الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 1

الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 1

الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ظاهرة انتشار الطلاق والخلع وضرورة معالجتها جماعياً

يتناول المقطع تفشي ظاهرة الطلاق والخلع في المجتمعات الإسلامية حتى غدت المحاكم تكتظ بقضاياها، ويحذر من تساهل الناس فيها ومنظمات مشبوهة تحرض النساء على أزواجهن. يدعو الخطيب إلى تكاتف الدعاة والإعلام والمؤسسات التعليمية والهيئات الموثوقة لوضع حد لهذه الظاهرة، مبيناً أنها إحدى أبرز المشاكل الأسرية التي تتطلب علاجاً شاملاً.

خطورة الطلاق والانفصال الأسري وتأثيره على المجتمع

يعد ملف الطلاق والانفصال بين الأزواج من أخطر المشاكل الأسرية لأن الأسرة نواة المجتمع، واضطرابها يؤدي لاضطراب البنيان الاجتماعي كله. ويضرب المتحدث مثلاً بتفكك الأسر في الغرب وما نتج عنه من ضياع للأولاد وانتشار الفساد، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية أحكمت باب الأسرة وقدمت الحلول الشاملة لاستقرار الحياة الزوجية والدنيوية.

منهج الشريعة في حل المنازعات الزوجية وامتداد قواعده لعلاقات أخرى

تقدم الشريعة حلولاً ناجعة للمشاكل الزوجية بالرجوع إلى الكتاب والسنة، مع التأكيد على الرفق كقاعدة أساسية لإدارة الحياة الزوجية. هذه القواعد لا تقتصر على الأزواج بل تصلح لإصلاح العلاقات بين الإخوان والجيران والراعي والرعية. تعلم هذه القواعد يعد وقاية وعلاجاً لكل مسلم لتجنب تفاقم الخلافات والوصول إلى ما لا تحمد عقباه.

