آداب القبلة 5

آداب القبلة 5

الدرس في آداب القبلة 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأماكن والأحوال التي لا يجوز فيها استقبال القبلة

تناول المبحث الأماكن والأحوال التي لا يجوز فيها استقبال القبلة، حيث تنص النصوص على منع استقبالها عند قضاء الحاجة. يُفصل هذا وفقًا لرأي الجمهور.

حكم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

ذهب الجمهور إلى جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، لكن تركه أفضل. يُستحب تجنبهما في الخلاء لتعظيم القبلة، وورد حديث يدل على كتابة حسنة ومحو سيئة لمن لم يستقبلها ولم يستدبرها.

حكم استقبال القبلة ببعض الأفعال وتطبيقاته العملية

تناول حكم استقبال القبلة ببعض الأفعال مثل البصاق أو قضاء الحاجة، وتطرق إلى مسائل مثل مد الرجلين اتجاه القبلة واستقبالها أثناء الجماع، وخلص إلى عدم وجود دليل شرعي يمنع بعض هذه الأمور.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر الختام إقرارًا بعلم الله تعالى وأنه القادر على كل شيء.

  • 10 جمادى الأولى 1443هـ - 14/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ولازلنا نخوض في هذه المقامات بذكر آداب القبلة، ومر معنا المبحث الأول والمتعلق بتتبع الأماكن والأوضاع والأحوال التي يستحب فيها استقبال القبلة، مما جاءت به الأدلة أو مما نبه عليها العلماء والأئمة. ثم كان المبحث الثاني في ذكر بعض المسائل التي يجعلها العامة أنها من التعظيم للقبلة وليس كذلك، كما أشرنا إلى مسألة التعبيد كعبد الكعبة، أو ما يتعلق بالقسم بالكعبة، أو كذلك من جعلها صورًا تعلق أو يصلى عليها في السجاجيد. فمن الناس من يفعل هذه الأفاعيل بغية التعظيم، وهي ليست كذلك، بل هي على خلاف ذلك مما يكره ويمنع. ونصل في هذا المقام في هذا اليوم بإذن الله إلى المبحث الأخير من المباحث المهمة المتعلقة بمسائل القبلة، ألا وهي في معرفة الأماكن والأحوال التي لا يجوز ولا يشرع ولا ينبغي لمسلم أو مسلمة أن يتخذها في اتجاهه للقبلة. والنصوص الشرعية دلت على موضعين اثنين لا يجوز بحال أن المسلم يفعلها اتجاه القبلة. الموضع الأول ما يكون عند قضاء الحاجة، من أتى إلى حاجته فأراد أن يفعل بولًا أو غائطًا أو نحو ذلك، فهنا تنبه أن لا تكون وجهتك اتجاه القبلة، فالأدلة دلت على المنع، وذلك تعظيمًا وتشريفًا لبيت الله. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَةَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَتَيْتُم» أي لمن أراد أن يذهب إلى مكان ليقضي حاجته، فهنا لا يستقبل ولا يستدبر القبلة عند فعلته. وثبت كذلك في صحيح مسلم من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول». فهذه الأحاديث تفيدنا مسائل عدة، أولاها ما نحن بصدده وبذكره، على أن المسلم إذا أراد أن يقضي الحاجة سواء كان من غائط أو من بول، أنه لا يتجه اتجاه القبلة سواء كان استقبالًا أو استدبارًا. فهذه الأحوال كلها تمنع أن تفعل وأنت باتجاه القبلة، وإنما عليك أن شرق أو غرب. المسألة الثانية التي تهمنا في باب قضاء الحاجة، مسألة اختلف العلماء فيها، وهي على ماذا تحمل هذه الأحاديث؟ فمن أهل العلم من تمسك بظاهر الحديث ويرى أن هذا المنع عام وتشمل كل من أراد أن يقضي الحاجة في أي مكان كان. وذهب أكثر العلماء، وهم الجمهور، إلى أن المسألة ليس على إطلاقها، بل فيها التفصيل المعروف، وهو أن ينظر في هذا المكان الذي أنت ستقضي به الحاجة، إن كان مفتوحًا مثل براز أو خلاء أو صحراء، الأماكن المفتوحة حينها تمنع من ذلك. وأما إن كان قضاء الحاجة سيكون منك في الأماكن المعدة مثل حمامات أو دورات مياه أو مراحيض، يعبر عنها بالبنيان، فإن دخلت فيها قال جمهور العلماء: حينها لا يشملك النهي. هذا الذي ذهب أكثر العلماء، وما كان هذا التفصيل منهم إلا لأدلة أدلة مرت عليهم، وهي قد ذكرت عندما تطرقنا إلى آداب قضاء الحاجة. فالجمهور يرون التفصيل لما أثر عن فعله عليه الصلاة والسلام أنه استقبل واستدبر القبلة في قضاء حاجته، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ارتقى على بيت حفصة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. وجاء كذلك من حديث جابر وغير واحد في أن النبي كان يستقبل ويستدبر القبلة عند قضاء الحاجة. قال علماء: وهذا يُحمل عند البنيان. وجاء ذلك مصرحًا من حديث ابن عمر عن مروان الأصفر. فأشهد من ذلك هذا الذي عليه أكثر العلماء، على أنه من دخل إلى بنيان معد لقضاء الحاجة فلا يشملك النهي. أما إن خرجت إلى مفازة أو صحراء أو مكان فسيح، فانتبه فلا تجعل القبلة في اتجاهك استقبالًا أو استدبارًا. على القول الراجح وما ذهب إليه جمهور العلماء، إلا أنك يا عبد الله حاول أن تتحرز، حاول أن تتحرز، فقد ثبت عن بعض الصحابة كحال أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أنه لربما دخل على مراحيض فوجدها قد صوبت اتجاه القبلة، فكان ينحرف وهو يقضي الحاجة، ينحرف ويستغفر الله من هذا الفعل. فاحرص على أنك لا تتلبس بهذا ولو كنت في البنيان. أشد من ذلك الذي على وشك أن يبني حمامًا، من أراد أن يبني بيتًا أو يرمم حمامات، سواء كانت حمامات مسجد أو حمامات مصلحة من المصالح أو في بيتي، وأنت قد ترجح إليك مثلًا على جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان، لكن يا عبد الله لا تستسلم لهذا الأمر، اجعل المرحاض على خلاف سمت القبلة إما شرق وإما غرب، وهذا الأفضل وهذا الأحرى. فالحاصل، هذه المسألة من حيث الجواز على رأي الجمهور هي جائزة لما دلت عليه الدلة من جواز الاستقبال والاستدبار حال البنيان، لكن ترك ذلك أفضل خروجًا من الخلاف. رابعًا، في مسألة التعظيم للقبلة بأنك لا تستدبرها ولا تستقبلها بغائط ولا بول، يعطيك ربنا جل وعلا أجرًا. فمن ذلك ما رواه الطبراني في معجمه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتبت له حسنة ومحيت عنه سيئة». فإن دخلت يا عبد الله وأنت تتحرز أن تستقبل القبلة بغائط ولا بول، لك هذا الأجر. قال نبينا: «من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتبت له حسنة ومحيت عنه سيئة». وهذا الحديث أورده شيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترغيب والترهيب. الموضع الثاني أو الهيئة الثانية لا يجوز أن تتخذ في اتجاه القبلة، مسألة البصاق والتفل والنخامة. هذا لا تفعلها يا عبد الله وأنت متجه للقبلة، وذلك لورود الأحاديث في هذه المسألة. فمن ذلك ما جاء عند أبي داود من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من تفل اتجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه». قال