كتاب التفسير من صحيح البخاري 106

كتاب التفسير من صحيح البخاري 106

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 106، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى "لا تبديل لخلق الله" وصوره الحسية والمعنوية

يفسر الإمام البخاري النهي عن تبديل خلق الله بتغيير الفطرة السليمة، مستعرضًا صوره الحسية كتفليج الأسنان والوصل، والمعنوية كترك التوحيد. ويشير إلى دور الشيطان في تزيين هذا التبديل، مختتمًا بذكر فضل عبد الله بن المبارك.

منزلة عبد الله بن المبارك العلمية وروايته عن الزهري

يسلط الضوء على مكانة ابن المبارك العلمية والعبادية وإجلال أئمة الحديث له، مبينًا طريق روايته لحديث الزهري عبر يونس بن يزيد ومعمر بدقة وضبط. ويذكر نسب عدد من الرواة في هذا الإسناد.

الفطرة الإسلامية وأثر الوالدين في تغيير دين المولود

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ولادة كل مولود على الفطرة ثم تنصيره أو تهويده من قبل أبواه، مع عرض أقوال العلماء في تفسير الفطرة بالميثاق أو التوحيد. ويختم بذكر خلافهم في مصير أطفال المشركين.

أبناء إبراهيم عليه السلام وحكمهم في الفطرة والتوحيد

يستعرض حديث الإسراء الذي يثبت كثرة أبناء إبراهيم وموتهم على الفطرة والتوحيد، مبينًا أن تأثير الوالدين في دين الأبناء يتأخر لسن البلوغ حيث يطبعانهم بدينهما. ويقرر أن العلم بذلك موكول إلى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهم. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "بعض لا تبديل لخلق الله". قال: "لدين الله، خلق الأولين، دين الأولين، والفطرة الإسلام". "لا تبديل لخلق الله"، أي: هذا نهي الله عز وجل ينهي عباده أن يغيروا خلق الله جل وعلا، والمراد بتغيير خلق الله وتبديله: أي تبديل الفطرة التي فطر الله عز وجل عليها الناس، فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولهذا سعى الشيطان الرجيم سعى ووسوسة، وكذلك غوى الناس بذلك، أي بتبديل خلق الله: ﴿وَلَا أَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَدِّلُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعض هذه الأشياء التي يبدل بها خلق الله، ومن ذلك أشياء حسية وأشياء معنوية. فهناك فطرة فطر الله عز وجل الناس عليها، فمن بدل هذه الفطرة فقد بدل خلق الله، خلق الله. فمن ذلك أشياء حسية في الإنسان: كنتف الحاجب، وهو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم "النمص"، وكذلك التفليج في الأسنان، وكذلك أيضًا الواصلة التي تصل شعرها بشعر آخر أو تظهر بأن شعرها كبير، وغيرها من الأشياء التي تبدل وتغير خلق الله. والأمر الثاني وهو أمر معنوي: تبديل الفطرة، وهو أن يبدل دينه، أن يعبد غير الله، أن يجعل هناك آلهة من دون الله جل وعلا، فهذا يضم تبديلًا للفطرة. فكل مولود يولد على الفطرة، كما ذكر المؤلف هنا. قال البخاري: حدثنا عبدان، وعبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي. قال: أخبرنا عبد الله، وهو ابن المبارك، أبو عبد الرحمن المروزي. قال: سفيان بن عيينة: "لم يسبق الصحابة عبد الله بن المبارك إلا في شرف الصحبة، على ما سبقوه إلا في شرف الصحبة، وإلا الأعمال التي كان يعملها الصحابة كان عبد الله بن المبارك أيضًا يعملها". كان رجلًا عالمًا، وكذلك مجاهدًا، فكان يحج عامًا ويجاهد عامًا، وكذلك أيضًا