شرح اصول السنة للحميدي 5

الدرس في شرح اصول السنة للحميدي 5، ألقاها

مفهوم الإيمان وزيادة الإيمان ونقصانه

الإيمان قول وعمل واعتقاد، ويزيد وينقص حسب قول أهل السنة والجماعة. يزيد بطاعة الله وينقص بالمعاصي والذنوب.

أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن والسنة

استدل أهل السنة على زيادة الإيمان ونقصانه بأدلة من القرآن والسنة، حيث بينت الآيات والأحاديث أن الإيمان يزيد وينقص وأنه يتفاضل بين الناس.

الآراء المختلفة حول زيادة الإيمان ونقصانه وتفنيدها

يتناول المقطع آراء أهل السنة والجماعة والمبتدعة حول زيادة الإيمان ونقصانه، ويبين بطلان آراء المرجئة والجهمية والخوارج والمعتزلة في هذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام بكر الحميد رحمه الله في رسالته «أصول السنة»: قال وسمعت سفيان يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، لا تقول ينقص، فغضب وقال: أسكت يا صبي، بل حتى لا يبقى منه شيء. هذا القول سفيان بن عيينة رحمه الله، قد رواه الأجري في «الشريعة»، ومنبهة في «الإبانة»، واللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة»، وغيرهم، فهو قول ثابت عنه رحمه الله، بل وهو قول -يعني- عامة أهل السنة والجماعة، يقولون بهذا القول بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ويزيد وينقص. فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، كما مر معنا في مسألة الإيمان، وأراد هنا التأكيد على مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله جل وعلا، وينقص بالمعاصي والذنوب، فهذا قول أئمة أهل السنة والجماعة، كالإمام أحمد، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وغيرهم من أئمة أهل السنة. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، فمن زعم أنه يزيد ولا ينقص فاحذروه؛ فإنه مبتدع، فاحذروه؛ فإنه مبتدع. وأدلة زيادة الإيمان ونقصانه كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وكل دليل ثبت في زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه؛ فهو دليل على نقصانه. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله استدل بالأدلة الدالة على زيادة الإيمان على نقصانه، كما صنع ذلك في صحيحه. ومن هذه الأدلة الدالة على زيادة الإيمان قول الله عز وجل: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وهكذا قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادت هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾. نعم، هذه المواضع في كتاب الله جل وعلا استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات زيادة الإيمان، والإمام البخاري في صحيحه عقد بابا في زيادة الإيمان ونقصانه، وأورد فيه هذه الآيات، أو بعضها. والإمام ابن كثير في تفسيره عند تفسير الآية الثانية من سورة الأنفال قال: وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل، هكذا قال رحمه الله. وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا﴾، قال: وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف. وأيضا استدل بهذه الآية الإمام الأجري رحمه الله في كتابه «الشريعة»، وهكذا اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة». فهذه الآيات وغيرها كثيرة، لكن هذه صريحة في الدلالة على زيادة الإيمان، وزيادة الإيمان دلالة على نقصانه؛ لأنه قبل الزيادة يكون ناقصا. ولهذا استدل من استدل من أهل العلم بهذه الآيات على زيادة الإيمان ونقصانه. وأما من السنة فالأدلة كذلك كثيرة، ومنها حديث أبي هريرة في الصحيحين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن». والمعنى أنه ناقص الإيمان، ليس معنى أنه كافر، لكنه زال عنه الإيمان المطلق -يعني الإيمان الكامل- وأثبت له مطلق الإيمان، فهو مؤمن ناقص الإيمان؛ لماذا؟ بسبب فعله لهذه المعاصي نقص إيمانه. وهكذا أيضا من الأدلة في السنة حديث أبي هريرة في الصحيحين في قول عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان شعب وأجزاء، وأنه يتفاضل، منه ما هو أعلى ومنه ما هو أدنى، فأعلاه قول لا إله إلا الله، وأدنى إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة -يعني جزء- من أجزاء الإيمان، فدل هذا على أن الإيمان أهله متفاوتون فيه. وهكذا أيضا حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له». الحديث رواه الإمام أحمد وأبو شيبة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه نفي الإيمان عمن لا أمانة له، والمراد بنفي كمال الإيمان، نفي كمال الإيمان، فهو أيضا دليل على زيادة الإيمان ونقصانه. وهكذا أيضا حديث أبي سعيد في مسلم في قول عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فبين النبي عليه الصلاة والسلام مراتب إنكار المنكر وتفاوت الناس فيها، وأن من أنكر بقلبه فقط فهو من أضعف الإيمان، إذا الإيمان منه ما هو قوي ومنه ما هو ضعيف. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة في الصحيح في قول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». الحديث، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من المؤمنين من إيمانه قوي ومنهم من إيمانه ضعيف، إذن يتفاوتون في الإيمان بين الزيادة والنقصان والقوة والضعف. وهكذا أيضا في حديث أبي هريرة، وفي حديث أنس في الصحيحين في أمر الله عز وجل بإخراج من قال لا إله إلا الله، أو من قال في قلبه -يعني ذرة من إيمان- من النار، قال في الحديث: يقول الله عز وجل يأمر الله عز وجل بإخراج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير. ومثل هذا الشفاعة في شفاعة أهل الإيمان والأنبياء، وشفاعة رب العالمين سبحانه ممن دخل النار من أهل الكبائر. فقوله: يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة، ووزن برة، ووزن شعيرة، يدل على اختلافهم في الإيمان وتفاوتهم في الإيمان، وغيرها من الأدلة الكثيرة في السنة الدالة على تفاوت المؤمنين في الإيمان. فهذا القول هو قول أهل السنة والجماعة بأن الإيمان يزيد وينقص. والقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هذا هو قول المبتدعة، سواء كانوا من المرجئة أو الجهمية أو الخوارج أو المعتزلة أو الأشاعرة أو غيرهم ممن خالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. فالمرجئة والجهمية جعلوا الإيمان شيئا واحدا لا يزيد ولا ينقص، فمن آمن فإيمانه كامل، مهما عمل من الأعمال، إذا فسق أو فجر أو ارتكب فهو مؤمن، فإيمان الفاجر عند المرجئة كإيمان أبي بكر وعمر. وقالوا: كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، فكذلك لا يضر مع الإيمان معصية، لا يضر مع الإيمان معصية. بل قال الجهمية -يعني لازم قولهم- أن من آمن وثبت إيمانه مهما عمل، ولو سب الله ورسوله وارتكب ما ارتكب من الكفر فهو مؤمن، فلو قتل الدماء الحرام واستباح المحرمات -يعني بفعله- وسفك الدماء وعمل ما عمل، فهذا لا يضر مع كونه مؤمنا. ولا شك أن هذا قول باطل. وفي مقابلهم الخوارج والمعتزلة كذلك جعلوا الإيمان شيئا واحدا لا يزيد ولا ينقص، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولهذا كفروا صاحب الكبيرة؛ لأنه لا يجتمع عندهم في العبد إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. قالوا: فإذا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب فقد زال الإيمان. وعلى هذا كفر الخوارج أصحاب الكبائر، وحكموا عليهم في الدنيا بأنهم كفار. وإن كان المعتزلة توقفوا، فلم يطلقوا لفظ الكفر عليهم في الدنيا، بل قالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، واتفقوا أنهم مخلدون في النار يوم القيامة. واستباح الخوارج دماء وأموال أهل الكبائر، بخلاف المعتزلة. فما هو السبب في ذلك؟ هو أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا، الإيمان شيئا واحدا لا يزيد ولا ينقص، إذا ذهب بعضه ذهب كله. وهذا أيضا قول باطل ومردود. والقول الصواب قول أهل السنة والجماعة، أن الإيمان يزيد وينقص. طيب، هذا ذكر شيء مما يتعلق بهذه المسألة على جهة الاختصار. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على