شرح مختصر سيرة الرسول 144

شرح مختصر سيرة الرسول 144

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 144، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وفاة الصحابة وغزوة القسطنطينية في خلافة معاوية

يسرد المقطع وفيات عدد من الصحابة البارزين مثل عمرو بن العاص وعبد الله بن سلام وأم حبيبة وحفصة وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وقيس بن عاصم في سنوات 42-47 هـ. ثم يذكر غزوة يزيد بن معاوية إلى قسطنطينية سنة 49 هـ بمشاركة كبار الصحابة، موضحاً استمرار الخلفاء في الجهاد والدعوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

تحذير من الشرك في الاستسقاء بالقبور ووفيات الصحابة في سنوات 53-58 هـ

يبيّن المقطع أن الاستسقاء بالمقبورين ودعاؤهم لجلب المطر هو شرك اقتداءً بفعل النصارى، ويضرب أمثلة على دعاء بعض المتصوفة لقبورهم. ثم يسرد وفيات عدد من الصحابة والتابعين في سنوات 53 إلى 58 هـ، مع الإشارة إلى بيعة يزيد بن معاوية في سنة 56 هـ.

خاتمة الدرس ووعد بالمواصلة

المتحدث ينهي الدرس الحالي ويعد بمواصلة الباقي في درس قادم. كما يشكر الحضور على متابعتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": وفي ختام هذا الكتاب قال: ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين، فيها مات عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر وهو واليها. كما تقدم أن المؤلف في آخر هذا الكتاب اختصر اختصاراً شديداً؛ لأن هذه المباحث في الحقيقة ليست من مباحث سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ذكر المؤلف هذه الأحداث تبعاً لهذا الكتاب، وإلا ف السيرة - سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم - انتهت بموته عليه الصلاة والسلام، فيذكر في هذه السنوات من مات من الصحابة الأعيان المعروفين منهم. قال: ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين، فيها مات عبد الله بن سلام رضي الله عنه، صحابي جليل أسلم أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من أحبار اليهود، وهو الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم إلى المدينة والناس مجتمعون حوله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فوقر الإيمان في قلبه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إني من أحبار اليهود، وإذا علم اليهود بإسلامي فإنهم سينكرون فضلي ومنزلتي. فقال له: اختبئ عنهم، وأنا سأسألهم عنك، فانظر ماذا يقولون، ثم أخرج وأخبرهم بإسلامك. ففعل، فجاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ماذا تقولون في عبد الله بن السلام؟ قالوا: هو سيدنا وعالمنا وابن سيدنا وابن عالمنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. شرعوا في الثناء عليه وفي ذكر منزلته بينهم، فخرج عبد الله بن سلام فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالوا: كذبت، أنت كذا وكذا، وبدأوا يرمونه بالسب والشتم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم - أو قال عبد الله بن سلام -: «إن اليهود قوم بهت»، في لحظة واحدة لما سمعوا بإسلامه غيروا المدح بالذم، ما الذي تغير إلا لأنه آمن ولأنه اعتنق هذا الدين العظيم؟ فهذا هو البهتان بعينه. فتوفي عبد الله بن سلام في سنة ثلاث وأربعين. قال: ثم دخلت سنة أربع وأربعين، فماتت فيها أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها، أحد أمهات المؤمنين. قال: ثم دخلت سنة خمس وأربعين، فماتت فيها حفصة بنت عمر أم المؤمنين، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وهو من علماء الصحابة وكان فقيهاً. قال: ثم دخلت سنة ست وأربعين، فمات فيها محمد بن مسلمة رضي الله عنه. قال: ثم دخلت سنة سبع وأربعين، فمات فيها قيس بن عاصم رضي الله عنه. قال: حوادث سنة تسع وأربعين. قال: ثم دخلت سنة تسع وأربعين، وفيها كانت غزوة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب. وهذه الغزوة تمت كما تقدم بعد اجتماع المسلمين على أمير واحد، وبعد أن قويت شوكة المسلمين، فجيش معاوية رضي