الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 496، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل ترجمة الإمام عبد الرزاق الصنعاني وتلاميذه وأساتذته ودوره في نشر السنة في اليمن. كما يبرز بعض الشبهات حول حياته وردود العلماء عليها.
هذا الفصل يتناول تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الخوارج ويذكر صفاتهم وأفعالهم. يستشهد بحديث أبي أمامة الباهلي وأقوال العلماء في تفسير هذه الأحاديث.
الخوارج فرقة ضالة تشكل خطرا كبيرا على الإسلام لأنهم يخربون من الداخل ويحملون الآيات النازلة على الكفار على المسلمين. النبي صلى الله عليه وسلم حذر منهم ووصفهم بأنهم شر قتلى تحت أديم السماء.
يناقش هذا الفصل تفسير قول السلف 'كفر دون كفر' لوصف بعض الأفعال. يشير إلى أن ابن عباس فسّر الكفر هنا بأنه ليس الكفر المخرج من الملة، ويذكر أن هذا التفسير صحيح بإسناد صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، أبو بكر. رحل إليه أو أكثر من رحل إليه في وقته، هو عبد الرزاق رحمه الله، وكان في صنعاء اليمن، قريته قريبة من صنعاء، فكان الطلبة يجلسون في صنعاء ثم يأتونه إلى قريته لعدم وجود الماء فيها. وقد جاءه أئمة الإسلام في ذلك الزمان: أحمد بن المديني وابن معين، وكذلك إسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة الإسلام. وهو أيضا قد تجول في البلاد وفي طلب العلم، وأخذ من أئمة الإسلام في ذلك الوقت، فأخذ من مالك والأوزاعي والليث ومعمر وسفيان بن عينة والثوري وغيرهم من أئمة الإسلام في ذلك الزمان، فالتحصل على علم عظيم. وأما ما يتهم به من التشيع، إنما أصابه في آخر عمره، كان بعض أصحابه قد تشيع، لكنه كان يقول: لم تطب نفسي أن أقدم عليًا على أبي بكر وعمر، وقال: إنما نقدم أبا بكر وعمر كما قدمهما علي، لكن خرجت مع بعض الكلمات منه التي فيها شيء من الإساءة إلى عمر رضي الله عنه، لكنها زلة. ولما سئل الإمام أحمد عن ذلك قال: ما رأينا من عبد الرزاق شيئا. وقال: وسئل يحيى بن معين، فقال: لو كفر عبد الرزاق لما رددنا حديثا؛ لأن حديثه حديث أهل الصدق. وما حصل له بعد ذلك فلا يؤثر في حديثه القديم، قد حصل له اختلاط بعد المئتين، لما عمي، فكان يلقن بعض الأحاديث الباطلة -يعني يخبرونه بأشياء ليست موجودة في كتبه-. قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وهو أبو عروة معمر بن راشد اليمني البصري، أصله بصري ثم جلس في اليمن وتزوج فيها، وجلس في صنعاء، وصار إمام السنة ونشر السنة في اليمن. والذين نشروا السنة في اليمن -كما كان شيخنا يقول- هم ثلاثة، أي في ذلك الوقت: معمر، وسفيان الثوري، وعبد الله المنباهي. وإلا كان التشيع قد انتشر في صنعاء خاصة، فلما جاء هؤلاء واستقر معمر في صنعاء نشر السنة، وحبب الناس إلى السنة، وجلست صنعاء فترة طويلة وهي على السنة حتى جاء القرامطة ومن نحا نحوهم وغيروا عقائد الناس. قال: سمعت أبا غالب يقول -أبو غالب هو حزور، وهو من التابعين من أهل البصرة، أبو غالب البصري، وهو كان من العباد-: يقول: لما أتي برؤوس الأزارقة -الأزارقة فرقة من فرق الخوارج من أصحاب نافع بن الأزرق الذي كان يسأل ابن عباس وكان يتعمق في الأسئلة، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، لكنه أصر في هذا. وأيضا كذلك نجدة -فرقة سموا النجدات، تبع لنجدة- وهو أيضا ممن كان يسأل ابن عباس، وهؤلاء أوتوا من التعمق والتشدد في الأمر، ولم يفهموا بأفهام العلماء. فهذا نافع بن الأزرق يعتبر من تلاميذ ابن عباس، لكنه ما كان يأخذ كلام ابن عباس، وكان ابن عباس ينهاه عن مثل هذه الأسئلة، وكذلك مثل هذا التعمق في الأمور. وكذلك أيضا نجدة، بل كان نجدة يعارض ابن عباس، وأيضا غيرهم من هؤلاء الذين كانوا يعارضون أيضا علي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابة، وظنوا أنهم أفضل من الصحابة وأنهم أعرف بدين الله عز وجل من الصحابة، فلهذا ظلوا الطريق واتبعوا غير سبيل المؤمنين، وشاقوا الرسول. وأخبر بهم النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث وفي غيره، قال: لما أوتي برؤوس الأزارقة -أي أخذوهم، وهذا في عهد علي أو بعده- قال: فنصبت على درجة دمشق، جاء أبو أمامة، فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: «كلاب النار» ثلاث مرات، «هؤلاء شروا قتلا قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلا قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء». قال: فقلت: فما شأنك دمعت عيناه؟ قال: رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام. قال: قلنا: أبرأيك؟ قلت: هؤلاء كلاب النار أو شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: إني لجري بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث. قال: فعدنا مرارا. قال: والحديث خرجه الحميدي، فقال: حدثنا سفيان -هو ابن عيينة- قال: حدثنا أبو غالب صاحب المحجن، قال: رأيت أبا أمامة الباهلي أبصر رؤوس الخوارج على درجة دمشق، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كلاب أهل النار كلاب أهل النار كلاب أهل النار»، ثم بكى، ثم قال: «شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا». قال أبو غالب: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، إني إذا لجري معنا إذا لم أقل أو أقل هذا، ولم يقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم -فهذه جرأة- فقال: إني إذا لجري سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. وقال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض -هو بالظن- قال: سمعت صفوان بن سليم -وهو المدني العابد، كان رجلا عابدا كثير العبادة حتى اخترقت جبهته من كثرة السجود- قال: يقول: دخل أبو أمامة الباهلي حمص، فرأى رؤوس حروراء، وصفوان بن سليم -قال بعض العلماء: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة-. وذكر أبو داود أنه رأى بعض الصحابة كأبي أمامة، قال: فرأى رؤوس حروراء قد نصبت، فقال: «كلاب النار كلاب النار» ثلاثا، «شر قتلى تحت ظل السماء، خير قتلى من قتلوا»، ثم بكى. فقام إليه رجل، فقال: يا أبا أمامة، هذا الذي تقول من رأيك أم سمعته؟ قال: إني إذا لجري كيف أقول هذا عن رأي؟ قال: قد سمعته غير مرة ولا مرتين. قال: فما يبكيك؟ قال: أبكي لخروجهم من الإسلام، أولئك الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعا، ﴿أَنَا حَمَلَ الْعَذَابِ عَلَى ذَلِكَ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال: هذا حديث جيد. فأبو غالب حسن الحديث، وحديث صفوان بن سليم الظاهر أنه منقطع، لم يذكروا مشايخ أبي أمامة: صدي بن عجلان. لكن كما ذكرنا أن أبا داود قال: إنه رأى أبا أمامة، ورؤيته هذه تدل على السماع، عن أنه لقيه، فتحمل على السماع، إلا إذا صرح العلماء أنه لم يسمع من أبي أمامة. لكن الشيخ هنا استدل على أنهم لم يذكروا مشايخه، والشيخ يعتمد دائما على «تحفة الأشراف للمزي»؛ فهو يذكر من روى عنه هذا الراوي الذي يترجم له، أو أقصد «تهذيب التهذيب». وأيضا «تحفة الأشراف»، لكن أكثر شيء خاصة في الرجال يعتمد على «تهذيب التهذيب» أو «تهذيب الكمال للمزي»؛ لأنه يذكر كل من روى عنه الراوي. وأما الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» فيقتصر على بعضهم، فالحديث صحيح. وقد تقدم أيضا أن أبا غالب قد روى هذا الحديث، ورواه أيضا غيره. وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: أخبرنا وكيع -قتيبة: محمد بن العلاء الهمداني- قال: أخبرنا وكيع، والربيع -وهو ابن صبيح-، وحماد بن سلمة -وكلاهما بصريان- قالوا: عن أبي غالب، قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه»، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا -حتى عد سبعا- ما حدثتكم. قال: هذا حديث حسن. وأبو غالب اسمه حزور، وأبو أمامة الباهلي اسمه صدي بن عجلان، وهو سيد باهلة. قال: الحديث أخرجه ابن ماجه مختصرا. وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي غالب به. فهذا الحديث في التحذير من الخوارج، وهو من أشد الأحاديث التي فيها التحذير من هؤلاء الخوارج، حتى سماهم النبي صلى الله عليه وسلم «كلاب النار كلاب أهل النار»، وهذا يدل فعلا أن أمرهم خطير، وخاصة فيما أفسدوا في الإسلام. ولهذا من علاماتهم أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان؛ لأنهم يرون أن الخطر في أهل الإسلام، فلهذا تجد أنهم يقتلون أهل الإسلام. