كتاب الصلاة 30

الدرس في كتاب الصلاة 30، ألقاها

أحكام صلاة الجمعة والمحظورات أثناء الخطبة

يتحدث هذا الفصل عن أحكام صلاة الجمعة والمحظورات أثناء الخطبة مثل الكلام وتخطي رقاب الناس. كما يشرح كيفية إدراك صلاة الجمعة وأقل ما يدرك به الصلاة.

سنن وآداب يوم الجمعة

يتناول هذا الفصل سنن وآداب يوم الجمعة، مثل التبكير إلى الصلاة والصلاة قبلها وبعدها، والاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب والإكثار من الصلاة على النبي. يبين فضل هذه السنن والأجر المترتب عليها.

التحذير من البدع والمحدثات في الدين

يناقش هذا الفصل بدعة الاحتفال بالموالد والذكر المبتدع الذي يفعله بعض الناس، ويحذر من اتباع المحدثات والابتداع في الدين، مشيراً إلى أن هذه الأفعال ليست من سنة النبي ولا من فعل صحابته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فنرجع كما ذكرنا في الدرس الماضي إلى الباب العاشر من كتاب الصلاة في كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، والباب العاشر في صلاة الجمعة، في أحكام صلاة الجمعة. وقد مر معنا بحمد الله جل وعلا جملة من المسائل، فنقرأ في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا من المسألة السادسة. قالوا: المسألة السادسة: ما يحرم فعله في الجمعة، أي: ما هي الأشياء المحرمة التي لا يجوز فعلها في يوم الجمعة، في أثناء الخطبة، وفي أثناء الصلاة كذلك؟ قالوا: يحرم الكلام والإمام يخطب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفار»، والحديث ذكر في التخريج أنه رواه إمام أحمد، وقال الحافظ في «بلوغ المرام»: إسناده لا بأس به، والأظهر والصواب في الحديث أنه ضعيف؛ أن الحديث لا يصح؛ لأنه من طريق «مجالد بن سعيد الهمداني»، وهو ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه «السلسلة الضعيفة». قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت»، وهذا الحديث متفق عليه. قالوا: أي: تكلمت باللغو، تكلمت باللغو، وهو الكلام الباطل المردود. هذا الأمر الأول: أنه لا يجوز لمن حضر الجمعة وكان في المسجد ممن يستمعون للخطبة، لا يجوز له الكلام؛ لا يجوز له أن يتكلم والإمام يخطب. فإذا تكلم والإمام يخطب فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يوم الجمعة: أنصت، فقد لغوت»، أي: أتيت بكلام باطل في يوم الجمعة. قال العلماء رحمهم الله تعالى: ففي ذلك دلالة على أن من تكلم يوم الجمعة بأن صلاته -أي أجر وثواب الجمعة- يسقط عليه؛ ما يبقى معه إلا أن يصلي ما افترض الله جل وعلا عليه من الفريضة، وأما أجر الجمعة وثواب الجمعة فقد ذهب عليه بسبب هذه المخالفة؛ بسبب الكلام. فإذا نحن نحذر من هذا الأمر الذي قد فرط ويفرط فيه بعض الناس -أصلحهم الله- لجهلهم. تجده يأتي الجمعة، فإذا تكلم ولده، قال لولده -خاص-: «اذهب هناك، ارجع إلى هناك»، يتكلم في الجمعة، أو بعض الشباب -أصلحهم الله- كذلك في مؤخرة المسجد، تجد بعض الناس هذا يكلم صاحبه، والآخر كذلك، وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. قال: الثاني: أو قال: ويحرم تخطي رقاب الناس في أثناء الخطبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لرجل رآه يتخطى الرقاب: «اجلس؛ فقد آذيت». ففيه أذية للمصلين، وإشغال لهم عن سماع الخطبة. قالوا: أما الإمام فلا بأس بتخطيه؛ لا بأس بتخطيه للرقاب إذا لم يمكنه الوصول إلى مكانه إلا بذلك. هذا الأمر الثاني: أنه كذلك لا يجوز أن يتخطى الإنسان الرقاب في أثناء الجمعة؛ يأتي في آخر أو من أواخر الناس، فيريد أن يتقدم على الناس، يبعد هذا، ويذهب هذا، ويمرفق هذا؛ حتى يصل إلى مقدمة الصفوف، حريصا منه على أن يكون من أهل الصفوف الأولى، هذا قد فعل