الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبين الإمام النووي أن طلب العلم أفضل من بعض العبادات مستدلا بآيات وأحاديث نبوية، ويعدد بعض الأحاديث المتعلقة بفضل العلم والعلماء. يُظهر أهمية العلم ومجالس الفقه في حياة المسلم.
يناقش فضل حلق الذكر ويستعرض أحاديثها مع تحليل صحتها وتعدد طرقها، مشيراً إلى أنها رياض الجنة وتتضمن تعلم الحلال والحرام. يُبرز أهمية هذه الحلقات في تعليم الناس أمور دينهم.
يُظهر أن مجالس العلم أفضل من كثرة العبادة الفردية لأنها تنفع الإنسان لنفسه ولغيره، ويذكر أحاديث تبين فضل العلماء ومجالس العلم مع الإشارة إلى ضعف بعضها. يُبرز أهمية هذه المجالس في نشر العلم.
يُناقش ضعف حديث مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة، ويشير إلى عدم صحته ويذكر آثار أخرى متعلقة بالموضوع، مما يبين أهمية التمحيص في الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع فصلا في ترجيح الاشتغال بالعلم على الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات القاصرة على فاعله. ترجيح الاشتغال بالعلم على الصلاة والصيام وغيرهما، المراد النوافل، فتفضيل اشتغاله بالعلم أفضل من النوافل. وقد تقدم كلام الإمام الشافعي، وكذلك قال أحمد رحمه الله. قال: وقد تقدمت الآيات الكريمات في هذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، وقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وغير ذلك. ومن الأحاديث ما سبق، كحديث ابن مسعود: «لا حسد إلا في ثنتين»، وحديث: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». تقدمت هذه الأحاديث. حديث عبد الله بن مسعود من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وكذلك حديث: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، حديث الزهري عن حميد عن معاوية، ومن رواه عن حميد عن أبي هريرة فقد أخطأ. وحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة في صحيح مسلم. وحديث: «فضل العالم على العابد كفضل على أدناكم»، قلنا: حديث القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهو حديث حسن. وأما حديث: «فقيه واحد أشد على الشيطان»، قد تقدم أنه لا يصح. وعلى ابن عباس: «ولا يصح». وحديث: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما»، هذا جاء كما تقدم معنا من حديث كثير بن قيس عن أبي الدرداء. وكثير بن قيس لم يسمع من أبي الدرداء، لكن قد رواه أيضا عثمان بن أبي سوادة عن أبي الدرداء، وهو الرجل الذي عناه كثير بن قيس. أن رجلا جلس عند أبي الدرداء فقال: من أين؟ قال: من المدينة جئت لأطلب العلم. وعثمان بن أبي سوادة هو من أهل المدينة، أو ابن أبي سودة، سودة هذه أمه كانت مولاة لعبادة بن الصامت. قالوا: حديث. وأيضا قد جاء في صحيح مسلم في حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وقد رواه مسلم حديث عبد الله بن نمير، حديث أسامة عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. لكن رواه أسباط بن محمد عن الأعمش فقال: حدثت عن أبي صالح أنا أبي هريرة. حدثت عن أبي صالح أنا أبي هريرة. لكن جاء الحديث أيضا من طرق أخرى صحيحة حديث أبي هريرة: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وحديث: «من دعا إلى هدى»، أيضا ذكرنا أنه أخرجه الإمام مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. وحديث: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا»، هذا حديث سهل، أخرجه الإمام البخاري ومسلم، طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا في المسجد مجلسان: مجلس يتفقهون، ومجلس يدعون الله ويسألونه، فقال: «كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون الله تعالى، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل بالتعليم». ثم قعد معهم. رواه أبو عبد الله بن ماجه. وهذا الحديث لا يصح، تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو لا يصح. الظاهر أما أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو وغيره. قال: وروى الخطيب أيضا هذا الحديث. رواه الخطيب كذلك في كتابه «الفقيه والمتفقه»، وهو كتاب جميل فيه مسائل طيبة جدا، ذكر فيها عن السلف. قال: في كتابي «كتاب الفقيه والمتفقه» ذكر أحاديث وأثار كثيرة بأسانيدها المعتبرة. وأنا أطرق طرقها. قال: منها عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم. هذا الحديث كأنه المؤلف -الظاهر- أخطأ، هذا ليس حديث ابن عمر. حديث ابن عمر قوله: «إلى حلق الذكر». وأما قوله: «فإن لله سيارات من الملائكة»، هذا حديث أنس. أنا ذكره من حديث أنس. وحديث ابن