خاتمة الدرس وتقديم للمواعظ القادمة

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى خمس مسائل تم طرحها كمقدمة للدروس العلمية الدعوية القادمة، ويعلن عن استمرار الدروس في أوقات الظهر والعصر. يدعو الله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا وأن يجعلهم من الذين يتبعون أحسن القول.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، إخواني في الله، من المظاهر والظواهر الاجتماعية -وإن صح التعبير من المظاهر المرضية- التي أصبحت تدب في مجتمعاتنا، وخاصة في مثل هذه الأزمان، وهي مما ينبغي أن نقف عندها والوقوف عليها لمعرفة أسبابها وملابساتها، وأيضاً معرفة الحلول وكيفية علاجها، ألا وهي مسألة وظاهرة الفراق والانفصال بين الأزواج، فما يكاد تمر علينا فترة إلا وسمعنا أن فلاناً طلق فلاناً، أو أن فلاناً خلعت فلاناً. وهذه الظاهرة، إخواني في الله، أحب أن أسلط عليها الأضواء في مثل هذه الأيام وفي هذه الأوقات، وذلك لعدة أمور: الأمر الأول، أن هذه الظاهرة أصبحت تنتشر انتشاراً عظيماً وكثيراً، فما تكاد تمر علينا فترة أو برهة من الزمن إلا وسمعنا عن حالات الانفصال والطلاق والخلع دبّت في بيوتنا وفي أسرنا هنا وهنا، حتى بلغني أن بعض المحاكم من أكثر القضايا التي تكدست عندهم قضايا الطلاق، وذلك لكثرتها ولما كان من التساهل فيها، وهذا الذي أوقع الناس في شرها. ومن هنا، إخواني في الله، فنحن إزاء وأمام ظاهرة ينبغي علينا جميعاً أن نقف عندها ونضع حداً لها، وذلك ببيان كيفية علاجها، وينبغي أن ينتدب لها من ينتدب من الدعاة ومن المصلحين، وليس الأمر كذلك يتعلق بأفراد الناس، بل هذه المسألة ينبغي أن يتكاتف لها الجميع، ولو على مستوى الدولة، كالإعلام المرئي والمقروء والمسموع، ينتدب وينهض إلى وضع حد لهذه الظاهرة وعدم انتشارها، بوضع العلاجات الكفيلة بإيقافها، وهكذا المؤسسات العلمية والتعليمية والثقافية، وهكذا بقية الهيئات والمنظمات، وأعني بالمنظمات الموثوقة، لأن هناك من المنظمات ما هي منظمات مشبوهة، بل ربما كانت هي من أعظم أسباب انتشار مسائل الطلاق والخلع، وهذا سيأتي الكلام في حينه، إذ أن من بعض المنظمات المشبوهة ما هي دسيسة في مجتمعاتنا، تحرّض المرأة على أن تتحرر من زوجها، وأن لا تكون له قوام عليها، فأعني الهيئات والمنظمات التي هي موثوقة في بلادنا. الأمر الثاني الذي لأجله نطرق هذا الموضوع، إخواني في الله، أن نعلم أولاً أن المشاكل الأسرية كثيرة وملفاتها عديدة، فمن المشاكل الأسرية مثل مشاكل المراهقة وكيفية التعامل مع الشبيبة من الأبناء والبنات، وهكذا من المشاكل الأسرية مسائل تربية الأولاد، كيف للأب والأم أن يربي أبناءه التربية الصحيحة في دينه وعقيدته وفي أخلاقه، ومن المشاكل الأسرية مشاكل العقوق الذي كثر في هذه الأزمان، أن يتمرد الأولاد على الآباء، ومن المشاكل الأسرية مشاكل الأقارب والأرحام وما يكون فيها من القطيعة والهجران، وأهل مجمل المشاكل الأسرية ملفات كثيرة، لكن هذا الملف، ملف الانفصال والفراق بين الأزواج، تعتبر من أخطر الملفات التي ينبغي أن نجعلها على رأس الهرم في المشاكل الأسرية. ووجه الخطورة، إخواني في الله، أن هذه القضايا، قضايا الطلاق والخلع ونحوها من أوجه الانفصال بين الأزواج، ليس شرها وضررها يتعلق ببيت فلان أو فلان، لا، بل من أن هذا الأمر سيؤثر سلباً على المجتمع بأسره، لأن الأسرة هي نواة المجتمع، المجتمع هو السور الضخم الكبير، البنيان العظيم، يقوم هذا السور وهذا البنيان على لبنة، لبنة المجتمع الأسرة، فبثباتها يثبت البنيان، وباضطرابها يضطرب البنيان. فتخيل معي، لأن هذه الظاهرة تركت على عواهنها، طلاق وفسخ وخلع وفراق وانفصال، كيف سيكون حال المجتمعات؟ فساد ما بعده فساد. ولا تترك لنفسك العنان، اذهب يا عبد الله إلى بلاد الغرب فهو خير شاهد للتفكك الأسري، هذه الشعوب التي ما تعرف الاستقرار، الزوج ما تعرف الزوج، إن تنعم بزوجته لربما بضع سنوات، إن تنعم بها تبقى هذه الرابطة سنتين أو ثلاث ثم تنفصل، ثم هو يبحث عن زوجة وهي تبحث عن زوج، وهي كذلك تبقى مع الزوج الجديد لربما سنة، إن مضت معه أعجبت بهندامه وأعجبت بشكله، ثم رأت من هو أجمل منه تركته، ثم الآخر وهو كذلك تزوج من هي أجمل من الأولى، ثم إذا اختلف وإياها طلقها، ثم أتى بالثالث، وهكذا. طيب، هذه الانفصالات التي وقعت في بلاد الغرب، ما الذي ولدت؟ ولدت التفكك الأسري، يبقى الأولاد بلا راعي، نهيك عن الدخول في الحرام، المرأة إذا ما استطاعت أن تشبع نفسها بالحلال فتحت باب العهر والفساد، والزوج والزوج، وكذلك الرجل إذا ما أغناه وعف نفسه بالزواج الذي يكون به الإحصان فتح لنفسه باب العشيقات، وأمر الغرب لا يخفى عليكم، التفكك الأسري العظيم، من أين جاء؟ من هذه اللبنة، عدم استقرار الأزواج، معنى عدم استقرار المجتمعات. فهنا، إخواني في الله، يجعلنا نهتم بهذه الظاهرة وأن نسلط عليها الأضواء. ثالثاً، مما يجعلنا نفتح هذا الملف، إخواني في الله، ما نجده من الغفلة العظيمة عند الناس، وجه الغفلة في هذا الباب أنهم غفلوا عن الأبواب الشرعية، غفلوا عن الأبواب الشرعية، مع أن الشريعة قد أحكمت هذا الباب، أحكمت باب الأسرة، وخاص باب الأزواج في كيفية استدامة الحياة الزوجية على أحسن حال، والشريعة الإسلامية ولله الحمد لم تتكفل، إخواني في الله، في بيان حياتنا الأبدية السرمدية يوم القيامة لا، بل كذلك في تنسيق وتهذيب ما يكون من استقرار حياتنا الدنيوية في الباب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني والخلقي، ما فرطنا في الكتاب من شيء، الدين كامل مكمل ولله الحمد والمنى. في باب المنازعات والمهاترات كذلك جاءت الشريعة في بيان الحل الناجح والناجع لهذه المشاكل التي تدب بين الأزواج، ﴿ فَوَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾، كل ما يقع من الشجار والتخاصم بين الأزواج يرجع إلى الكتاب والسنة، وإن من تأمل في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى تلكم النصوص الكثيرة التي ما إن الناس إن رجعوا إليها لكفاهم الله من هذه الظاهرة، انظر لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم، وما منعوه إلا ضرهم»، تأمل إلى هذه الجملة العظيمة، «ما أعطي أهل بيت الرفق»، هذه إشارة مساهمة من الشرع في بيان كيفية تسييس الحياة الزوجية. وأمثل ستأتي كثيراً جداً في هذا الباب في بيان غفلة الناس، أنهم لم يعطوا لهذا الباب حقه، وهو أنهم يرجعون هذه المشاكل الزوجية إلى الشريعة فهي كفيلة بحلها. رابعاً وأخيراً مما أذكره مما يستفاد من طرق هذا الباب، إخواني في الله، أن من خلال معرفتنا لحل المشاكل الزوجية أننا ستنفتح لنا آفاق كثيرة في ماذا؟ في معرفة إصلاح من هم من غير الأزواج، نعني نحن سنصب الكلام حول قواعد حول أسس عظيمة جاءت بها الشريعة الإسلامية في بيان كيفية توطيد العلاقة بين الأزواج، لكن تجد نفسك أن هذه القواعد التي نزلناها على هذا الباب هي نافعة، نافعة أن تنزل في غيرها من الأبواب، ستنفعك هذه القواعد في مسألة الشجار والخصومات التي تكون بين الإخوان أو بين أهل الإسلام أو بين الجيران، أو حتى بين ما يقع بين الراعي والرعية، لأن هذه القواعد رصينة متينة هي مفاتيح خير لإزاحة الشر والإتيان بالخير، فهي نافعة في هذا المقام وفي غيرها من المقامات. فالحاصل أن الإنسان، إخواني في الله، يهتم بهذه القواعد، وأيضاً أضيف أمر خامس ولا بأس أن أضيفه، أن هذه القواعد وهذه الدروس، إخواني في الله، لا يظن الظان أن الذي هو بحاجة إليها من هو في عراك أو هو في مشاكل مع أهله، أو المرأة إذا كانت هي في مشاكل مع زوجها، هم بحاجة إلى هذه الدروس فقط، لا يا عبد الله، بل كلنا، لأن الحياة الزوجية، إخواني في الله، هي حياة تكون دائماً يتخللها المشاكل، فهذه الدروس هي تعتبر علاج لمن ابتلي به، وهي كذلك وقاية، وقاية لك يا عبد الله حتى تتفادى ما قد عسى أن يقع إذا امتثلت ما سيعطى لك في هذه الدروس من قواعد النصوص، ستعلم يا عبد الله كيف تحمي نفسك وأهلك من عدم وصول الأمور إلى ما لا تحمد عقباه. فهذا، إخواني في الله، خمسة مسائل وهي كمقدمة لهذه الدروس العلمية الدعوية والتي سنتطرق إليها في درسي الظهر والعصر بإذن الله في مثل هذه الأيام، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.