الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 167، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بتوضيح سند حديث نبوي شريف رواه الإمام أحمد، ويشرح تراجم الرواة المتعلقة بهذا السند.
يشرح المقطع الثاني حديث النبي حول فضل إنظار المعسر وتأجيل الدين، ويبين صحة الحديث ومعناه وأثره في حياة المسلم.
يُوضح المقطع الثالث والرابع الأجر العظيم لإنظار المعسر وكيف يُكتب لمن يقوم بهذا العمل الصالح صدقة بمقدار الدين كل يوم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو ابن المسلم الصفار أبو عثمان رحمه الله، كان إليه المنتهى في الحفظ، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: وكان رحمه الله ضابطًا لكتابه. أولئك البصرة ضبطوا كتبهم، كانوا يضبطون كتبهم جيدًا، حتى إن الإمام أحمد كان يثني عليهم، وخاصة هؤلاء ثلاثة: عفان بن مسلم الصفار، وحبان بن أبي جبلة، وكذلك أيضًا بهز بن أسد، وهؤلاء ثلاثة، قال الإمام أحمد: إليهم المنتهى في التثبت. كان عفان رحمه الله إذا شك في حرف في الحديث ترك، وهذا شدة الورع، أنه إذا شك في حرف في الحديث ما يدري هل هو معنى حرف ممكن يكون كلمة أو حرف في كلمة، فلا يدري هل هو بهذا الحرف أو بهذا الحرف، قال: في ترك الحديث كله، أنه ما يحدث به، لماذا؟ حتى لا يقع في الخطأ. قال: حدثنا عبد الوارث، وعبد الوارث هو ابن سعيد التنوري أبو عبيدة البصري، يقال له: عبد الوارث بن سعيد التنوري، كان حافظًا كبيرًا من حفاظ البصر، اعتد من أكبر حفاظ البصر في زمنه، كان شعبا رحمه الله يثني عليه، وهو الشاب، قال: ما يمنعكم أن تأخذوا عن هذا الفتى التنوري؟ قال عبد الصمد: كنا عند شعبا في مجلس، فقام أبي، فقال شعبا: انظروا إلى قفاه، يدل على حفظه. كان يقول بالقدر، كان يقول بقول أهل القدر، لكن ذكر الإمام أبو زكريا وغيره، أي ابن معين: أنه ما كان يذكر شيئًا في حديثه في القدر، معنى ما كان يظهر عليهم القدر، هم يقولون بهذا القدر، لكنهم ليسوا دعاة كقتادة والدستواري، وكذلك سعيد بن أبي عروبة، وكذلك عبد الوارث وغيرهم من أئمة البصرة والحفاظ، كانوا فيهم شيء من القدر، لكنهم لا يدعون إليه، ولا يذكرونه في حديثهم، ويأتيهم الرجل ولا يذكرون له شيئًا من ذلك، فلهذا وفق بهم الناس وقبلوا حديثهم. قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا محمد بن جحادة، ومحمد بن جحادة هو الأودي، ويقال الأيامي، وهو كوفي ثقة، قال: عن سليمان بن بريدة، سليمان أيضًا انتقد، وقلنا أن بريدة بن حصيب له ولدان: سليمان وعبد الله، سليمان أكبر من عبد الله، عبد الله هو قاضي مرو، وقلنا أن بريدة سكن مروًا لأجل الثغر، لأجل الجهاد، وكان بعد ذلك صار عبد الله قاضي مرو. قال: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة». قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، فقال عليه الصلاة والسلام: «له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثله صدقة». قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث صحيح، إن رجاله كلهم ثقات، قال: وقد أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، وإنما هو على شرط مسلم، فالبخاري لم يخرج لسليمان بن بريدة، حتى لو كان عبد الله بن بريدة أخرج له البخاري، لكنه لم يخرج له عن أبيه، وهذا أيضًا نقطة مهمة في الشرط. وعلى تجد أن كثيرًا من العلماء تساهل فيها، فعبد الله بن بريدة أخرج له البخاري، لكنه لم يخرج له عن أبيه، فلهذا مثل هذا لا يقال: على شرط البخاري، ولا على شرط مسلم، وإنما يقال: رجاله رجال صحيح، مثلًا ما في شيء يقال: رجاله رجال البخاري، أما على شرط البخاري وعلى شرط مسلم فهو ليس بصحيح، لأن مسلمًا أو البخاري لم يروي هذه النسخة، مسلم رواها، روى عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وروى أيضًا عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. وسليمان بن بريدة لم يرو عنه البخاري في صحيح، لكن عبد الله بن بريدة روى عنه البخاري، لكن لم يرو عنه عن أبيه، وإنما روى له روايات أخرى، مثل حديث عمر، يروي أيضًا كذلك عن عبد الله بن عمر، ابن بريدة يروي عن عبد الله بن عمر، أخرج له البخاري عدة أحاديث، فلهذا لا يقال: على شرط مسلم أو على شرط البخاري، إلا إذا أخرج هذا الحديث أو هذا الرجل عن هذا الرجل عن شيخه، مثلًا كما ذكرنا قبل هشيم عن الزهري، هشيم أخرج له البخاري، ومحافظ الكبار، والزهري كذلك، لكن لا يقال: أنه على شرط البخاري، لماذا؟ لأنه لم يخرج البخاري ولا مسلم من طريق هشيم عن الزهري شيئًا. فظن الآن هذا الحديث: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، المعسر الذي ليس عنده ما يفي بدينه، أنا عنده دين، لكنه ما عنده ما يدفع به دينه، فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يعني إذا أنظر كان له أجر عظيم عند الله، أنظر المعسر، ينظر أخاه، يعلم أنه ليس عنده مال يدفع، فينظره، فينظره بهذا حتى أنه ينظر هذا المسلم حتى يتيسر له هذا المال. وإن تصدق عليه، أي عفى عنه، فهو أفضل، وهو أفضل، وقد جاء في الصحيحين: «فعلى تبي هريرة وزيد بن خالد أن رجلا كان يداين الناس، وقال لفتيانه: من جاءكم وهو معسر فتجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنكم»، قال: «من جاءكم معسرًا فتجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنكم»، فقال الله عز وجل: فغفر الله عز وجل له وأدخله الجنة. وجاء عنه أنه قال: «ما كان يعمل خيرًا قط»، أنا ما كان رجل هذا معروف بالخير بالأعمال الصالحة، ما كان يعرف بمثل هذه الأعمال، لكنه كان يفعل هذا يتجاوز عن الناس وينظر المعسر، فلما صعدت روحه، قالوا الملائكة: لمن هذه الروح الطيب؟ قالوا: لفلان، فغفر الله عز وجل له وأدخله الجنة بسبب هذا العمل الذي قد يظن أنه عمل يسير، أن الآن التجار قد يحصلون على أجور عظيمة بمثل هذا إذا أحسنوا نيتهم. فكثير من التجار الآن عندهم لهم ديون عند الناس، فلا بأس أنهم ينظرون المعسر الذي ليس عنده مال يدفعون لهم فينظرونه، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وجاء في حديث أبي اليسر في الصحيحين، جاء في حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أتينا أبا اليسر رضي الله عنه وذكر قصة، ثم قال: فقال أبو اليسر لرجل: أعطيني دينًا، فقال: والله ما معي، قال: آه، الله ما عندك؟ قال: الله ما عندك؟ معنى أنه معسر. قال: فهات الصحيح، أي المكتوب فيها الدين، قال: فمحا، وقال: «اذهب، إن جاء أن يسر الله لك قضيت، وإلا فأنت في حل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أنظر معسرًا أظله الله عز وجل في ظل يوم القيامة». وجاء في حديث هريرة: «أدخله الله الجنة»، وجاء أيضًا في الرواية في حديث هريرة: «حرم الله عليه النار»، هذه أجور عظيمة في من ينظر المعسر. وهذا الحديث الآن أيضًا فيه أجر قبل يوم القيامة، يتحصل على أجور كلما ازداد هذا الدين زاد أجره عند الله جل وعلا، فله بكل يوم مثله صدقة، كأنه تصدق بهذا المال، فكيف لو كان عنده أموال كثيرة، طلع عنده ملايين، فعن كل يوم هذا التاجر يتحصل على صدقة ملايين بسبب أنه ينظر هذا المعسر، هذا إذا لم يحل الدين، وأما إذا حل الدين فأنظره، فيتحصل على مثليه صدقة، تحصل على مثليه صدقة، يعني ليس مثل واحد بل مثليه. لو كان مثلًا عنده مليون، فيتحصل على صدقة مليونين، في كل يوم يتحصل على هذا الأجر العظيم، وعند الله سبحانه وتعالى، والصدقة لها أجور عظيمة جاءت في الكتاب والسنة، فلذلك فإنظار المعسر له عند الله عز وجل أجر عظيم، لأنه يفك كربته، ولا يضع خوفًا في كربه، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ما جاء في حديث هريرة: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، فهذا شيء ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.