الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 343، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن مسند الزبير بن العوام وسلسلة الرواة وقصة حاطب بن أبي بلتعة وعبد الله بن الزبير. يشرح بعض التفاصيل حول سند الحديث ويذكر بعض الصحابة.
كان عبد الله بن الزبير شجاعا عابدا وبويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية. لم يخرج على بني أمية في البداية بل كان في طاعتهم ثم بويع له بعد مقتل يزيد.
يفسر آية النعيم ويبين أن النعيم يشمل كل ما ينعم الله به على العبد وسيتم سؤال الإنسان عن هذه النعم يوم القيامة. كما يشرح الآية الأولى حول الخصومة يوم القيامة ويذكر تفسيرها أو سبب نزولها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله تعالى: مسند الزبير بن العوام رضي الله عنه، والزبير بن العوام أبو محمد أو أبو عبد الله، وكان من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن بشروا بالجنة. وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمه صفية بنت عبد المطلب، قد أسلمت. والزبير يعتبر من بني أسد، الزبير بن العوام ابن خويلد ابن أسد، وهو ابن عمته خديجة بنت خويلد، عمة الزبير وأمه صفية، وهو حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وقد أبلى بلاء عظيما في الإسلام، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدة أماكن. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا سفيان، وهو سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي. كيف عرفنا أن هذا سفيان هو ابن عيينة؟ أحد يعرف كيف عرفنا أن هذا سفيان هو ابن عيينة؟ عرفنا ذلك بالإمام أحمد رحمه الله، فالإمام أحمد لم يدرك سفيان الثوري، لم يرو عنه، وإنما يروي عن سفيان بن عيينة. ولعله حتى الإدراك لم يدركه، لأن سفيان الثوري مات قديما، أتى قديما في سنة مائة وواحد وستين، وأحمد ولد في سنة مائة وأربعة وستين، كان صغيرا، كان لما توفي سفيان الثوري وأحمد لا يزال صغيرا. وسفيان الثوري أيضا في الكوفة، وأحمد في بغداد. طيب، الإمام أحمد حدثنا سفيان، وهو سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمر، وهو محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو محمد بن عمر، يعتبر من أكثر الناس في الحديث، إلا أن العلماء قدروا عليه شيئا في حفظه، وأنه في حفظه شيء من الضعف، لكن على القول الصحيح أنه لم يخرجه ذلك إلى الضعف، وإنما يكون حديثه من قبيل الحسن، أو الحسن، أن حديثه يكون حسنا. ولهذا الشيخ هنا قال: هذا حديث حسن، لأن محمد بن عمر قد انتقد عليه أشياء كثيرة، ومنها هذا الحديث، هذا الحديث رواه محمد بن عمر على عدة وجوه، لكن هذا أحسنها، والذي أيضا قال العلماء: أنه هو الصحيح. قال عن محمد بن عمر، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي -أصله لخمي، لكنه سكن في مكة، وظاهر أنه بالحلف- ولهذا لما كان لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى مكة، فارى بغيرها، فارى بغير غزوة مكة، حتى لا تعمل العيون والجواسيس. وكان حاطب رضي الله عنه، كما هو معروف في حديثه، لم يكن له هناك أعوان، وكان له أهل، فأراد أن تكون له يد عند قريش، فأرسل لهم أن النبي عليه الصلاة والسلام سيأتي إليكم إلى مكة، وأرسلها مع امرأة، فأخبر الله عز وجل نبيه بهذا، فأرسل عليا والزبير والظاهر المغيرة، أرسلهم حتى أخبرهم، قال لهم: حتى إذا أتيتم روضة خاك، ستجدون امرأة فمعها رسالة من حاطب، فذهبوا وأتوا بهذه الرسالة. وقال حاطب رضي الله عنه: يا رسول الله، والله ما فعلت هذا كفرا بالله ورسوله، أو عدم إيماني بالله ورسوله، ولكن ذكر عذرة، فهذا يحيى من أولاده، يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وهو ثقة، وأبوه كذلك ثقة، عبد الرحمن، وجده هو الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة، من أهل بدر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر، لما قال: دعني أقطع عنق هذا المنافق، قال: يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. قال عن ابن الزبير، وهو عبد الله بن الزبير، ذلك الشجاع الإمام العابد، إليه المنتهى كما