلت ما بقي لها، وسلموا. وهذه كذلك الصفة من صفات صلاة الخوف. وإلى هذا القول، أو هذه الصفة، ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ما خلا أبا يوسف؛ لأنه يخالف في صلاة الخوف: أنها لا تكون بإمام واحد، بل تكون بأكثر من إمام. والصفة الرابعة: الواردة في حديث أبي عياش الزرقي. وهذا أيضًا أخرجها أبو داود، وغيره. والبخاري رحمه الله تعالى يرجح فيه الإرسال. وأبو حاتم الرازي وغيره يقول: بأنه صحيح. قال في حديث أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر. فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة، لو حملنا عليهم في الصلاة، فأنزل الله آية القصر بين الظهر والعصر. فلما حضرت العصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة، والمشركون أمامه. فصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم صف، ثم صف، ثم صف، ثم صف آخر. فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركعوا جميعًا، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخر يحرسونهم. فلما صلى هؤلاء سجدتين، وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول. ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركعوا جميعًا، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا، ثم جلس بهم جميعًا، ثم سلم بهم جميعًا. وهذه الصفة صلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم. والعدو بينه وبين القبلة، صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى خلفه صفين، ركعوا جميعًا، ورفعوا جميعًا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم، وسجد الصف الأول، وبقي الصف الثاني في حراسة، في مقابلة العدو. فلما سجد بهم سجدتين، قام أو سجد الصف الذي يليه سجدتين، ثم قاموا، فتأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فصلوا الركعة الثانية جميعًا، فركعوا جميعًا، ورفعوا جميعًا، ثم سجد الصف الذي يلي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان مؤخرًا في الأولى، والآخرون قيامًا. فلما سجدوا السجدتين، جلس النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه، فخرج الصف الثاني سجودًا، فلما فرغوا من صلاتهم، أو من سجودهم، سلم بالطائفتين جميعًا. وهذه الصفة كذلك من صفات صلاة الخوف. قال أبو داود رحمه الله بعد أن أخرج هذا الحديث: وراية هذا عن جابر، وعن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن أبي موسى، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وهو قول الثوري، قال: وهو أحوط، وقال بهذه الصفة طائفة. وذهب وقال بهذه الصفة كذلك طائفة من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي. والصفة الخامسة: ما جاء في حديث حذيفة، وفيه قصة. وفيه قال حذيفة: فصل بهؤلاء ركعة، أي النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة الأولى ركعة، قال: وهؤلاء ركعة، ولم يقضوا شيئًا. وهذه اللفظة من أبي موسى الأشعري، في قوله: ولم يقضوا شيئًا، وقع فيها الإشكال: ماذا يريد أبو موسى بهذا القول؟ هل أراد بأن صلاة الخوف إنما هي ركعة واحدة؟ أم ماذا أراد؟ ذهب بعض أهل العلم إلى هذا المعنى. ذهب بعض أهل العلم إلى هذا المعنى. ومن من قال بهذه الصفة، على هذا المعنى: الإمام الثوري رحمه الله تعالى. كذلك رواية عن الثوري رحمه الله تعالى: أنه ذهب إلى هذه الصفة؛ من أن صلاة الخوف تكون ركعة واحدة. واستدلوا بحديث أبي موسى هذا. واستدلوا كذلك بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة واحدة. قالوا: فهذا نص من عبد الله بن عباس، يدل على هذا المعنى. وذهب إلى هذا الأمر -كما ترون- الإمام الثوري رحمه الله تعالى، وغيره. والعلماء رحمهم الله تعالى وجهوا حديث أبي موسى؛ بأنهم لم يقضوا شيئًا، أي أنهم كلهم صلوا الصلاة تامًا، هؤلاء صلوا ركعة، ثم أتموا ركعة أخرى لأنفسهم، وهؤلاء صلوا ركعة، ثم أتموا ركعة ثانية لأنفسهم؛ كما جاءت في بقية الأحاديث. والصفة السادسة: الواردة في حديث أبي