عابدًا زاهدًا، وأيضًا له معرفة بالنسب، وله معارف كثيرة، فاجتمعت فيه أشياء كثيرة التي تجتمع في الصحابة رضي الله عنهم. حتى قال سفيان ما قاله، فكان العلماء يكرمونه. كان مالك لا يجلس أحد بجنبه، لكن إذا جاء عبد الله بن مبارك أجلسه بجنبه. وكذلك كان حماد بن زيد ومعمر، وهؤلاء كلهم شيوخه، أي شيوخ عبد الله بن مبارك، وكانوا يجلونه رحمه الله لما عنده من العلم، وكذلك ما عنده من الخير. قال: أخبرنا يونس، يونس بن يزيد العيلي المصري، وكان من شرطة بني أمية. وعبد الله بن المبارك أخذ من كتابه، أخذه سماعًا من كتابه وكتبه، وأخذ أيضًا كتابه معمر عن الزهري. ولهذا كان يقول عبد الله بن المبارك: "كتاب يونس ومعمر يخرج من مشكاة واحدة"، كتاب يونس ومعمر يخرج من مشكاة واحدة، معنى أنه واحد ومتقارب، وكأنهم كتبوا جميعًا أو كتبوا معًا، كل واحد ينظر في كتاب كتبوا منه. وهذا يدل على إتقانهم في الكتابة وضبطهم في كتابة حديث الزهري. قال: عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري رحمه الله، قال: وهو إمام حافظ كبير من أئمة وحفاظ الإسلام. قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كذلك. وأبو سلمة أمه من بني كلب، كلبية تزوجها عبد الرحمن بن عوف قديمًا، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني كلب لأجل أن يجمع الصدقات، ولأجل أيضًا أن يصلح بينهم، فتزوج عندهم وولدت له أبو سلمة. وأما حميد وإبراهيم، حميد بن عبد الرحمن وإبراهيم، أمهما ثقافية، وهي أخت عثمان بن عفان من أمه، فعثمان بن عفان خال حميد وإبراهيم. قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكان أيضًا من فقهاء المدينة وحفاظها، قال: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي: هذا الدين الذي أراده الله عز وجل من الناس، وهو قيام هذا الدين واستقامته. فما من مولود إلا ويولد على الفطرة، الفطرة هي الإسلام الذي جعله الله عز وجل على الناس. وبعض العلماء يقول: أن الفطرة هذه هي الطريقة القديمة التي كان عليها الأنبياء وورثها الناس من الأنبياء، وهي الدين، وأيضًا كذلك التوحيد. وقال بعض العلماء: أن الفطرة هذه هي التي جعلها الله عز وجل بدل الإشهاد. الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فهذه الشهادة لا يذكرها أحد، هذه الشهادة لا يذكرها بنو آدم، لكن جعل الله عز وجل هذا الميثاق هو الفطرة التي خلقها الله عز وجل عليها. أي: جعل هذا الميثاق الذي بينه وبين الله أن خلقه على الفطرة، خلقه يعرف الله، ويعرف أنه من خلق الله، ويعرف أيضًا كذلك توحيد الله عز وجل. لكن بعد ذلك تؤثر فيه بعض الأشياء التي في المجتمع، وأول من يؤثر عليه أبواه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل: أو يسلمانه، لأنه يولد على الإسلام. قال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟». ولهذا اختلف العلماء في أطفال المشركين: هل يدخلون الجنة أو لا؟ لأنه قد جاء في حديث الإسراء أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن مع إبراهيم أولادًا كثيرين، وذكر أنهم من أولاد المسلمين والمشركين، وهذا يدل على أنهم على الفطرة، وأيضًا على التوحيد، فلما ماتوا ماتوا على ذلك. وإنما إذا كبر الإنسان علمه أبوه وأمه، فهما يهوديان أو نصرانيان أو مجوسيان، والمراد أنهم يطبعان عليه من دينهم. هذا معنى هذا الحديث، والله تعالى أعلم.