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهم وحذر منهم أشد التحذير، لعل النبي عليه الصلاة والسلام لم يحذر عن أحد مثل تحذيره عن الخوارج. وحتى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم»، عاد وإرم قيل: أنها البلدة التي كان فيها قوم عاد. وهذا النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد- لما حذر من الخوارج ذكر علامتهم، وأن علامتهم رجل يده كثدي امرأة، أو قال: يده كثدي المرأة. فلما قتلهم علي رضي الله عنه في النهروان بحثوا عن هذا الرجل، فكان علي يأمر بالبحث عنه، فقال: والله ما كذبت ولا كذبت، أنا ما كذبت ولا أيضا من أخبرني، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كذب علي، لا بد أن يكون هذا الرجل موجودا، ثم بعد ذلك وجدوه بين أو تحت أناس قد قتل، فكانت هذه العلامة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل الصحابة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء في الخوارج عليهم، على من كان في حروراء من الخوارج، وصارت هذه وسمة عار على كل من خرج على المسلمين. مع أن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا ذكر صفاتهم حتى يعرفوا، ولا يغتر بهم مغتر؛ لأن بعض الناس يغترون بالظواهر، فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه -لما أتى الخوارج-: رأيت لأحدهم ركبة -أو كان لأحدهم ركبة- كركبة البعير من كثرة السجود والعبادة، فجكانوا أهل عبادة، لكنهم على جهل، وكانوا أهل صوم كذلك، لكن بجهلهم، حفظوا القرآن، لكنهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم-، ما يفهمون القرآن، أرادوا أن يفهموا القرآن بأفهامهم، فأضلهم الله عز وجل؛ لأن هذا القرآن لا بد أن يفهم بفهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أعرف الناس به، وهم الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا لما سئل ابن عمر -كما قال نافع-: فماذا كان يقول ابن عمر في الخوارج؟ قال: انطلقوا إلى آيات نزلت على الكفار، فحملوها على المسلمين، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقالوا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فلهذا صار خطر هذه الفرقة خطرا عظيما جدا على الإسلام؛ لأن الذي يخرب من الداخل ليس كالذي يخرب من الخارج، فالذي يخرب من الداخل يكون خطره أعظم. فلهذا قال: «شر قتلى تحت أديم السماء»، فشرهم حتى أنهم شر من الكفار؛ لماذا؟ لأن ضررهم أعظم على الإسلام من الكفار، وليسوا أخبت من الكفار، وليسوا أيضا أكفر، بل أكثر العلماء يرون أنهم من أهل الإسلام، لكنهم شرهم أكثر من شر الكفار، شرهم أكثر من شر الكفار. لهذا قال: «شر قتلى تحت أديم السماء». ولهذا بعض العلماء تجد أنه يطلق هذه الكلمة، مثلا: هؤلاء أخطر -مثل ما أخذ على العلامة ربيع بن هادي حفظه الله- لما قال: إن الإخوان المسلمين أخطر من اليهود والنصارى، هذه كلمة صحيحة؛ لأن هؤلاء معنا يخربون الإسلام من داخله، يخربون الإسلام من داخله. وأكثر خوارج العصر الآن هم من الإخوان المسلمين، انبثقوا، وأيضا ولدتهم الإخوان المسلمون، فالإخوان هم شر هذه الفرق، وهم أيضا أصل هذه الفرق. مصطفى شكري -شكري هذا الذي تزعم الهجرة والتكفير- هو من الإخوان المسلمين، لما حبسهم جمال عبد الناصر وكذا، فخرجوا بعد ذلك بهذا الفكر، ليس عندهم علم، وليس عندهم أيضا دين، فلهذا حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر صفاتهم. ولعل الأمر