عش ما شئت فإنك ميت

الخطبة بعنوان عش ما شئت فإنك ميت، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 شوال 1437هـ ألقاها

الموت والحياة الدنيا وتذكير بالآخرة

يتناول المقطع موضوع الموت كحقيقة لا مفر منها ويحث على التفكير في الفناء والاستعداد للآخرة. ينبغي للإنسان أن يعمل الصالحات ويتعلق بالله ورسوله استعدادًا للقاء الله.

أهمية قيام الليل وعزة المؤمن

قيام الليل عبادة عظيمة تعكس شرف المؤمن وعزته، وهي من صفات أهل الجنة الذين وصفهم الله بأنهم يقومون الليل ويبتعدون عن المضاجع لعبادة الله. هذه العبادة تعتبر قربة إلى الله ومكفرة للسيئات.

عزة المؤمن في الاستغناء عن الناس والدعاء بالتوفيق

عزة المؤمن تكمن في استغنائه عن الناس وعدم التفاته إلى ما في أيديهم، وينبغي الحرص على قيام الليل لتحقيق العزة والرفعة. كما ينبغي طلب التوفيق من الله والإصلاح في الدين والدنيا والآخرة بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ليلة المباني كثيرة المعاني، قال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، أي عش في هذه الدنيا وعمر ما عمرت فيها من السنين، فإن النهاية هي الموت والرحيل من هذه الدنيا. قال الله جل وعلا: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾. نعم، عباد الله، مهما عاش الإنسان في هذه الحياة وعمر في هذه الدنيا، فإن مصيره هو الانتقال منها والرحيل منها، لو عاش ستين سنة أو ثمانين أو مئة أو فوق المئة، فلابد أن يرحل من هذه الحياة. في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك»، أي القليل من يعمر فوق السبعين، وإلا فأكثر أعمار هذه الأمة هي بين الستين والسبعين. لمن عمر ثم يكون بعد ذلك الموت أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، مهما يذهب الإنسان وأينما يفر، لو صعد أعلى الجبال، فسيأتيه الموت متى ما كتبه الله سبحانه وتعالى عليه. قل: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. نعم، عباد الله، ويقول الله جل وعلا: ﴿وجاء سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾، هذا ما كنت منه تهرب، وما كنت منه تفر، فقد جاءك كما أخبر الله جل وعلا، وقضى على كل نفس في هذه الدنيا بالفناء. ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾. وقال عز وجل: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. عش ما شئت فإنك ميت، اجعل هذه الجملة في عقلك وفي فكرك وبالك أنك مهما عشت فإنك ميت، ومهما تلذذت بمتاع الدنيا فإنك تاركه ومفارقه. ولهذا قال: «وأحبب من شئت فإنك مفارقه»، أحبب من شئت، إذا أحببت الزوجات أو أحببت الأولاد أو أحببت الأموال أو أحببت هذه الدنيا، فإنك مفارقها وتاركها. والله جل وعلا يقول: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل﴾. أي شيء تحبه في هذه الدنيا فإنك ستفارقه وسوف تتخلى عنه، ولن تخرج من هذه الدنيا إلا بأعمالك التي عملتها في هذه الحياة والتي تقربت بها إلى الله سبحانه وتعالى. في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله». فأنت مفارق للأهل ومفارق للأولاد ومفارق للأموال، مهما أحببتها ومهما تعلقت بها، فإنك ستتركها. فلذلك ينبغي أن تعلم أنه ينبغي أن يكون حبك لله جل وعلا ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولما شرع الله جل وعلا في هذا الدين القويم من الشرائع والأحكام التي هي زاد العبد في هذه الحياة. وليس معنى ذلك أن العبد يلام على محبته للأهل والأولاد، فإن محبتهم محبة طبيعية جبلت عليها القلوب، لكن لا ينبغي أن تزيد عن حدها حتى تكون سببًا في ترك طاعة الله أو في ارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى. قال: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به»، اعمل ما شئت في هذه الدنيا التي هي دار العمل، اعمل إن عملت خيرًا فستلقى خيرًا، وإن عملت شرًا فلا تلومن إلا نفسك. نعم، عباد الله، الله جل وعلا يقول: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾، فهذه الحياة هي دار العمل ودار التزود للآخرة. ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. إن عملت صالحًا فستجد ما يسرك يوم القيامة، وإن عملت سوءًا فستجد ما يسوؤك. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم لا يظلم أحد يوم القيامة من عمله شيئًا وما ربك بظلام للعبيد﴾. ﴿ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾. جعل الله عز وجل صحائف الأعمال التي ترصد فيها أعمال العباد لإقامة الحجة عليهم، فلا يكون للعبد حجة على الله يوم القيامة، يجد أعماله ويجد أفعاله وأقواله التي فعلها في الدنيا، فينظر في صحيفة أعماله فلا يستطيع أن ينكر منها شيئًا. ﴿أحصاه الله ونسوه والله بكل شيء عليم﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا مزيدًا. عباد الله، ما زلنا مع هذه الوصية العظيمة وهذه الوصية المباركة التي أوصى بها جبريل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس»، بعد أن أوصاه بالاستعداد للموت، وأن يعلم العبد أنه مهما عاش مفارق للدنيا وأنه سيجازى على أعماله في الآخرة على حسنها وسيئها، وأنه سيفارق كل ما أحب في هذه الدنيا. أوصاه بهذه العبادة العظيمة وهذه الطاعة المباركة ألا وهي قيام الليل، قال: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل»، هذه الطاعة عباد الله هي عبادة أهل الإيمان وعبادة أهل التقوى وعبادة أهل الجنة الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾. فسرت هذه الآية بتفسيرين، التفسير الأول أنهم قليلًا ما ينامون من الليل ويحيون أكثر الليل في طاعة الله وعبادته، والمعنى الثاني أنهم يقومون من الليل ما يتيسر فلا يفوتهم الليل من غير قيام بين يدي الله سبحانه وتعالى. ويقول الله جل وعلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون﴾، هكذا يصف الله أهل الإيمان وأهل التقوى بهذه العبادة العظيمة. ويقول الله جل وعلا: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾. ويقول جل وعلا: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾. شرف المؤمن قيامه بالليل، نعم عباد الله، يقف بين يدي الله جل وعلا يناجي ربه ويركع ويسجد بين يدي الله يتضرع له ويذل له في ذلك الوقت الذي ينام فيه العباد، وهو يترك فراشه ويترك لذة النوم ليقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. احرص أيها المسلم ويا طالب العلم أن يكون لك نصيبًا من قيام الليل ولو شيئًا يسيرًا ولو ركعات معدودة مع الوتر أو أن توتر في آخر الليل، فيكون لك نصيبًا من هذه الطاعة والعبادة. جاء عند الحاكم وغيره من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم»، عليكم أي الزموا قيام الليل فإنه دأب الصالحين أي طريقتهم وهديهم أنهم كانوا يقومون الليل ويجعلون له نصيبًا من الطاعة والعبادة. سواء كان ذلك من الأنبياء أو من أتباعهم من أهل الصلاح والخير، كان هذا دابهم وهذه طريقتهم وهذا سبيلهم. دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، نعم من أعظم القربات ومن أعظم الطاعات. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عبد الله بن سلام: «أفش السلام وأطعم الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام». ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم، مكفرة للذنوب والخطايا وهي منهاة عن الإثم أي تنهى صاحبها عن الوقوع فيما حرم الله من الذنوب والمعاصي، وذلك من أثر قيامه بين يدي الله جل وعلا في ذلك الوقت العظيم. قال: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس»، عز المؤمن ورفعته أن يستغني عما في أيدي الناس، فلا يلتفت إلى ما في أيديهم ويكون عزيزًا، ويكون كذلك رفيعًا أن لا يسألهم شيئًا مما في أيديهم. في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يستعفف يعفه الله ومن يستغني يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي عبد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر»، ومن يستغني يغنه الله من يستغني عما في أيدي الناس يغنيه الله سبحانه وتعالى ويسد حاجته ويسد طلبه فلا يحتاج، ولا كذلك يلتفت إلى ما في أيدي الناس. فإن سؤال الناس مذلة والترفع عن ذلك رفعة وعزة لصاحبه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ليس الغنى عن كثرة العرض أي كثرة متاع الدنيا وعرض الدنيا أن يلال منها الإنسان ما ينال، ولكن الغنى غنى النفس أن يكون قانعًا بما أتاه الله وبما قضى الله جل وعلا له، فهو في نفسه غني وإن كان في أعين الناس فقيرًا. والله جل وعلا يقول في حال الفقراء المتعففين: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾، نعم يحسبونهم أغنياء بسبب عفتهم وعدم تعرضهم لسؤالهم ومد أيديهم. ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس، استغن ما أغناك ربك بالغنى، وإذا تصبك خصاصة فتجملي. ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء. إذا كنت ذا قلب قانع فأنت ومالك الدنيا سواء، لأنك عندك قناعة وعندك رضا بما آتاك الله سبحانه وتعالى، فتكون بذلك عزيزًا ورفيعًا. فينبغي عباد الله أن نتمعن هذه الكلمات وأن نتدبر هذه الوصية وأن نحرص على العمل بما فيها، فإن فيها عظة عظيمة ومواعظة بليغة تنفعنا في ديننا ودنيانا وفي آخرتنا. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يجعلنا سبحانه من المسارعين في مرضاته. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على