قال الذهبي في الشجاعة، وهو غاية في العبادة، إليه المنتهى في الشجاعة، رجل شجاع. ذكر بعض العلماء أن سبب شجاعته أنه شرب دم النبي عليه الصلاة والسلام، يقال أيضا أنه شرب بوله، والحديث فيه اختلاف. فكان شجاعا مثل أبيه، وكان أيضا عابدا، وقد أثنى عليه الصحابة رضي الله عنه، ومنهم ابن عمر، لما رآه قد صلبه الحجاج وقتله، فجاء ابن عمر إليه وقال: قد حدرتك يا أبا خبيب، ثم قال: أبا خبيب، لأمة أنت شرها، لأمة خير، والله لقد علمت أنك صواما قواما. معنى يقول: إذا كان هذا شر الأمة، فهذه أمة خير. فكان رضي الله عنه رجلا شجاعا ورجلا عابدا، صواما قواما. حتى أسند لما محمد رحمه الله في مسنده عن عبد الرزاق، أنه قال: ما رأيت أحدا أفضل صلاة من ابن جريج، كان يشبه بعطاء، أي في صلاته، وكان عطاء يشبه بعبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الزبير يشبه بأبي بكر الصديق، بجده من أمه الصديق الأكبر رضي الله عنه، وكان الصديق يشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا ذكر في ترجمة عبد الله بن الزبير أنه كان إذا صلى جاء الحمام ووقع فيه، يظنه عمودا، أنه ما كان يتحرك في الصلاة، إذا صلى ودخل الصلاة جاء الطير وبرح فيه، يظنه عمودا، وهذا من شدة عبادته رضي الله عنه. قال عن ابن الزبير: أما ما يذكره بعضهم أنه خرج على بني أمية، فهذا ليس بصحيح، فعبد الله بن الزبير لم يخرج على بني أمية، وإنما كان في طاعتهم في بداية الأمر، لكن لما قتل يزيد بن معاوية، ثم أخذها مروان، ثم عبد الملك، لما مات مروان، أقصد فجعل الخلافة في ابنه عبد الملك بن مروان، لكن لما مات مروان بايع الناس ابن الزبير، بايع أهل مكة والمدينة والبصرة، بايعوا ابن الزبير قبل أن يجعل مروان عبد الملك، فحكم أيضا كذلك أهل مصر بايعوا ابن الزبير، فما بقي إلا بعض أهل الشام، وإلا بعضهم أيضا بايع ابن الزبير، حتى أن عبد الملك بن مروان أيضا أراد أن يبايع ابن الزبير لما رأى الناس قد بايعوه، فصار خليفة، لكن دخل عليه بعض الناس، يقال له رجل أبو مسلم، وكذا دخل على عبد الملك بن مروان وأثاره وقال: هذا الملك ملكك، وكذا حتى غيظه، وقال: أما ابن الزبير فأنا له، فأرسله إلى المدينة، ووقعت وقعة الحرة، وكانت في سنة ثلاث وستين، في نفس السنة التي بويع فيها ابن الزبير بالخلافة. فتبين من هذا أن ابن الزبير لم يخرج على بني أمية، وإنما قد بويع، ثم أن عبد الملك أراد أن يسترد هذا، فحصل ما حصل، ووقعت وقعة الحرة في المدينة، واستبيحت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربت الكعبة بالمنجنيق، وكانت هذه من مآسي هذه الحروب، فغفر الله عز وجل لأولئك، لكن أكثرهم ما كانوا يقصدون هذه الأمور، لكن دخل فيها ناس لا يخافون الله، فعنهم الذين أشعلوا هذه الفتنة، وإلا فعبد الملك والمرواني قد سلم أنه كان سيسلم لعبد الله بن الزبير ويبايعه. المهم أنه كما قلنا أن ابن الزبير لم يخرج على بني أمية كما يقوله بعض الناس. قال عن ابن الزبير، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: أي رسول الله، مع خصومتنا في الدنيا؟ قال: نعم. ولما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال الزبير: أي رسول الله، أي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون. قال: هذا حديث حسن. وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني المكي، أصله عدني لكنه سكن مكة، قال: أكبرنا سفيان وابن عيينة، عن محمد بن عمر بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير بن العوام، عن أبيه، قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال الزبير: يا رسول الله، فأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون. هذا حديث حسن. والحديث خرجه ابن ماجه، هذا الحديث كما قلنا ذكره محمد بن عمر من عدة أوجه، فجاء عند أحمد أيضا أنه رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، والظاهر أن هذا ليس منه، وإنما أخطأ بعض الرواة، فذكره عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، لأن محمد بن عمر بن علقمة له نسخة يرويها دائما عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد أخرج منها مسلم بعض الأحاديث، والبخاري لم يخرج منها شيئا، والبخاري لأنه قد تكلم في محمد بن عمر، فلهذا لم يخرج. قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: محمد بن عمر، ماذا عنده؟ قال: تريد العفو أو التشديد؟ قال: بل أريد التشديد، فقال: ليس من بابتك. قال: هو ليس من بابتك، معنى أنت ليس الذي تريده، أي ليس بالحافظ. قال يحيى بن سعيد: وسألت مالكا عنه، قال: كذلك أنا، مالك قال: يحيى بن سعيد، قال: ليس من بابتك، أنا ليس الذي تريده في الحفظ. فلهذا كما قلنا روى هذا الحديث عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ورواه عن سليم، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن لبيد، ورواه أيضا من طرق أخرى، وكلها تعود إلى محمد بن عمر. والظاهر الصحيح كما قال الحافظ ابن حجر: هو حديث الزبير بن العوام، هذا الحديث، وهذا الحديث أي في قول الله عز وجل ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قد خرجه الإمام مسلم من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة. حديث يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة، خرجه الإمام مسلم، لما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبي الهيثم، مع أبي بكر وعمر، وكانوا قد أخرجهم الجوع، فذهب بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي الهيثم، فلم يجدوه، فقال لامرأة: أين هم؟ قالت: سيأتي الآن، يستعد بالماء، أي يأتي بماء لعجل الشرف. فلما جاء ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، فقال: لا أحد أحسن أضيافا مني اليوم، ثم جاء لهم بسر، جاء لهم بسر وتمر، ثم ذبح لهم، فلما أكلوا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم لتسألون عن هذا النعيم الذي أخرجكم من بيوتكم الجوع». فقال عمر، كما في رواية الترمذي: «إننا لنسأل عن هذا»، وكان بيده حرجون في تمر، فوضعها في الأرض حتى انتثر، فقال: «إنا لنسأل عن هذا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». وفي هذا الحديث قال الزبير: أي رسول الله، أي نعيم نسأل عنه؟ قال: وإنما يعني هما الأسودان التمر والماء، معنى ما نأكل إلا التمر والماء، فأي نعيم نسأل عنه؟ قال: أما إن ذلك سيكون. ودلالة الحديث أو هذه قول المفسرين في هذه الآية: أن المراد بالنعيم كل ما يكون من النعم التي تكون عند الإنسان، سواء كان من اللبس أو الطعام أو كذلك، أي نعمة من النعم التي ينعم الله عز وجل بها على عباده، بل حتى انشراح الصدر فهي نعمة، كما جاء في بعض الأحاديث: طمأنينة القلب نعمة أيضا. النبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، الصحة والفراغ. وجاء في حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل لعبده يوم القيامة، بعدما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ «ألم نصحح لك جسدك؟ ألم نرويك من الماء البارد؟ ألم نصحح لك جسدك؟ ألم نرويك من الماء البارد؟» وغيرها من الأحاديث التي جاءت تبين أن المراد بالنعمة هو كل ما أنعم الله عز وجل به على العبد، كل سرور وكل أيضا شيء يكون له معنى من النعم، فهو سيسأل عنه يوم القيامة. وقال مجاهد: سيسأل عن سمعه وعن بصره وعن قلبه، أي أن كل ما تحصله مما أحبه بسمعه، وكذلك عن سمعه نفسه، وكذلك عن بصره، وكل ما رآه حسنا، وكذلك عن قلبه، كل ما دخله من الحسن. واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ على أن الإنسان سيسأل عن هذا النعيم الذي أعطاه الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال الزبير: إنما يعني هما الأسودان التمر والماء. أما الآية الأولى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، إن شاء الله تعالى نذكرها في الحديث الذي سيأتي، لأنه سيكرر هذا الحديث المؤلف رحمه الله، سندكر الآية لأن فيه تفسير هذه الآية، أو سبب نزولها، أو لما نزلت، كما سيأتي: ﴿إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: أي رسول الله، مع خصومتنا في الدنيا؟ قال: نعم. قال: إن هذا الأمر لشديد. سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الذي يأتي. وإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.