يطول فيهم، لكن هذا الحديث يكفي في التحذير من هؤلاء، حتى سماهم النبي صلى الله عليه وسلم «كلاب النار»، «وهؤلاء شروا قتلا قتلوا تحت أديم السماء، وخيروا قتلا قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء». ومعنى من قاتل هؤلاء، وهذا فيه إذن من النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وقد قاتلهم علي رضي الله عنه، قاتلهم علي، أول من قاتلهم علي، وكان بعض الناس يعارض في قتاله، لكنه رأى أنه يقاتلهم، وكان هذا بأمر النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان علي يبحث عن هذه الآية أو عن هذه العلامة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا قاتلهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي-: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»، من يقاتل على تأويل القرآن -على فهم القرآن- هؤلاء ما فهموا القرآن، فلهذا خرجوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»، فقال أبو سعيد: فاستشرفنا لها -أي كلنا يريد أن يكون هذا الشخص- فقال: «خاصف النعل» -وهو علي- كان يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأيضا هنا مسألة ذكرت في هذا الحديث، وهو قول أبي أمامة رضي الله عنه: أنهم خرجوا من الإسلام. وأيضا الحديث التي جاءت في الصحيحين: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وهنا قال: أبكي لخروجهم من الإسلام، فهناك مسألة مشهورة، وهي: هل الخوارج من الكفار أم أنهم من فرق المسلمين؟ سئل علي رضي الله عنه -قد صح ذلك عنه-: سئل علي: هل هم كفار؟ قال: لا، من الكفر فروا، أو قال: ليسوا كفار، فقيل له: أمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، لكنهم قوم بغوا على أهل الإسلام، فهذا رأي علي رضي الله عنه. وقد قال به جماهير العلماء، أنا أكثر أهل العلم، وأكثر الأمة يرون أنهم ليسوا بكفار، وإنما هم على الإسلام. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، المراد أنهم يخرجون عن تعاليم الإسلام، وليس عن الإسلام نفسه، يخرجون عن تعاليم الإسلام وعن فهم هذا الدين -يعني دخلوا الإسلام، لكنهم ما فهموا هذا الإسلام، دخلوا الإسلام لكنهم ما فهموه، فهموه بالخطأ، وفهموه بأفهامهم القاصرة، ولم يفهموا بفهم العلماء، وفهم الأئمة، فلهذا حاربوا وخرجوا على الناس. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الخويصرة: «يخرج من ضئضئه هذا أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين -أو قال: يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، أي أنهم لا يفهمون الإسلام، ويحفظون القرآن، لكنهم لا يفهمون معانيه، ولا يعملون بمقتضى هذا الفهم الذي جاء عن الصحابة وعن النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا صاروا يخرجون على أهل الإسلام وعلى العلماء. وإلى اليوم تجد أن هؤلاء أكثر جهلة، يحفظون القرآن، لكنهم لا يعرفون العلم، ولا يعرفون تفسير العلماء، يخالفون العلماء في تفسيرهم. وأقرب مثال أن خوارج هذا العصر -سواء كان أهل الهجرة والتكفير أو سواء كان القاعدة أو غيرهم من هذه الفرقة الضالة من الخوارج- تجد أنهم يفسرون قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على أن هذا الكفر كفر مخرج من الملة، ليس كفرا دون كفر، ولا يحملون هذا -إن حملوه على الكفر- لا يحملونه على الكفار، وإنما يحملونه على المسلمين، فلهذا كفروا أهل الإسلام. ولو أنهم أخذوا بقول السلف: ابن عباس، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم من أئمة السلف، فقالوا: هذا كفر دون كفر، وقال ابن عباس -وصح عنه-: لا كما يقوله الطبري وغيره: إنه لم يصح، بل صح بإسناد صحيح أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، ليس الكفر الذي تذهبون إليه -هذا كلام واضح-، أي ليس الكفر الذي يخرج من الملة، وإنما هو كفر دون كفر كما جاء عن طاوس وعن غيره، فهذا خلاصة ما يذكر، فنكتفي به. والله تعالى أعلم.