الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  38

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 38

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 38، ألقاها

قصة أبو الدحداح والنخلة وفضل المعروف

يروي المقطع قصة رجل يملك نخلة ويطلب النبي صلى الله عليه وسلم منه أن يعطيها لرجل آخر، ثم يأتي أبو الدحداح ويشتري النخلة ببستانه كله. يبين المقطع دلالة هذه القصة على فضل المعروف والصدقة.

فضل الإنفاق في سبيل الله وجزاء المتصدقين

يُظهر المقطع فضل الإنفاق وجزاء المتصدقين من خلال قصة أبي الدحداح الذي تصدق بنخلة له ابتغاء وجه الله، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم نخلة في الجنة. يُشير إلى أن حسنة واحدة في الآخرة خير من كنوز الدنيا كلها.

تحسر الناس يوم القيامة وإيثار الصحابة

يذكر أن الله سمى يوم القيامة بيوم الحسرة لأن الناس يتحسرون على أوقات وأموال ضيعوها في غير طاعة الله، ويصف إيثار الصحابة الأثرياء وهم على حاجة. يُنهي بالدعاء والتسبيح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل هذه الوصية رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا حسن، وهو حسن بن موسى الأشيب، وكان ثقة، وثقه الإمام أحمد بن معين وغيرهما، إلا أن يحيى بن سعيد كان يتكلم فيه، لكن أكثر العلماء على أنه ثقة. وأحيانًا يحيى بن سعيد شدد في الأمر. قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو ابن سلمة، ابن جندل البصري، وهو من أثبت الناس في ثابت. وذكرنا في الدرس الماضي ما له وما عليه. قال: عن ثابت أن أنسًا رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، أن يظهر هذه النخلة في حائط البستان وأنا في حدوده، وأراد أن يعطيها إياه حتى يعمل الحائط في بستانه. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعطها إياه بنخلة في الجنة. فأبى، فأتاه أبو الدحداح فقال: بيعني نخلتك بحائطي، أنا بستاني كله حائط معنا البستان. بيعني نخلتك بحائطي، أي قال لهذا الرجل صاحب النخلة، ففعل. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي. ابتعته أي اشتريته، ولفظ البيع والشراء يطلق أحدهما على الآخر، فيقال ابتعته واشتريته، ويقال بعته واشتريته، فكلهما واحد. فقال: فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي. قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها. أنا أعطيتها للنبي صلى الله عليه وسلم هذه النخلة اشتريتها الآن، أعطيتها إياك، اجعلها له. فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة؟ كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة؟ وراح فسر بمعنى أنه كان له، وفسر راح معنى له رائحة طيبة. كم من عذق راح، وجاء في بعض الألفاظ كم من عذق رواح راح لأبي الدحداح، وراد أنه فيه رائحة عظيمة يراح من مكان بعيد. كم من عذق، والعذق هو ما يكون فيه التمر. فقال: كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة؟ لأبي الدحداح في الجنة، قالها مرارًا. قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها. ننظر إلى هؤلاء النساء اللواتي تربين على الإسلام وتربين على الخير، فهذه امرأة أبو الدحداح لم تقل له شيئًا، بل قالت: ربح البيع يا أبا الدحداح. وهذا لصدقها رضي الله عنها، وكذلك لتفانيهم في هذه الدنيا، وما يكون عندهم من الأموال، بما يعطون في الآخرة. وكما قال بعض السلف، ويذكر ذلك عن عبيد بن عمير أنه قال: ﴿حسنة واحدة في الآخرة خير من كنوز الدنيا كلها﴾. وهذا لو فكرت وتأملت في كلامي فهو صحيح، لأن هذه الدنيا مهما جمع الإنسان منها فهي فانية، فإن لم يجعلها لله عز وجل ويجعلها في الخير، فإنه لا يستفيد منها شيئًا في الآخرة. والحياة إنما هي حياة الآخرة، وهناك يوم القيامة، ما هي إلا حسنات وسيئات، فيحتاج المرء إلى الحسنة الواحدة. فلهذا سمى الله عز وجل ذلك اليوم ﴿يوم الحسرة﴾، وأنذرهم ﴿يوم الحسرة القضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾. سمي يوم الحسرة لأن الناس يتحسرون يوم القيامة، الكفار يتحسرون على أنهم ما أسلموا، وأيضًا حتى أهل الإيمان يتحسرون على أوقات أضاعوها في غير طاعة الله، أموالًا أضاعوها في غير طاعة الله، وهكذا. فالحسرة موجودة، فلهذا فثواب الآخرة عظيم. فهذا أبو الدحداح لعله والله أعلم ليس له إلا هذا البستان، فإنه يجد منه ثماره ويشرب من مائه، لكن لما عرض بنخلة في الجنة، فإنه تصدق به بنخلة في الجنة. وهذا أيضًا يذكرنا بما فعله أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، لما أنزل الله عز وجل: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ «بيرحاء»، و«بيرحاء» هذه أيضًا حائط أو بستان عند المسجد، قرب المسجد، وكان فيه ماء عذب، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب هذا الماء، فكان يشرب من هذا البستان، أي يشرب من ماء هذا البستان الذي لأبي طلحة. فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي «بيرحاء»، وإنها صدقة لله ولرسوله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلها في بني عمك وأقربائك. فأعطاها أبو طلحة لأبي بن كعب وغيرهم من أبناء عمه. فهذا يدلك أيضًا على تفانيهم رضي الله عنهم، وأن الدنيا كما يقولون: الدنيا مالها وترابها استوى عندهم، كنوزها وترابها استوى عندهم، فلم يبالوا بما يعطون. فلهذا قال: كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة؟ ليس عذقًا واحدًا، بل أعذاق كثيرة راحت لأبي الدحداح رضي الله عنه. فهذا شيء مما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم، خاصة الأثرياء، فإنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ولو كان بهم حاجة. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وأن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين، أغفر لي بهم. أغفر لي بهم.

شاركنا على