الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 495، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع شرح حديث أبي أمامة عن حجة الوداع وسند الحديث ورواية الإمام البخاري له مع زيادات عند الإمام أحمد. يوضح المقطع أهمية هذا الحديث في فهم وصايا النبي.
يشرح المقطع وصية النبي في حجة الوداع بعبادة الله وإقام الصلاة وصوم رمضان وإيتاء الزكاة وطاعة ولاة الأمر لدخول الجنة، مؤكداً على أركان الإسلام الأساسية وأهمية التوحيد.
يشدد المقطع على أهمية توحيد الله وأداء الفرائض الخمس وطاعة العلماء والحكام لدخول الجنة، ويبين دور النوافل في حماية الفرائض ومنع التفريط فيها.
يفصل المقطع درجات المكلفين إلى ثلاثة: المقتصد الذي يؤدي الفرائض، والظالم لنفسه الذي يفرط ويقترف الذنوب، والسابق بالخيرات الذي يؤدي الفرائض والنوافل.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكوفي، وهو واثقة من مشيخة النساء. قال: أخبرنا زيد بن الحباب، وهو أبو الحسين التميمي العقيلي الكوفي، وهو ممن لازم الثوري، لكنه أخطأ في عدة أحاديث عنه، وإلا فهو من الثقات. قال: أخبرنا معاوية بن صالح. معاوية بن صالح اثنان مشهوران: معاوية بن صالح المصري ومعاوية بن صالح الحمصي. وكيف تعرف أن هذا معاوية بن صالح مصري أو حمصي؟ تعرفه بالإسناد، أنه إذا جاء في الإسناد المصري فهو معاوية بن صالح المصري، وإن جاء في الإسناد الحمصي أو الكوفي فهو معاوية بن صالح الحمصي الشامي الأندلسي، لأنه قاضي الأندلس، جلس فترة في قضاة الأندلس، وزيد بن حباب سمع منه وهو في الأندلس. زيد بن حباب كوفي، لكنه سمع من معاوية عندما كان قاضيا في الأندلس. قال: حدثني سليم بن عامر، وهو الشامي، عابد أهل الشام وإمامهم. قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم». قال: قلت لأبي أمامة: منذ كم سمعت هذا الحديث؟ قال: سمعته وأنا ابن ثلاثين سنة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن، وظاهر أنه حديث حسن للكلام الذي في زيد بن الحباب. قال: وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في حجة الوداع وهو على الجدعاء، واضع رجله في غراز الرحل، يتطاول. وهذه الزيادات عند أحمد رحمه الله. أولا: أن هذه الخطبة كانت في حجة الوداع، وكان أبو أمامة الباهلي قد بلغ ثلاثين سنة في حجة الوداع. قال: وهو على الجدعاء، والجدعاء هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل أنها سميت جدعاء لأن أذنها مقطوعة. قال: واضع رجله في غراز الرحل يتطاول. وهذا الجدعاء من آخر نوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما كانت معه العضباء، العضباء كانت أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يركبها. أقصد القصوى، ما خلعت القصوى، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. وأما القطباء فهي قيل نفسها الجدعاء. وقد ذكر الإمام ابن القيم رواحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغاله. قال: يقول: لا تسمعون؟ أي النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد أو قد كان راكبا على الجدعاء، واضع رجله في غراز الرحل. غراز الرحل أي المكان الذي يصعد فيه الرحل، أنه في الناقة يكون مكان حتى يضع رجله فيه، سمى غراز الرحل. فالنبي صلى الله عليه وسلم قام على رجليه ووضع رجله في غراز الرحل حتى يسمع صوته، فقال: «ألا تسمعون؟» فقال رجل من آخر القوم: ما تقول؟ قال: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم». قال: قلت له، أي سليم بن عامر: منذ كم سمعت هذا الحديث يا أبا أمامة؟ قال: وأنا ابن ثلاثين سنة. وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به. وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، وهو الأصم. أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، وكان حافظا كبيرا، وقد بلغ من السن حتى دركه الأجيال والأحفاد، فكان حافظا كبيرا. وقيل له الأصم لأنه ما كان يسمع، حتى أنه في آخر عمره ما كان يسمع شيئا. وازدحم الناس عنده لأنه كان معه كتب الشافعي، أخذها عن الربيع بن سليمان المرادي. ويقال أنه من كثرة تعلقه وروايته عن الربيع بن سليمان المرادي الجيزي، فإنه أراد أن يؤذن، وكان مؤذنا في مسجده، فأراد أن يؤذن، فقال: حدثنا الربيع بن سليمان، ثم تذكر أنه يؤذن، فأذن بعد ذلك. قال: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، وهو خولاني من خولان اليمن، وهو سكن من سكن مصر. قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني معاوية بن صالح، وهذا إسناد مصري، لكن معاوية بن صالح هنا هو الشامي، لأن عبد الله بن وهب روى عن هذا وهذا. قال: عن يحيى بن عامر الكلاعي قال: سمعت أبا أمامة يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا في حجة الوداع، وهو على ناقة الجدعاء، قد جعل رجليه في غرزي الركاب يتطاول يسمع الناس، فقال: «لا تسمعون صوتي؟» فقال رجل من طوائف الناس: فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم». قال: قلت يا أبا أمامة: فمنذ كم أنت يومئذ؟ قال: أنا يا أخي يومئذ ابن ثلاثين سنة، أزاحم البعير أدحرجه قربا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه الرواية الآن رواية يحيى بن عامر، أو معنى سليم بن عامر. أبو يحيى الكلاعي قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. قال: وهذا حديث حسن. فهذا الحديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، وهي من الأمور المهمة العظيمة التي عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها إلى الناس في ذلك الجمع الذي لم يجتمع في الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. يقال أنه اجتمع عشرة آلاف أو أكثر، أنه هذا العدد كان كبيرا في صدر الإسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعبدوا ربكم»، وهو التوحيد، أي عبادة الإخلاص لله عز وجل، أي لا تصرف العبادة إلا لله. وهذا يدل على كما هو معلوم من الآيات والأحاديث أن التوحيد من عنده توحيد الله عز وجل، فأعماله مقبولة، سواء كان أعمال الظاهر أو الباطن. ومن لم يكن عنده توحيد وعبد غير الله وأشرك، فبطل إسلامه وبطلت أعماله، أن كل أعماله تكون باطلة مهما صلى ومهما صام ومهما زكى، فكل أعماله تكون باطلة ما دام أنه يشرك بالله جل وعلا. فلا قبول الأعمال لا بد فيها من توحيد الله سبحانه وتعالى، وإلا كان شخص مشرك لا يقبل الله عز وجل منه صرفا ولا عدلا، لا فريضة ولا نافلة. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فالكافر المشرك لا يقبل الله عز وجل منه الأعمال، فإذا جاء بالتوحيد فإن أعماله بعد ذلك تقبل إذا جاءت بشرطها. قال: «وصلوا خمسكم»، عن الفروض الخمسة لأنها واجبة. والصلاة هي عمود الدين، وبعد التوحيد كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر: «بني الإسلام على خمس»، فذكر الشهادتين ثم ذكر الصلاة، لأن الصلاة هي من قياس الأعمال الظاهرة، فإذا صلحت الصلاة صلح سائر العمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وصوموا شهركم»، أي شهر رمضان. «وأدوا زكاة أموالكم»، أي هذه الصدقة التي هي فريضة، تأخذ من الأغنياء وتعطى للفقراء. قال: «وأطيعوا ذا أمركم»، أي علماؤكم وكذلك حكامكم، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فأولي الأمر في الدين هم العلماء، وأولي الأمر في الدنيا هم الحكام. فيجب على المسلم أن يطيع علماءه وحكامه، يطيع العلماء في الدين ويطيع الحكام في الدنيا. فإذا فعل هذه الأمور العظيمة، وإن لم يأت بعد ذلك بالنوافل، فإنه يكون من أهل الجنة. لكن إن أراد أن يحافظ على هذه الفرائض، فليحميها بالنوافل، فالنوافل حماية للفرائض، النوافل تحمي بها الفرائض. فسنن الرواتب تحمي بها الفرائض، ومعنى تحمي بها أي أن الإنسان لا يفرط في الفريضة لأنه محافظ على النافلة. والذي يحافظ على النافلة لا يمكن أن يفرط في الفريضة. لكن الذي يفرط في النوافل، فتحفظ تفريطه في الفرائض يكون سهل، أنه تجد أن التفريط عنده بسرعة يفرط، يترك الصلاة أو أنه يؤخرها إلى آخر وقتها أو غير ذلك. فلهذا فالنوافل تحمي هذه الفرائض. قال: «وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم». فهذا الذي أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام وعهد به إلى الأمة، أمة الإسلام، حين يقوم به فهو أعظم شيء. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الرجل كما جاء في الصحيحين في حديث طلحة بن عبيد الله، قال: «نسمع دوي صوته ولا نفهم ما يقول»، أن صوته يسمع لكن قال: «ما نفهم ما يقول» لأنه أعرابي بدوي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيت إن صليت المكتوبات وصمت رمضان وأديت الزكاة وجاء في رواية وحججت بيت الله الحرام، هل علي غيرهن؟» قال: «لا إلا أن تطوع». قال: «والله لا أزيد ولا أنقص على ذلك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخل الجنة إن صدق»، أي إن بقي على هذه الفرائض فإنه يدخل الجنة. وهذا المقتصد كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فالظالم لنفسه هو صاحب الذنوب المفرط، والمقتصد هو الذي أدى الفرائض وترك المحرمات، وكذلك السابق بالخيرات هو الذي أدى الفرائض والنوافل. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بذلك والله تعالى أعلم.