محرماً، هذا قد فعل محرماً؛ بهذا الفعل يكون آثماً بذلك الفعل. هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى رجلاً يتخطى الرقاب: «اجلس؛ فقد آذيت»، «اجلس؛ فقد آذيت». وأيضاً قالوا: يعني كما تقدم: أما الإمام فأمره آخر؛ لأن الإمام يتقدم لأجل أن يتوصل إلى أن يخطب الناس، فالأمر في حق الإمام بخلاف ما هو في حق غيرهم؛ ولأن تخطي رقاب الناس يشغل المصلين عن سماع الخطبة، بخلاف الخطيب فإنه هو الذي يلقي الناس. قالوا: ويكره التفريق بين اثنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كتب له، ظفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». الحديث مختصر، والشاهد منه: «ولم يفرق بين اثنين». ومعنى هذا: أن يجد رجلاً وبجانبه رجل، ما بينهم فراغ، فيفرق؛ لو سمح قليلاً ورجع قليلاً، وخل بينهما، فهذا كذلك لا ينبغي؛ هذا الفعل كذلك لا ينبغي؛ بخلاف ما إذا كان في المكان سعة؛ إذا كان في المكان سعة يسعهم، بل ويسع أكثر من واحد، لا بأس أن يدخل في هذا المكان. أما إذا كان المكان لا يسع، فيفرق بين هذا وذاك لأجل أن يدخل، فالكراهة لأجل هذا المعنى. طيب. المسألة السابعة: قال: بماذا تدرك الجمعة؟ قالوا: تدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام؛ فعن أبي هريرة -مرفوعاً-، أي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة»، والحديث رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني من حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين. وأصله في الصحيحين بِلَفْظ أعم من هذا اللفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». ومعنى هذا -كما سيأتي-: معنى قولهم: تدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام. قالوا: وإن أدرك أقل من ركعة صلى ظهراً. ومعنى هذا: أنه متى أدرك ركعة من الجمعة -إما أن يدرك الإمام في ركعة الثانية وهو يقرأ فيدخل مع الإمام، وإما أن يدخل مع الإمام وهو راكع، وإما أن يدخل مع الإمام وهو راكع ركعة الثانية فيدخل مع الإمام وهو راكع، فيركع مع الإمام، فيطمئن والإمام ما زال راكعاً- فهذا كذلك يعد له ركعة، ويكون بذلك أدرك ركعة مع الإمام. ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة؛ فمن أدرك الإمام وقد رفع من الركوع من أدرك الإمام وقد رفع من الركوع في الركعة الثانية، أو وجده في الركعة الثانية وهو في التشهد، أو وجده ساجداً أو ما شابه ذلك، فماذا يصلي هاهنا؟ الجواب: أنه يدخل مع الإمام، يصلي مع الإمام؛ إن أدركه ساجداً، أدركه ساجداً، يزكره معه، ويصلي، ويكمل صلاته؛ فإذا سلم الإمام قام فصلى أربعاً؛ قام فصلى أربعاً إن كان مقيماً، وصلى ركعتين إن كان مسافراً. فإذا تدرك الجمعة، أقل ما تدرك به الجمعة: إدراك ركعة واحدة، وإدراك الركعة يدرك كذلك بماذا؟ بالركوع؛ كما تقدم. فهذا أقل ما يكون به الإنسان مدركاً للصلاة؛ فإن لم يدرك ذلك فلم يدرك تلك الصلاة، فيصليها ظهراً؛ يصليها ظهراً؛ فإن كان عن تفريط أثم؛ إن كان عن تفريط أثم؛ بمعنى أنه بقي في بيته، يقول: «إذا بدأ وكبر الإمام أنا سأخرج من بيتي»، هو جاهز، متجهز، ما عنده شغل، ما عنده أمر، كبر الإمام، فصلى الإمام بسور قصار، ما دخل المسجد إلا والإمام في السجود، أو في القيام -يعني في القيام من السجود- أو ما شابه ذلك من الركعة الثانية، لم يدرك الإمام راكعاً في الركعة الثانية، ولم يدركه قارئاً في الركعة الثانية، هذا يكون مفرطاً؛ تكون بذلك العمل مفرطاً، آثماً؛ فتسقط عليه -يعني- لا يكون مدركاً لصلاة الجمعة، ويجب عليه أن يصلي الظهر مع الإثم؛ مع كونه آثماً في تفريطه وتضيعه لصلاة الجمعة. بل ذهب بعض أهل العلم إلى أن من فرط كذلك في خطبة الجمعة يكون كذلك آثماً. وهذا حال بعض الناس -للأسف- يسمع الأذان، يقول: «ما زال يسمع الخطيب في الخطبة الأولى»، يقول: «بقي الخطبة الثانية»، ما عنده شيء، ثم يأتي وقد أقيمت الصلاة، فهذا -على قول جماهير أهل العلم- يكون آثماً؛ يكون آثماً بهذا الفعل؛ بخلاف من حصل له شغل؛ إن شغل فما استطاع أن يدرك الصلاة، فما استطاع أن يدرك الخطبة، ما استطاع إلا أن يدرك الصلاة؛ فتدرك الصلاة بما تقدم من: «أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». المسألة الثامنة: قالوا: في نافلة الجمعة. قالوا: ليس لصلاة الجمعة سنة قبلها -أي: راتبة-؛ ليس للجمعة راتبة قبلها. قالوا: ولكن من صلى قبلها نافلة مطلقة قبل دخول وقتها فلا بأس به؛ لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ كما في حديث سلمان الماضي قبل قليل، وفيه: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كتب له»، «فصلى ما كتب له». ففيه دلالة على أنه يشرع لمن أتى الجمعة أن يصلي ما كتب -ما كتب الله جل وعلا له- أن يصلي. قالوا: ولفعل الصحابة رضي الله عنهم كذلك؛ كان من فعل الصحابة رضي الله عنهم -كما ثبت ذلك في موطأ الإمام مالك وغيره-: أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وأرضاهم يصلون ما كتب الله لهم. قالوا: حتى يخرج عمر؛ فإذا خرج عمر انقطعوا، وتركوا الصلاة، واستمعوا للخطبة؛ أن يسلموا من الصلاة -من ركعات التي يصلونها- ثم يستمعوا الخطبة. فإذا يسن للإنسان أن يصلي ما كتب الله لهم من الصلاة إذا حضر جمعة؛ صلى ركعتين، أربع، ست، ثمان، عشر؛ إلى أن يخرج الخطيب، هذا من الأمور مسنونة. وإن صلى ركعتين ثم بقي يقرأ قرآن، فهذا كذلك من الأمور الحسنة؛ والأمر بحمد الله جل وعلا فيه حث على الإكثار من الخير والأجور. قال: ولأفضلية صلاة النافلة. قالوا: ولا ينكر عليه إذا ترك -أي: ترك النافلة القبلية-؛ لأن السنة الراتبة تكون بعد الجمعة: بركعتين أو أربع؛ أربع ركعات، أو ست؛ أو ست ركعات؛ لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره؛ فقد كان يصلي بعد الجمعة ركعتين؛ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر. وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات»؛ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. وفي رواية: «من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً»؛ كذلك لحديث أبي هريرة السابق. قالوا: أما الست فلأنه ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ستاً، وكان ابن عمر يفعله -أي: ست ركعات بعد الجمعة-؛ كان ابن عمر يفعل ذلك؛ لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. والحديث -كما ذكر- رواه أبو داود وغيره، وسنده صحيح، وسنده صحيح. وكذلك جاء بنحوه عن علي رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان يصنع ذلك؛ بإسناد لا بأس به. قالوا: فتبين من ذلك أن أقل الراتبة بعد الجمعة: ركعتان، وأكثرها ست؛ أو ست -أي: ست ركعات-؛ والأمر في هذا -الحمد لله جل وعلا- يكون من باب التوسيع، ومن باب خلاف التنوع؛ من صلى ركعتين فالحمد لله، ومن جد واجتهد فصلى أربعاً فهذا أفضل، ومن جد واجتهد فصلى ستاً فهذا أفضل. قالوا: ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الراتبة إن صليت في المسجد صليت أربعاً، وإن صليت في البيت صليت ركعتين؛ فتكون صلاتها على أحوال متنوعة. هذا قول في المسألة، وقول آخر: أن الأمر في ذلك على حد سواء؛ أي: سواء كان في المسجد أو كان في البيت؛ لو أن يصلي في المسجد أربعاً أو ركعتين أو ستاً، أو يصلي في البيت ركعتين أو أربعاً أو ستاً؛ الأمر -بحمد الله جل وعلا- في هذا واسع. والله أعلى وأعلم. المسألة التاسعة: كيفية صلاة الجمعة. قالوا: صلاة الجمعة ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وفعله