عمر هذا لا يصح، هو من أفراد مالك. ومن الغرائب التي ذكرها الحافظ دار قطني عن مالك، رواها عمر بن السمرقندي أو غيره عن قتيبة عن مالك، حفص عن ابن عمر، وهو إسناد غريب. لكن قد جاء الحديث، وهذا الحديث الذي ذكره هنا في إسناد زيد بن أبي الرقاد عن زياد بن نمير عن أنس. وهذه نسخة فيها نكارة، كما قال الحافظ أبو حاتم، الإمام أبو حاتم الرازي: أنها منكرة. لكن الحديث قد جاء عند الترمذي من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن أنس. ومحمد فيه ضعف يسير، محمد بن ثابت فيه ضعف يسير، والحديث في الشواهد. وقد جاء أيضا هذا الحديث من حديث أبي هريرة، رواية حميد المكي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا هذه نسخة فيها انتقاد. وجاء أيضا كذلك من حديث ابن عمر بإسناد لا بأس به. فالحديث يصح معناه بشواهده. وقد ذكره الشيخ الألباني في «الصحيحة»: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». وهذا في فضل عظيم في حلق الذكر، وأنها من رياض الجنة، روضة من رياض الجنة حلق الذكر، فعنك أنك جالس في روضة الجنة. فتجد كثير من الناس تزاحمون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على الروضة أنها من رياض الجنة، ويغفلون أن حلق الذكر أيضا من رياض الجنة. قالوا: عن عطاء -وهو عطاء بن يسار المدني- قالوا: عن عطاء قال: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج، أشباه هذا. أن هذه المجالس يتعلم فيها الحلال والحرام. وهذا العطاء ذكره أيضا الخطيب البغدادي في «الفقه والمتفقه». وهذا العطاء الذي ذكره على العطاء عطاء صحيح. وفيه أن عطاء يذكر أن هذه المجالس مجالس الحلال والحرام، من أراد أن يتعلم الحلال والحرام يأتي إلى هذه المجالس: مجالس الفقه، مجالس التفسير، مجالس التوحيد والعقيدة. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة». وهذا لا يصح عن ابن عمر، جاء وذكره بإسناد ضعيف، في إسحاق بن عبد الرحمن وهو ضعيف جدا. لكن معناه صحيح: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة». وإن كان هذا فيه شيء من المغالاة، لكن المجالس الفقه أفضل من كثرة العبادة، أفضل من كثرة العبادة. لأن مجلس الفقه ومجلس العلم يستفيد الإنسان لنفسه، وكذلك أيضا يفيد غيره، يفيد غيره. فمجالس العلم مجالس إقامة الدين، مجالس إقامة الدين في الناس ونشر دين الله جل وعلا في الناس. قال: وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يسير الفقه خير من كثير العبادة». وهذا جاء بإسناد لا يصح، منكر جدا. وذكره ابن عدي في ترجمة الظاهر ابن راشد صالح، ابن راشد أو غيره، وجاء منكرا. صالح بن عبد الرحمن بن عوف وهو لا يعرف. والمهم أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وعن النشر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فقيه واحد أفضل عند الله من ألف عابد». وأيضا هذا لا يصح، بل هو موضوع. وأسانيدها واهية جدا. قال: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أفضل العبادة الفقه». أيضا هذا لا يصح. وعن ابن الدراق قال: «ما نحن لولا كلمات الفقهاء». وأخرجه الخطيب في «المتفقه» في إسناد لا بأس به. معناه يقول أبو الدراق: «ما نحن لولا كلمات الفقهاء»، أنا ما سنبلغ إلى هذا المبلغ والناس يسألون، إلا لأننا سمعنا الفقه وجلسنا عند العلماء. وأبو الدراق يعتبر من علماء الصحابة الذين يفتون، لكنه قليل، هو يعتبر من المقلين كما ذكر ذلك الخطيب، وكذلك ذكر ذلك غير واحد من العلم. معناه: من مفتي الصحابة أبو الدراق، لكنه من المقلين، بخلاف عمر وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم، يعتبرون من المكثرين في الفتوى. وعلي كذلك، وأبو بكر الصديق. قال: وعن علي رضي الله عنه: «العالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله». وعن بذر وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: «باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع». وهذه الأسانيد فيها شيء، لكن في هذا المقام تذكر فيها الحث على العلم. قال: «وباب من العلم نعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مئة ركعة تطوعا». وهذا لا يصح، لكن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح. وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد». وهذا لا يصح، بل هو ضعيف جدا. قال: وعن بذر: «مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة». مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة. وذكر أيضا عدة آثار. إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. فنكتب بهذا، والله تعالى أعلم.