الله تعالى عنه الجيوش للسير إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام وبالخلفاء الراشدين. فكما تقدم معنا أن من أعظم مقاصد هذا الدين دعوة الناس أجمعين إلى شريعة رب العالمين، فعلمتم ما بلغ الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أقطار هذه المعمورة في مشارق الأرض ومغاربها، فكانت تلك الفتوح العظيمة في العراق، وفي الشام، وكذلك مصر، وكذلك البلاد الأخرى البعيدة، وهكذا استمر الخلفاء في القيام بهذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى. ففي زمن معاوية بدأ ينشر الجيش المسلم في أصقاع هذه المعمورة للدعوة إلى الله عز وجل، فبعث ابنه يزيد ومعه جماعة من الصحابة كما ذكر: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضائهم، ومن علماء الصحابة أيضاً. إن كانوا لما نعم، بعث النبي عليه الصلاة والسلام، ربما منهم من لم يولد، ومنهم كان صغيراً ونحو ذلك، ولكن أخذوا العلم وكذلك تعلموا من النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا شباباً، ففتح الله عز وجل عليهم، فيعدون من كبار أهل العلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وكان عمر يدخل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مع أشياخ بدر، نعم، لما أوتي من فطنة ومن علم، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يعلمه التأويل، نعم، وأن يفقهه في الدين. وقد استدل بعض أهل العلم بغزو يزيد بن معاوية إلى قسطنطينية، وقسطنطينية هي البلد التي تسمى اليوم إسطنبول، تسمى اليوم إسطنبول، ففتحت في عهد يزيد بن معاوية، فاستدل أهل العلم - فُتحت على يد يزيد بن معاوية بأمر من أبيه معاوية رضي الله عنهم جميعاً - فاستدل بعض أهل العلم بهذا على أن يزيد بن معاوية، وإن وقع منه ما وقع بعد توليته لإمارة المسلمين، إلا أن له مناقب يرجى أن يغفر له بسببها، ومنها هذه الغزوة. فإن هذه الغزوة قد جاء فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فتحها، وأنها ستفتح هذه البلد على يد أهل الإسلام، ففتحت على يد يزيد بن معاوية، نعم، فدل ذلك على فضله، وعلى أن هذا الفتح منقبة من مناقبه، نعم، فلذلك أهل السنة لا يذمونه ولا يسبونه، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: وفيها - أي في هذه السنة، سنة تسع وأربعين - مات الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، وصفية بنت حيي أم المؤمنين. هكذا هي الحياة الدنيا لا يخلد فيها أحد، مات الصحابة كل واحد بعد الآخر، وهذه سنة الله في خلقه أنه لا يبقى على وجه هذه المعمورة إلا وجهه، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾. فمات في هذه السنة هؤلاء الصحابة: الحسن بن علي، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، وصفية بنت حيي أم المؤمنين، وجبير بن مطعم، وحسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، ودحية، ودحية بن خليفة الكلبي، وكعب بن مالك، وعمرو بن أمية الضمري، وعقيل بن أبي طالب، وعتبان بن مالك، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم. وهؤلاء هم رواة حديث النبي عليه الصلاة والسلام، كم مر معكم في الكتب التي تقرؤونها أو تحفظونها من أحاديث هؤلاء الصحابة. قال: ثم دخلت سنة إحدى وخمسين، فمات فيها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم. قال: ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين، فمات فيها أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري غازياً، يعني وهو ذاهب إلى الغزو، ودفن عند سور القسطنطينية، وكان النصارى يستسقون بقبره، وهذا من العجائب: إن النصارى الكفار كانوا يستسقون بقبره وهو مسلم. قال: وبرأه الله من عقائد النصارى، يعني هو ليس نصراني، ومن عقيدته تحريم الاستسقاء، وأنه شرك بغير الله، الاستسقاء بغير الله، يعني في دعاء الميت. أما طلب السقيا من الحي فهذا لا بأس به، أن يستسقي للناس بمعنى يدعو الله أن يسقي الناس، أن يسقي الناس، كما قال عمر: كنا نستسقي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات نستسقي بعم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي العباس. لكنهم يستسقون بقبره يعني بعد موته، وهذا لا يجوز، وهذا ما يفعله عباد القبور اليوم، فهذا يدلنا على ماذا؟ على أن ما يفعلونه من الاستسقاء بالمقبورين، لهم قدوة في من؟ في النصارى، النصارى الذين كانوا يفعلون ذلك، أما المسلمون ما كانوا يفعلون ذلك. لو كان هذا يجوز الاستسقاء بالقبور لفعل ذلك الصحابة مع أفضل أهل القبور وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا ذلك، عدلوا عن الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء بالحي القادر على الدعاء، يطلب السقيا من الله سبحانه وتعالى، لا هو الذي يسقي الناس، وإنما يطلب السقيا من الله سبحانه وتعالى. فما يفعل هؤلاء من طلب السقيا من المقبورين فهذا شرك. وهل يقع ذلك فيهم؟ نعم، قد سمعنا هذا من بعض هؤلاء المتصوفة: كنا في دعاء إذا خرجوا للصلاة يستسقون، ورجعوا قالوا: يا بحر النور نريد سيل الليلة. يقولون: بحر النور، هذا أحد قبورهم في الرشيد، منطقة الرشيد، بعد ما ينتهوا من الاستسقاء يقولون: يا بحر النور نريد سيل الليلة. سبحان الله، كأنه الذي يأتي لهم بالسيل، كأنه الذي يأتي لهم بالسيل. نعم، بل ذكروا أن بعض الناس لما يقول: يا هبل، لما يسمع رعد أو شيء يقول: يا هبل، إيش معناه يا هبل؟ قالوا: اسم صنم. نعم، يعني كأنهم يقولون: انزل للمطر، هيا يا هبل، الآن انزل علينا المطر. يستغيثون ويستسقون به، وهذا كله من الشرك، من أعمال اليهود والنصارى، ليس من أعمال أهل الإسلام. فهكذا كان النصارى يستسقون بقبر أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، قال: وبرأه الله من عقائد النصارى. ومات بها أبو موسى الأشعري، يعني بالقسطنطينية، وعمرو بن حريث، أو لأن قال: بها، ما قال فيها، إذا قال فيها يعني السنة، لكن إذا قال بها كأنه يريد القسطنطينية، والله أعلم. قال: ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين، فمات فيها صعصعة بن ناجية الصحابي الذي يقال إنه أحيا أربعمائة موؤودة في الجاهلية، ومعنى أحياها: يعني يأتي إلى أبيها الذي أوشك أن يدفنها وهي حية فيكفيها مؤنتها، قل: لو أتركها أنا سأربيها وأنا سأقوم بأمرها، ولا شك أن هذا فيه فضل عظيم، أربعمائة موؤودة، أربعمائة أنقذها من أعمال أهل الجاهلية ومن الدفن وهي حية، ولا شك أن هذا منقبة عظيمة له. قال: وزياد بن سمية رضي الله عنهم. قال: ثم دخلت سنة أربع وخمسين، قال: فماتت فيها سودة بنت زمعة أم المؤمنين، وأبو قتادة الأنصاري، وحكيم بن حزام رضي الله عنهم، وهؤلاء صحابة معروفون. قال: ثم دخلت سنة خمس وخمسين، فمات فيها سعد بن مالك، والأرقم بن أبي الأرقم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مختبئاً في داره، معروف، كان داراً يجتمعون فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع من آمن به، لأن المرحلة كانت مرحلة سرية، لو علم المشركون بمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم لعذبوه وأذاقوه الويل، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر بدعوته، ومن آمن به كذلك لا يظهرون إسلامهم. قال: وسحبان وائل، سحبان عندهم. قال: وسحبان وائل، وهذا اختلف في صحبته، في صحبته، فالكثير من أهل العلم أنه أسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يره، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يسلم، ومنهم من قال: أسلم ولم يره، فاختلف في صحبته، الله أعلم. قال: البليغ الذي يضرب به المثل في الفصاحة. قال: ثم دخلت سنة ست وخمسين، فدعى فيها معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد، يعني هذا الحدث العظيم وقع في حياة معاوية، فاستخلف معاوية على الناس في حياة أبيه. قال: ثم دخلت سنة سبع وخمسين، فمات فيها عثمان بن حنيف رضي الله عنه. قال: ثم دخلت سنة ثمان وخمسين، فمات فيها سعيد بن العاص أحد الأجواد السبعة، يعني من أهل الجود والكرم، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عباس، أحد الأجواد السبعة رضي الله عنهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. شكراً لكم.