الله نور السماوات والأرض

الخطبة بعنوان الله نور السماوات والأرض، وكانت بمسجد السنة بتبالة 13 ربيع أول 1439هـ ألقاها

مفهوم نور الله في القرآن الكريم

يشرح هذا الفصل معنى نور الله تعالى في القرآن من خلال تفسير الآية "الله نور السماوات والأرض"، ويبين أن الله سمى نفسه بالنور وأنه نور السماوات والأرض بنوره. يشرح المثل الذي ضربه الله لنوره في قلب عبده المؤمن.

نور الإيمان في قلوب المؤمنين

يتحدث هذا الفصل عن معنى الآية "لا شرقية ولا غربية" وصفاء قلب المؤمن ونوره، ويشرح كيف يكون للمؤمن نور يوم القيامة، بينما الكافر يتقلب في الظلمات. يشير إلى أهمية الإيمان في الحصول على هذا النور.

أهمية النور يوم القيامة والعمل الصالح

يشرح هذا الفصل كيف يكون للمؤمنين نورًا يوم القيامة يمرون به على الصراط بقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، بينما يخسر المنافقون نورهم. يشدد على أهمية طلب الزيادة في النور من الله.

الدعاء بالنور والصلاح في الدنيا والآخرة

يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن يجعل الله النور في جميع جوانب المؤمنين، وأن يحشرهم مع أهل النور في الجنة. ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾. أخبر الله جل وعلا في هذا المثل العظيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون، أخبر جل وعلا عن نفسه بأنه نور، فسمى ربنا جل وعلا نفسه بالنور، وأخبر بأنه نور السماوات والأرض، فبنوره استنارت السماوات والأرض. الله نور السماوات والأرض، فالنور اسم من أسماء الله دال على صفة النور، وهي صفة تليق بالله جل وعلا، نور لا كالأنوار، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: نور يليق بجلال الله وبعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل استفتح الصلاة بقوله: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض...» الحديث، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فالنبي عليه الصلاة والسلام أثبت لله جل وعلا اسم النور وصفة النور، وهو أعلم الخلق بربه سبحانه وتعالى. ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾، جعل الله عز وجل هذا المثل في بيان عظيم نوره الذي جعله الله جل وعلا في قلب عبده المؤمن. ﴿كمشكاة فيها مصباح﴾، أي كالكوة التي تكون في البيت فيها مصباح يضيء، ﴿المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري﴾، أي أن هذه الزجاجة في غاية من النقاء والصفاء، كأنها كوكب دري في إضاءته وفي نوره وصفائه. ﴿يوقد من شجرة مباركة زيتونة﴾، أي يوقد هذا الضوء الذي في هذا المصباح من شجرة مباركة زيتونة، وهي شجرة مباركة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلوا من الزيت وادهنوا به فإنها شجرة مباركة»، رواه الإمام البيهقي رحمه الله وغيره. ﴿لا شرقية ولا غربية﴾، أي ليست هذه الشجرة في جهة الشرق فتصيبها الشمس عند إشراقها ولا تصيبها عند غروبها، ولا هي غربية فتصيبها الشمس عند غروبها ولا تصيبها عند إشراقها، بل هي وسط بين شروق الشمس وغروبها. ﴿يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار﴾، أن يكاد أن يضيء هذا المصباح من غير أن يمسه نار، من صفاء هذا الزجاج وحسن هذا الزيت. قال ابن عباس وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما: هو مثل نور الإيمان في قلب عبد المؤمن، جعل الله عز وجل هذا المثل في بيان النور الذي يجعله الله جل وعلا في قلب عبده المؤمن. فقلب المؤمن في غاية من الصفاء وفي غاية من النقاء، يكاد قلبه أن يضيء من غير أن يستمد هذه الإضاءة من الوحيين الكتاب والسنة. قال أبي بن كعب رضي الله عنه: فالمؤمن يتقلب في خمسة أنوار، فقوله نور، وفعله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة، وهي الجنة. وأما الكافر فهو يتقلب في الظلمات، كما قال الله جل وعلا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾، إلى آخر الآيات. قال رضي الله عنه: فهو يتقلب في خمس ظلمات، فقوله ظلم، وفعله ظلم، ومدخله ظلم، ومخرجه ظلم، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، وهي دار الكافرين والمجرمين النار، عياذًا بالله. ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾، يهدي الله عز وجل لهذا النور العظيم من يشاء، ربنا جل وعلا أن يهديه وأن يختار من عباده من يعلم سبحانه أنه أهل لحمل هذا النور. هذا القرآن والوحي الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام نور، قال الله جل وعلا: ﴿ولقد أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾. فمن ازداد منه إيمانًا وتصديقًا وعملًا وحفظًا وتلاوة وتعليمًا ازداد هذا النور في قلبه، فكان له نور يوم القيامة. هذا الرسول عليه الصلاة والسلام الذي بعثه الله جل وعلا وهو خير الأنبياء والرسل، فهو نور لهذه الأمة، من آمن به واتبعه وصدقه وكان على هديه وطريقته ازداد بذلك نورًا يوم القيامة. قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾. عباد الله، هذا النور الذي يكون للعبد في هذه الدنيا بحسب إيمانه وتصديقه واتباعه يكون له نورًا يوم القيامة، يوم أن يعطى الناس أنوارهم على قدر أعمالهم. منهم من يكون نوره كالشمس، ومنهم من يكون نوره كالقمر، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره دون ذلك، حين يمرون على الصراط وهو مظلم عليه خطاطيف وكلاليب كشوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم وذنوبهم. فيمر المسلم على هذا الصراط بقدر ما كان يسير على الصراط المستقيم في هذه الدنيا، فإذا كان إيمانه قويا وأعماله قوية وكان له في هذه الدنيا من النور الشيء العظيم، كذلك يعطى من النور يوم القيامة على مروره على الصراط. حتى أن يكون آخرهم من يعطى نوره على إبهامه يضيء تارة وينطفئ تارة حتى ينجو. وأما المنافقون الذين كانوا مع أهل الإيمان في الدنيا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فاستضاءوا بنور دنيوي، أمنوا بهذا النور من سطوة السلطان وأخذ أموالهم وعاشوا بين المسلمين وحكم بهم بأحكام أهل الإسلام. حتى إذا كان يوم القيامة ذهب هذا النور الذي كانوا يظنون أنه سينفعهم، فمثلهم كما قال الله جل وعلا: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾. فلذلك يوم القيامة تنطفئ أنوارهم ويبقون في ظلمة عظيمة، فينادون أهل الإيمان الذين كانوا معهم في الدنيا يعيشون في أوساطهم، ينادونهم أن يعطوهم من النور الذي أبقاه الله جل وعلا لهم بسبب إيمانهم وصدقهم. قال الله جل وعلا: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾، إلى أن قال: ﴿ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾، إلى آخر الآيات. قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير﴾. هذا النور عباد الله الذي يبقى للعبد يوم القيامة هو بقدر صدقه في إيمانه وإخلاصه في أعماله، فيبقي الله جل وعلا له هذا النور يستضيء به يوم القيامة. كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله جل وعلا أن يزيده نورًا، وأن يجعل في قلبه النور وفي سائر جوارحه، جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن فوقي نورًا، اللهم اعطني نورًا». فما أحوجنا أن نسأل الله جل وعلا أن يزيدنا نورًا، وأن يجعل قلوبنا مليئة بالنور، وأن يجعلنا جل وعلا محاطين بالنور من جميع جهاتنا. نسأل الله جل وعلا بمنه وفضله وكرمه أن يجعل قلوبنا نورًا، وأسماعنا نورًا، وأبصارنا نورًا، وإجعل النور من فوقنا ومن تحتنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، وأن يحشرنا جل وعلا على هذا النور ومع أهل النور، وفي دار المؤمنين المتقين التي هي دار النور الجنة. أقول ما تسمعون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على