بكرة، وحديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى بكل طائفة من الطائفتين ركعتين، ركعتين. فيكون مجموع ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات. وبه كان يفتي الحسن. وخرج هذا الحديث الإمام مسلم رحمه الله. والصفة السابعة: الواردة في حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عمر: يتقدم الإمام، وطائفة من الناس، فيصلي بهم، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو، لم يصلوا. فإذا صلى الذين معه ركعة، استأخروا، مكان الذين لم يصلوا معه، ولا يسلمون. ويتأخر الذين لم يصلوا، فيتقدمون، فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام، وقد صلى ركعتين. تتقدم كل واحدة من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة، ركعة، بعد أن ينصرف الإمام، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلت ركعتين. فإن كان خوف أشد، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي قبلة، أو غير مستقبليها. وممن قال بهذه الصفة: أشهد عن مالك، وجماعة. واختاره ابن عبد البر، وأكثر العلماء يقولون: إذا اشتد الخوف، يقولون بما جاء في هذا الحديث. والأظهر -والله أعلم- ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى؛ في أنه كله ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما ذكره في حديث أبي عياش الزرقي؛ فإنه -كما مر معنا- أن البخاري رجح فيه الإرسال. وهذا الذي ذهب إليه البخاري رحمه الله تعالى ذهب إليه كذلك، واختاره العلامة ابن القيم رحمه الله؛ فقال: إن هذه الصفات كلها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمام ابن القيم أخذ بكل الصفات ثابتة. قال: فكل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه من الصفات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتكون ويكون الخلاف فيه بحسب اختلاف الأوقات، وبحسب اختلاف العدو. فتارة يكون العدو أمامهم، فيصلي صلاة تليق بالعدو، إذا كان من أمامه، وتارة من خلفه، فكذلك، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، وهكذا. فكما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن هذه الصفات اختلفت باختلاف حال العدو، وما كان العدو. وعلى هذا، فإن الإنسان يصلي ما تيسر، وما كان أنسب، يصلي ما تيسر، وما كان أنسب، على حسب الحال. بقي: إذا قال قائل: في أيامنا هذا معروف أن الحروب تستخدم فيها الأسلحة المعروفة الثقيلة، قد تضرب دبابة، أو طائرة، أو ما شابه ذلك، فهل أفضل أن يصلوا جماعة؟ أو أن يصلوا أفرادًا؟ الأولى في مثل هذه الصورة -والله أعلم- ما ذهب إليه، أو ما قال به ابن عمر آخيرًا: أنهم إذا خافوا على أنفسهم، أو اشتد الخوف، صلوا فرادى. وكل بحسبه؛ لأن اليوم إذا رأوهم يرونهم من مكان بعيد، فإذا رأوهم مجتمعين، ستكون -كما يقال- لقمة سائغة، ضربة طائرة، أو ضربة دبابة، أو نحو ذلك. وانتهى القتال. إذن يتفرقون، ويصلي كل واحد في مكان يأمن على نفسه، يأمن على نفسه، ولا يكونوا سببًا لتعريض نفسه للهلاك. فكما سمعتم: اليوم تعرفون: يعني رصاصة تكون بينها وبين المقاتل كذا وكذا كيلو، تبقى الناقصات، وما شابه ذلك، أو الطائرات، تعرفون هذه الأيام عبر الرقمنة الصناعية، يستطيعوا تحديد الأهداف المعينة. فلو اجتمع الكل في صلاة، ربما حصر الضرر. فعلى هذا يكون هذا معنى ما ذكره ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه إذا اشتد الخوف، صلوا فرادى. وكل بحسب حاله، وبحسب كذلك ما يكون فيه مأمن على نفسه. وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث صلاة الخوف، تدل على هذا المعنى؛ من أن غرض النبي صلى الله عليه وسلم الأعظم: ما هو؟ الحفاظ على الجيش من أن يصيبه المشركون، حال غفلة، أي حال غرة. فالمقصود من صلاة الخوف بهذه الصفات المختلفة: هو الحفاظ على الجيش من أن يهجم عليهم العدو، وهم في حال شغلهم بالصلاة، فيحصل نكاية للمسلمين من قبل العدو؛ بسبب هذه الصلاة. فعلى هذا يصلوا كل بحسبه، واتقوا الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على