الخطبة بعنوان أسباب البركة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ربيع الآخر 1440هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
افتتح الخطيب بالحمد والثناء وتلاوة آيات تحث على تقوى الله، ثم استعرض قول عيسى عليه السلام «وجعلني مباركاً أينما كنت» مع أقوال المفسرين في معنى البركة كالتعليم للخير والنفع والأمر بالمعروف.
استعرض الخطيب دعاء نبي الله نوح عليه السلام بالنزول المبارك، وبين مشروعية السلام والدعاء عند الدخول، وعرّف البركة بأنها ثبوت الخير الإلهي ونماؤه، مؤكداً الحاجة إليها في العمر والعمل مستدلاً بحديث «خير الناس من طال عمره وحسن عمله».
أكد الخطيب ضرورة طلب البركة في العمر، الوقت، الرزق، الأولاد، العلم، والأهل، مبيناً أن حقيقتها تظهر في كفاية القليل وصلاح الأبناء والعمل بالعلم، وأن تقوى الله والاستقامة على دينه من أعظم الأسباب الجالبة للبركات، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على لسان نبيه عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾. قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أي معلماً للخير. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: أي نفاعًا. وقال بعض المفسرين: أي آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حيث ما كنت. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على لسان نبيه نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. دعا ربه أن ينزله إنزالاً مباركاً، على قراءة: ﴿مُنْزَلًا﴾، وجاءت قراءة: ﴿مَنْزِلًا﴾، أي موضعاً ومكاناً مباركاً. فعلم ربنا عز وجل عباده أن يدعو بهذا الدعاء عند دخولهم ونزولهم. ولذلك شرع للمسلم إذا دخل على قوم أن يسلم عليهم، ويقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته». وقد علم نبينا عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي أن يدعو بهذا الدعاء في قنوت الوتر: «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت». أيها المسلمون، عباد الله، إن البركة نحتاج إليها في كل شيء، لأن معناها ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وهي بمعنى النماء والزيادة. فإذا بارك الله عز وجل في شيء جعل الخير ثابتاً فيه لا يفارقه، فيزداد وينمو. البركة نحتاج إليها في أعمارنا عامة، فالبركة في العمر بأن يعيش الإنسان مدة حياته، ولو كانت قصيرة، وقد حقق فيها من الأعمال العظام ومن الإنجازات المشرفة ما لم يحققه غيره من الناس. وقد جاء في حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». هذه هي البركة في العمر. وكذلك البركة نحتاج إليها في الوقت، بأن يمضي الإنسان وقته في عمل الصالحات، وفي كل نافع مفيد من عمل الدين أو الدنيا. وكذلك البركة نحتاج إليها في أرزاقنا، والبركة في الرزق أن يكفي القليل منه، فالمال المبارك هو المال الذي يقضي به الإنسان حاجته وإن كان قليلاً. البركة نحتاج إليها في الولد، بأن يكون أولادنا قرة أعين لنا، أن نراهم طائعين مطيعين، أن نراهم صالحين. البركة، البركة، عباد الله، نحتاج إليها في علمنا، فبركة العلم تكون بالعمل به والدعوة إليه. البركة، عباد الله، نحتاج إليها في أهالينا، في زوجاتنا، بأن تكون هذه الزوجة طائعة لزوجها، مربية لأولاده، حافظة لفراشه. البركة، عباد الله، نحتاج إليها في كل شيء، فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نطلب هذه البركة وأن نسعى إليها، فثمة أمور كثيرة تجلب البركة متى ما عمل بها المسلم وترسم خطاها. فمن الأمور التي تجلب البركة، ومن أعظمها: تقوى الله سبحانه وتعالى، أن تتقي الله، أن تستقيم على دين الله، أن تعمل بأوامر الله، أن تبتعد عن محارم الله. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، بركات من بركات الله عز وجل التي خلقها في السماوات والأرض. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فتقوى الله سبب للبركة.