الدرس في شرح الرائد في علم الفرائض 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
عرف الشيخ محمد بن العيد الخطراوي المانع لغةً واصطلاحاً بأنه ما يحول دون وصول الإرث إلى الوارث، مبيناً أن موانع الإرث المتفق عليها ثلاثة هي: الرق، والقتل، واختلاف الدين. ثم فصل في مانع الرق موضحاً أنه عجز حكمي سببه الكفر يؤدي إلى الاسترقاق والبيع، فيمنع الرقيق من الإرث بجميع أنواعه.
استعرض المقطع أقسام الرقيق الأربعة (القِن، المدبر، المكاتب، المبعض) وبيّن أحكام كلٍّ منهم في الإرث والتوريث، موضحاً أن المكاتب والمبعض يرثان ويُورثان بقدر حريتهما. وأكد أن الأصل في الرقيق عدم الإرث ولا التوريث لكونهم ملكاً للسيد، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
ناقش المقطع دليل أهل العلم على أن العبد لا يرث ولا يورث، بينما العبد المبعض (المعتق بعضه) يرث ويورث بقدر حريته، مستدلين بحديث ابن عباس في المسند وحديث ابن عمر في الصحيحين. ورجح الإمام أحمد واللجنة الدائمة والشيخ ابن باز هذا القول موافقين للشافعي في الجديد وداود والثوري، بينما يمنعه الأئمة الثلاثة في مذاهبهم القديمة.
اختتم المتحدث الدرس بالتأكيد على قبول الحديث إذا صح سنده، معلناً الاكتفاء بما ذُكر في بيان موانع الإرث وأحكام الرقيق. وختم المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في كتاب "الرائد في علم الفرائض" للعالم الشيخ محمد بن العيد الخطراوي رحمه الله تعالى وغفر له. ونحن اليوم في "موانع الإرث". يقول رحمه الله: تعريف المانع لغةً: هو الحاجز بين الشيئين. واصطلاحًا: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. عندنا من عدم وجود صواب، من عدمه صواب لمن نسخته مثل نسختي: "ولا يلزم من عدمه هذا الصواب وجود ولا عدم لذاته". هذا من علم الأصول، ولا داعي لذكره ها هنا. يكفينا أن نعلم أن المانع هو الذي يمنع وصول الإرث إلى الوارث، هو سبب يمنع حصول الوارث على إرثه. قال رحمه الله تعالى: عددها موانع الإرث ثلاثة، وهي: الرق، والقتل، واختلاف الدين. جمعها الرحيب رحمه الله في منظومته فقال: ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين هذه موانع الإرث التي ذكرها أهل العلم في هذا الباب واتفقوا عليها. قال رحمه الله تعالى: الرق لغةً هو العبودية، واصطلاحًا: هو عجز حكمي يقوم بالإنسان لسبب الكفر، أن يكون كافرًا في أصله فيُغزى فيُسْبى فيُباع ويُشترى فيصير رقيقًا وعبدًا. هذا معنى قوله: "هو عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر". فالأصل أن السبب هو الكفر، فيُسترق لكفره ويُسبى، ثم يُباع ويُشترى فيصير رقيقًا. فإذا كان كذلك فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه. الرقيق أنواع: منه نوع سُمِّي "القِنّ" بكسر القاف وتشديد النون، وهو الخالص. ومنه "المدبر"، وهو الذي يُعتق بموت سيده، فيقول: "إذا مت ففلان حر". هذا يسمى مدبرًا لأنه ينتظر موت سيده فيصير حرًا. وهذا لا يرث ولا يورث حتى إذا مات سيده. "المكاتب": النوع الثالث، وهو الذي كاتب سيده على مبلغ من المال، إذا أداه فهو معتوق وعتيق. فهو يرث بقدر ويورث، يرث ويورث بقدر ما فيه من الحرية. فإذا كاتب بالنصف صار منصفًا، بالربع صار ربعه، وهكذا. وهناك "المبعض": هو الذي بعضه حر وبعضه رقيق. كأن يكون جماعة ورثوا عبدًا لهم فأعتقه اثنان ولم يعتقه اثنان، فيسمى مبعضًا. هذا يرث أيضًا بقدر ما فيه من الحرية، وكذلك يورث. قال رحمه الله تعالى: فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه، ولا يورث أيضًا. التوريث: لا يورث لأنه مال لسيده. قال رحمه الله: لأن العبد وما ملكت يداه لسيده ومولاه. يقول العالم: لو أنه ورث فهو مال أيضًا، فيعود ما ورثه لسيده وهو أجنبي. ولهذا يقال: لا يرث ولا يورث، لأن المال الذي سيأخذه يصير ملكًا لمالكه بعده أو لمالكه معه، فمنع لهذا. والدليل على هذا في القرآن: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ يفيد أنه لا يملك لأنه مملوك، ولا يصح له ملك أو إرث أو نحو ذلك لأنه لا يقدر على شيء، سبب أن غيره يملكه. هذه الآية دليل استدل به أهل العلم على أن العبد لا يرث ولا يورث، كتشديد الرأي. قال: وأما المبعض الذي بعضه حر وبعضه مملوك، فإنه يرث ويورث، ويورث، يرث ويورث، ويحجب بمقدار ما فيه من الحرية على مذهب الإمام أحمد رحمهم الله. استدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على قوله هذا بحديث ابن عباس في المسند، بل هو في زوائد المسند: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العبد يُعتق بعضه: "يرث ويورث على قدر ما عتق منه". وهذا حديث صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العبد المبعض: "يرث ويورث على قدر ما فيه، على قدر ما عتق منه". وأيضًا في الصحيحين حديث ابن عمر: "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُّوِّم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه". أخرجه البخاري ومسلم. الشاهد أنه أثبت للمبعض أنه عتق منه ما عتق، فهو حر فيما عتق منه. وهذا القول أيضًا اختارته اللجنة الدائمة، وبه قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، تمسكًا بالأدلة والأحاديث. يقول رحمه الله: وهذا هو الراجح دليلًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى. هذا هو الراجح دليلًا، وهو قول الشافعي في الجديد. هذا قول الشافعي في الجديد من المذهب، وبه قال داود، ومحمد بن الحسن، والثوري، وغيرهم من أهل العلم. قال رحمه الله: ولا يورث عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم. وإذا صح الحديث لم نمنع ذلك، إذا صح الحديث تمسكنا به. طيب، نكتفي بهذا القدر. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.