الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 84، ألقاها
يروي قصة زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة، ويبرز وفاء النبي له وتزويجه لامرأته رغم كبر سنها ووجود عيال لديها. النبي صلى الله عليه وآله وسلم طمأن أم سلمة بشأن مخاوفها من الزواج.
بعد وفاة أبي سلمة، تقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخطبة أم سلمة، وذكرت له ثلاث عوائق عن الزواج، فطمأنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله سيذهب غيرتها، وأن عيالها سيصبحون عياله. كان النبي أكبر منها سنًا.
كان زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة جزءًا من استراتيجيته لربط القبائل، خاصة قبائل قريش، حيث تزوج العديد من النساء الكبيرات في السن من مختلف القبائل. كان يهدف من خلال هذه الزيجات إلى توطيد العلاقات وتقوية الروابط بين المسلمين وقبائلهم.
يشير إلى سهولة حياة بعض الصحابة، ويذكر أن هذا مذكور في حديث ما، مما يعطي لمحة عن حياة الصحابة وربما دلالات زواج النبي من نساء كبار السن على تقاليد المجتمع آنذاك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، وعبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال أبو حاتم: صدق، وكان شيعيًا، ويدخل على الإمام أحمد، فقالوا: يا أبا عبد الله، يدخل عليك هذا الرجل وهو رافضي؟ قال: رجل أحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن الإمام أحمد رحمه الله، يرى أنه ليس شيعيًا؛ لأنه كان يترضى على أبي بكر وعمر، ويقول: «هما خيرة الناس، خيرة الصحابة»، لكنه كان يتكلم على عثمان، ولعل الإمام أحمد لم يسمع منه شيئًا كان يتكلم به على عثمان وعلى معاوية، فلكنه في الحديث صدق. قال: حدثني عجلان بن عبد الله بن عدي بن عدي بن معنى من الأنصار، قال: عن مالك بن دينار، عن أنس، قال: «لما حضرت أبا سلمة الوفاة، قالت أم سلمة: إلى من تكلني؟ قال: اللهم إنك لأم سلمة خير من أبي سلمة». فلما توفي، خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: إني كبيرة في السن، قال: «أنا أكبر منك سنًا، والعيال على الله ورسوله، وأما الغيرة فأرجو الله أن يذهبها»، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إليها برحاءين وجزة للماء. فهذا الحديث فيه زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة، وأم سلمة أسدية قرشية، وزوجها أبو سلمة مخزومي من بني مخزوم، وهو أيضًا قرشي، وأصيب رضي الله عنه في أحد وشفي، ثم أصيب في غزوة بعدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومات في نفس السنة، السنة الثانية. وكانت أم سلمة تقول: «من هو خير من أبي سلمة؟»، أول بيت هاجر إلى الله جل وعلا. وكان أبو سلمة أخًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبه، ولهذا وفاءً له تزوج امرأته، وفاءً لأبي سلمة تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأته. فهي كانت كبيرة ومعها عيال، معها عمر بن أبي سلمة وزينب، فلما حضرت أبا سلمة الوفاة، قالت أم سلمة: إلى من تكلني؟ لأنها لا أحد من أهلها في المدينة، لا أحد من أهلها في المدينة، فلهذا قالت له: إلى من تكلني؟ معنى: إلى من أذهب؟ ما في أحد من أهلي هنا، فأنا أهلها لم يسلم منهم أحد في ذلك الوقت. حتى لما خرجت رضي الله عنها خرجت بنفسها، بعد أن خرج زوجها أبو سلمة، فأخذت ابنها عمر وخرجت عندما أعطوها إياه، فخرجت رضي الله عنها، ووجدها ورآها في الطريق عمر بن عُمَر الضمري، وأخذها إلى المدينة مع ابنها، وقالت: «كان خير رجل»، فكانت إذا أرادت أن تركب تنحى حتى تركب في الراحلة. قال: فقال: «اللهم إنك لأمي سلمة خير من أبي سلمة»، أي: دعا لأم سلمة رضي الله عنها. وجاء في صحيح مسلم أنها قالت رضي الله عنها: «لما مات أبو سلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أصاب بمصيبة فليقل: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها». جاء في بعض الأحاديث عن أم سلمة أنها كانت تقول: «لا أستطيع أن أقول: اللهم اخلف لي خيرًا من أبي سلمة»، وجاء في صحيح مسلم أنها كانت تقول: «ومن هو خير من أبي سلمة؟»