علماء: هذا الحديث يحمل على النهي لمن كان مصليًا، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء، لا يجوز بحال للمصلي في أثناء صلاته أن يتفل اتجاه القبلة. لقوله عليه الصلاة والسلام، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنه يناجي الله». ففي أثناء الصلاة إذا قام أثناء الصلاة، بل أكثر الأحاديث التي جاءت بالنهي عن البصاق اتجاه القبلة جاءت بهذا القيد في أثناء الصلاة. ثم اختلف العلماء في حق المصلي إذا كان يصلي وبصق، هل هذا مكروه أم محرم؟ الصحيح أنه محرم. وسواء هذه الصلاة تؤديها في البيت أو في المسجد أو في أي مكان. أما من كان غير مصلٍ، أنت تمشي وأنت في البيت وأنت جالس وأنت قائم وأنت راكب، جاءتك نخامة أو بصاق وأنت ما تصلي، هل لك أن تتفل اتجاه القبلة؟ هنا وقع خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يرى أنه إنما في حال الصلاة، وما عدا ذلك فلا يضرك شيء. ولهذا إمام مالك رحمه الله تعالى لما سئل عن هذه المسألة قال: «لا بأس به». ومن أهل العلم من يرى أن المنع عام، كما ذهب إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى، يرى أن النهي عام سواء كنت في صلاة أو في خارج الصلاة. فالأحوط في هذه المسألة احرص يا عبد الله أن تتجنب القبلة، أنت مثلًا تسير إلى اتجاه القبلة، تسير ذاهب إلى بيتك، ذاهب إلى محل، راكب ماشي، وجاءك البصاق وأنت في اتجاه القبلة، حاول أن تجعلها إلى تنحى عنها. فهذان الموضعان إخواني في الله مما جاءت به الأدلة في تعظيم استقبال القبلة، بمثل هذه الأمور فلا تقضي الحاجة إزاءها ولا تبصق إزاءها. على الخلاف الحاصل بهذا الأمر قد انتهينا من هذين الموضعين. هل تلحق بهما مسائل مما ينبغي أن تفعل أمام القبلة؟ أشير إلى هذا المقام استغلالًا للفائدة على مقامين لربما جاء ذكرهما في أقوال طائفة من الفقهاء وعليها العمل عند العامة من أهل العلم. مثلًا من يرى أنه يكره أن تستقبل القبلة عند الوقاع عند إتيان أهلك في حال الجماع. يرى جماعة من الفقهاء أنك لا تفعل هذا الفعل وأنت مستقبل أو مستدبر القبلة، سواء كنت في بيتك أو كنت في أي مكان. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، هذا ليس بصحيح، ليس عليه دلالة وليس عليه آثار من علم. المسألة الثانية وهي المشهورة، مد الرجلين اتجاه القبلة. طبعًا تجد بعض الناس ولا العمل عند العامة يشددون على هذه القضية، إذا رأوا رجلًا في مجلس ما فمد رجليه إلى اتجاه القبلة لربما ضربوا على أكفه: أرفع يديك قبلة، احترمها، ونحو ذلك يوبخون الذي قد مد رجليه إلى القبلة تعظيمًا لها. هل على هذا دليل؟ الصحيح ليس على هذا دليل. نعم، جاء هذا الذكر وهذا الحكم بالكراهة عند بعض الحنفية، أشار إلى كراهة مد الرجلين إلى الكعبة. إلا أن العلماء ردوا عليهم، وممن رد عليهم ابن مفلح رحمه الله تعالى في كتابه «الآداب الشرعية»، حيث قال: إن أرادوا به عند الكعبة زادها الله شرفًا، فمسلم قد نسلم لهم هذا في حق من كان بجوار الكعبة. وإن أرادوا به مطلقًا، أي في أي مكان، قال: فالكراهة تستدعي دليلًا شرعيًا، وما عندنا دليل يمنع. وبهذا المسألة إخواني في الله نختم به ما يتعلق بمسائل وآداب القبلة، والتي عرجنا على مسائل كثيرة. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.