صلى الله عليه وسلم من سنته. قالوا: وقد أجمع أهل العلم على ذلك؛ أي: أنهم يصلون ركعتين، يجهر بهما في القراءة. قالوا: ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة بعد الفاتحة، وفي الثاني بسورة المنافقون -أي: بعد الفاتحة-؛ لما في صحيح مسلم. قالوا: أو يقرأ في الأولى بسورة «سبح»، أو يقرأ في الأولى بسورة «الأعلى»، وفي الثاني بسورة «الغاشية»؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وكلها ثابتة؛ ثابتة في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان تارة يقرأ هذا، وتارة يقرأ هذا؛ فهذا يكون من باب خلاف التنوع، ويكون من تنوع السنن؛ يكون من تنوع السنن؛ أي: تارة هذه، وتارة أخرى هذه. قال: المسألة العاشرة: في سنن الجمعة. واحد: يسن التبكير إلى الصلاة؛ للحصول على الأجر الكبير؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». والحديث متفق عليه. وفيه -كما ترون- فضل التبكير إلى صلاة الجمعة؛ كأن من أتى بالساعة الأولى قرب لله جل وعلا -أي: تصدق ببدنه-، أي: بجمل عظيم، ومن أتى بالساعة الثانية فكأنما تصدق وقرب لله جل وعلا؛ تقرباً لله جل وعلا كأنما قدم بقرة، وهكذا في الساعة الثالثة كأنما قرب كبشاً أقرن، وهكذا؛ ففيه فضيلة المسارعة والتبكير إلى صلاة الجمعة. وهذا -كما يقال-: رياض من رياض المسارعة في الخيرات؛ بعض الناس ما عنده ما يتصدق به، فقير، ما عنده مسكين، فهذا باب من أبواب الخيرات؛ تصدق على نفسك، وتقرب إلى ربك جل وعلا بهذه الأعمال يسيرة؛ يوم الجمعة تأتي في ساعات مبكرة؛ فيكتب الله جل وعلا لك هذا الأجر والثواب؛ كأنك قربت هذه القرب العظيمة التي لا يستطيع إنسان أن يقرب؛ من يستطيع في هذه الأيام أن يقرب في كل جمعة بدنة، أو في كل جمعة بقرة، أو في كل جمعة كبشاً أقرن؛ من يستطيع؟ حتى الغني ربما تشح به نفسه؛ إلا من رحم رب جل وعلا. فإذا هذا فضل واسع من فضل الله جل وعلا على الناس؛ يسره الله جل وعلا لهم؛ فينبغي لهم الحرص على مثل هذه الفضائل والمنح والكرائم من الله رب العالمين جل وعلا. قال: وقال أيضاً: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة؛ صيامها وقيامها». والحديث رواه الترمذي، وحسنه أيضاً المنذر في «الترغيب والترهيب»، وكذلك حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ فيه، وهو من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه وأرضاه. وهو فيه أيضاً هذا الفضل: من غسل يوم الجمعة واغتسل -ومعنى من غسل: قيل: أنه من غسل بأن أتى أهله قبل الجمعة، فحصل الغسل الأهلي، وقيل: من غسل واغتسل بمعنى أنه من عاجل في الغسل؛ غسل وتجهز وتهيأ ثم أتى الجمعة وبكر وابتكر- كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة؛ صيامها وقيامها؛ فضل عظيم؛ فضل عظيم من الله رب العالمين جل وعلا لمن وفقه الله جل وعلا كذلك لهذا الخير ولهذا الأمر العظيم؛ خطوة واحدة كأجر سنة، وصيامها وقيامها. الثاني: قالوا: ويسن الاغتسال في يومها؛ لحديث أبي هريرة الماضي: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة». قالوا: وينبغي الحرص عليه وعدم تركه؛ وبخاصة لأصحاب الروائح الكريهة؛ ومن العلماء من أوجبه على من فيه رائحة؛ ومن أهل علم من أوجبه مطلقاً؛ من أوجبه مطلقاً؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -مرفوعاً-: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». ولعل القول بوجوبه أقوى وأحوط؛ وأنه لا يسقط إلا لعذر. وهذه مسألة قد تقدم الكلام عليها عند الكلام على مسائل الغسل؛ وأن الأقرب والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن غسل الجمعة مستحب؛ وهذا الذي عليه جماهير العلماء؛ ويدل عليه حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «من توضأ يوم الجمعة ثم أتى في الساعة الأولى». الحديث: أشياء منه: «من توضأ»، وحديث الحسن عن «سامورة» عند أصحاب السنن؛ بإسناد حسن: «من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، «ومن اغتسل فالغسل أفضل». لكن لا شك ولا ريب أن الإنسان إذا رأى في المسألة -كما يقال-: خلاف، ورأى الأدلة في الطرف الآخر قوية -يعني كحديث الآن-: «من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة»، في الحديث الآخر: «غسل جنابة واجب على كل مسلم»، وجاء كذلك: «غسل الجمعة حق على كل محتلم»، وجاء كذلك: «حق على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام»؛ إلى آخر ذلك من الأوامر؛ فهذه الأوامر تجعلنا نحرص غاية الحرص على امتثال هذه الأوامر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وأن لا نتساهل في ذلك؛ وأن لا نتساهل في ذلك. الثالث: قالوا: ويسن التطيب والتنظف؛ وإزالة ما ينبغي إزالته من الجسم؛ كتقليم الأظفار وغيره. قالوا: والتنظف أمر زائد على الاغتسال؛ ويكون ذلك بقطع الروائح الكريهة وأسبابها؛ كالشعور التي أمر الشارع بإزالتها، والأظفار؛ ويسن حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق الشارب؛ مع التطيب؛ لحديث سلمان رضي الله عنه -مرفوعاً-: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته». والحديث في صحيح البخاري. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث -كما في «فتح الباري»-: «من طهر المراد به المبالغة في التنظف؛ ويأخذ من عطفه على الغسل: أن المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة؛ أي: أنه يستحب يوم الجمعة أن يتعاهد الإنسان هذه الشعور، وهذه كذلك الأشياء التي تحتاج إلى تعاهد؛ الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وما شابه ذلك؛ يتعاهد الشعور، والأشياء التي تحتاج إلى تعاهد». فهذه من الأشياء المسنونة يوم الجمعة؛ هذه من الأشياء المسنونة في يوم الجمعة؛ وكما ترون يدل عليها حديث سلمان، وهو في صحيح البخاري. الرابع: قال: ويسن له أن يلبس أحسن الثياب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: «يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليه». والحل السيراء: يعني التي هي من ماذا؟ من حرير. والشاهد منه: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه رأى ثوباً جميلاً جديداً، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبسه وشرائه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر؛ أي: على أنه يوم الجمعة يتجمل له؛ وإنما لم يقره على لباس الحرير؛ لأن الحرير يلبس من لا خلاق له. قال: فقد استدل به البخاري رحمه الله على لبس أحسن الثياب يوم الجمعة؛ فقال: «باب يلبس أحسن ما يجد». قال الحافظ ابن حجر: «ووجه الاستدلال به -أي: بحديث عمر هذا المذكور-، ووجه الاستدلال به من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للجمعة؛ على أصل التجمل للجمعة». وقد جاء في حديث ابن عباس: وبعض أهل العلم يحسن، وبعضهم يقول: بأنه موقوف على ابن عباس: «أن يوم الجمعة يوم عيد لنا أهل الإسلام؛ يوم عيد لنا أهل الإسلام»، فالحاصل: أنه من أيام الأعياد؛ أنه من أيام الأعياد؛ وأيام الأعياد يشرع فيها ويسن فيها التغسل أو الاغتسال، والتنظف، ولبس أحسن الثياب؛ ولبس أحسن الثياب. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» -أي: ثوب خدمته وشغله-؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حث على شراء ثياب تكون خاصة للجمعة؛ جميلة؛ تكون خاصة للجمعة؛ غير الثياب التي يعمل بها الإنسان، ويحتاجون للعمل. وهذا الحديث -كما ذكر في التخريج- رواه أبو داود وغيره؛ فهو عند أصحاب السنن إلا الترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «صحيح ابن ماجة»؛ والحديث من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: وخمسة: أو الخامس: ويسن في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. طيب. هذا الحديث أخرج أبو داود وابن ماجة. طيب. والذي ذكرناه الذي سيأتي. طيب. قالوا: ويسن في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أكثر من الصلاة علي يوم الجمعة». هذا الذي قلنا: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني في «ابن ماجة». والأول: أي: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته»، رواه أبو داود وغيره؛ من حديث عبد الله بن سلام، وهو حديث -كما سمعتم- حسن أو صحيح؛ صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ كما في كتاب «المشكاة». طيب. فأيضاً هذه من السنن: أن الإنسان يكثر من الصلاة والدعاء؛ لكن ننتبه ها هنا لأمر: وهو ما يفعل هؤلاء الصوفية من البدع؛ ما يفعل هؤلاء الصوفية ومن كان على شاكلتهم من البدع؛ هذه بدع محدثة؛ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة بتلك الصورة المفتعلة التي ليس عليها أثارة من علم؛ لا من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا من فعل أحد من الصحابة. أهؤلاء أحب يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أشهد من حب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا والله! لو اجتمعوا من أولهم إلى آخرهم من يوم أن خلقت هذه الأرض؛ ما كان حبهم كحب صحابة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ والصحابة رضي الله عنهم أرضاهم كانوا أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولم يكونوا يفعلون هذا الفعل؛ فهذا الفعل من الأمور المحدثة المبتدعة التي هو من كيس الصوفية. وإذا نظرنا إلى عمر الموالد نجد أن عمرها قريب؛ ليس لها زمان؛ ليس في القرن الأول، ولا الثالث، ولا الرابع، بل ولا الخامس؛ يقال: إن في القرن السابع والثامن ظهرت هذه الموالد؛ أين هي قبل هذا؟ والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ويقول: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة»، «بدعة ردوا أم أبوا هي بدعة». وما أحسن ما ذكره ورواه الإمام الدارمي رحمه الله تعالى وغيره في مقدمة كتابه «السنن»؛ في قصة أولئك النفر أو الجماعات الذين اجتمعوا في بعض مساجد «الكوفة»؛ معهم حصوات؛ حلق؛ وعلى كل حلقة من هذه الحلق رجل يعد لهم حصوات؛ يقول لهم: «سبحوا مئة، أحمدوا مئة، كبروا مئة». فرآهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه؛ فتعجب من ذلك الصنيع؛ فانطلق إلى ابن مسعود؛ يسأل عن هذا الأمر، ويستشير في ذلك الخبر. فانطلق معه ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه؛ فلما وقف على هذه الحلقات؛ أنكرها إنكاراً شديداً؛ وقال: «إنكم مفتتحوا باب ضلالة». فقالوا: «يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا إلا الخير». أرادوا الخير؛ لذكروا الله؛ لكن بأي طريقة؟ هل هي الطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هي الطريقة التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم؟ لا؛ طريقة محدثة. فقال لهم ابن مسعود: «هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم؛ أي: لا يفعلون هذا الفعل؛ وأنتم تفعلون هذا الفعل»؛ إلى آخر ما ذكر لهم، لهم رضي الله عنه وأرضاه؛ معلماً ومؤدباً. فينبغي لنا أن نعلم أن دين الله جل وعلا كامل؛ لا نخص فيه بوجه من الوجوه؛ لا نحتاج إلى استحسانات؛ ولا نحتاج إلى هذا؛ خير الخير كل الخير؛ الخير كل الخير في اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وبما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وكما قيل: «وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في اتباع من خلف». إذن ينبغي لنا جميعاً أن نكون من أهل اتباع؛ لا من أهل الابتداع؛ ومن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً اتبعه؛ لأنه خالفهم وابتدع طرقاً أخرى؛ ليس عليها أثارة من علم الأولين؛ من صحابة الكرام وأتباعهم بإحسان رضي الله عنهم وأرضاهم. فهذا تنبيه لهذا الأمر؛ وكما يقال: «الشيء بالشيء يذكر»؛ في هذه الأيام في رمضان -ما شاء الله- ما هذا النشاط العجيب عند هؤلاء الصوفية؟ يعني يأتي بعد العصر: أذكار عجيبة؛ أذكار عجيبة؛ ليس عليها دليل؛ لا من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وليس عليها فعل؛ ولا قول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن أين أتوا بهذه الأذكار المبتدعة؟ كذلك إذا جاءت العصر؛ قالوا: عندهم «الختام»؛ صلوات مبتدعة؛ أذكار مبتدعة؛ وفي الليالي أيضاً في ليالي رمضان؛ يزعجون الناس بهذه الأصوات؛ أذكار مبتدعة؛ ليس لها -ليس عليها برهان-؛ لا من كتاب؛ ولا من سنة؛ ولا من إجماع؛ ولا من عمل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا من قوله؛ ولا من عمل أحد من أصحاب القرون الثلاثة؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير القرون قرني؛ ثم الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم». فأين هؤلاء من هؤلاء؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. رمضان؛ بدلا من أن يكون شهراً للطاعة والإنقياد والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تفتح على بعض الناس أبواب من أبواب الشر؛ ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ يحسبون أنهم يحسنون صنعاً بتلك الأعمال؛ وهي تبعدهم عن الخير؛ لا تقربهم إلى الخير؛ لأن الخير كل الخير في ما جاء به رسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ الذي ما من خير -ما من خير- إلا ودل أمته عليه صلى الله عليه وسلم؛ وما من شر إلا وحذرها منه. ومن هذه الشرور التي حذرها: من المحدثات؛ فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة -وكل ضلالة- في النار». وكان كان يعيد هذه في خطبة الحاجة كل جمعة؛ يعيد في خطبة الحاجة هذا الأمر: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة في النار». «فإن لله وإن إليه راجعون». قالوا: ويسن أن يقرأ في فجرها -في الصلاة- بسورتي «السجدة» و«الإنسان»؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك. يعني مثل هذا -يا جماعة-: سورة «السجدة» و«الإنسان»؛ هل تسمعون الصوفية يقرأون بهذه السور؟ يوم الجمعة؛ هل تسمعون يقرؤون بـ«سبح اسم ربك الأعلى»، أو «الغاشية»، أو «الجمعة والمنافقون»؟ ما تجد إلا نادر؛ إذا وافقته؛ أما البدع -ما شاء الله- مسارعون؛ وأما السنن فلا. وهؤلاء يدلنا على ما لا يدلنا على أنهم حرموا الخير؛ فالخير كل الخير فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وفيما كان عليه صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان. قالوا: وفي يومها بسورة «الكهف»؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء؛ يضيء به يوم الجمعة؛ وغفر له ما بين الجمعتين». والحديث -كما ذكر- رواه الحاكم؛ صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وبعض أهل العلم يحكم عليه بأنه موقوف؛ لكن من باب الموقوف الذي له حكم مرفوع. السابع: قالوا: ويسن لمن دخل المسجد يوم الجمعة ألا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك. ويوجد فيه ما إذا كان إمامه يخطب. والصحيح: أنه يجب عليه؛ الصحيح: أن

شاركنا على