، ثم أنها دعت مثل ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها»، قال: «فأخلفني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخير من أبي سلمة». وجاء أيضًا عند أحمد بإسناد صحيح: أن أبا سلمة لما توفي تقدم لأم سلمة أبو بكر الصديق فلم تقبل، وتقدم عمر فلم تقبل، وكانت تتعذر بأولادها وعيالها، فلما تقدم لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: «لا أستطيع أن أرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن عندي ثلاث»، فذكرت لعمر ولغيره، فقالت: «إني امرأة غيور، وأنا عندي شديدة الغيرة، وأنا امرأة كبيرة، وعندي عيال»، فهذه ثلاث الأشياء التي ذكرتها. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أما الغيرة فأرجو الله أن يذهبها»، وجاء في الرواية: «فأدعو الله عز وجل أن يذهبها عنك»، وأما العيال فهم عيالي، وأما من السن فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وأنا أكبر منك سنًا»، أو وجاء في رواية أنها إن الأمر الثالث الذي وضعته أنها ليس أحد من أهلها هنا، ليس أحد من أهلها في المدينة، فمن الذي سيزوجها؟ فثم أنها قالت لعمر لما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قم يا عمر، زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». وكان عمر قرابة، قرابة معنى قد بلغت قرابة سبع سنين أو حولها. قال: فقالت: «وأنا أكبر منك سنًا، والعيال على الله ورسوله، وأما الغيرة فأرجو الله أن يذهبها»، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وجاء في رواية أنها صارت مثل إحدى نسائه، معنى الغيرة التي كانت تجدها ذهبت منها، فصارت إحدى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذهبت تلك الغيرة الشديدة التي كانت تجدها. قال: فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إليها برحاءين وجزة للماء. وجاء في رواية أنها قال عليها الصلاة والسلام لها: «أما إني سأعطيك ما أعطيت من قبلك»، ويريد حفصة رضي الله عنها؛ فحفصة تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أم سلمة، وكانت حفصة امرأة كبيرة، وهي ثيب، عجوز، تأيمت، ما تزوجها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تزوج أم سلمة، وقبلها زينب بنت خزيمة، وكانت عند ابن عمه عبيد بن الحارث، كانت زوجة عبيد بن الحارث، لما قتل عبيد في أحد صارت وحيدة، فتزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمتتبع لمثل هذه الزيجات يجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتزوج نساء كبارًا، وهذا وهذا إنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يربط القبائل، وخاصة قبائل قريش، فتجد أنه تزوج تسع نساء أو ثمان نساء من قريش. ولهذا لما قال له علي: «يا رسول الله، إنك قد تزوجت في بطون قريش، ولم تتزوج في بني هاشم»، فقال: «هل عندكم من أحد؟ هل عندكم من أحد بني هاشم؟» قال: «بنت حمزة»، قال: «إنها لا تحل لي؛ فهي بنت أخي من الرضاعة». فلهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعمد مثل هذا؛ ليعجل أن يربط قبائل قريش والعرب، غالبًا يستحيون أن يردوا أصهارهم، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصاهر تلك القبائل، قبائل قريش وغيرها، كذلك صاهر بني المصطلق، بل صاهر حتى اليهود، فتزوج صفية بنت حيي بن أخطب. فقال: فأرسل إليها برحاءين وجزة للماء؛ أنا رحى ليعجل أن تطحن طحينًا، وجزة: معنى مكانًا تجعل فيه الماء. وهذه كانت حياتهم حياة سهلة جدًا. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.