التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 38

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 38

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح أقسام العموم في الحديث النبوي وتطبيقاتها

يشرح شيخ الإسلام أقسام العموم الثلاثة في الحديث النبوي وتطبيقاتها على حديث "فخالفوهم". يبين الفرق بين المطلق والمقيد والمفهوم المطلق.

تقرير العموم في المخالفة وأثر الكفر على الأعمال

يناقش مفهوم المخالفة وعمومها في الشرع وأثر الكفر على صلاح الأعمال. يُظهر أهمية نعمة الإسلام ويحث على الاعتبار بآثار الكفر.

مخالفة أهل الكتاب وتغيير الشيب والنهي عن التشبه بهم

يتناول أهمية مخالفة أهل الكتاب في تغيير الشيب والنهي عن التشبه بهم. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر آراء الإمام أحمد بن حنبل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقرأنا في الدرس الذي مضى في كلام شيخ الإسلام، بيّن أن العموم على ثلاثة أنواع: عموم الكل لأجزائه، وعموم الجميع لأفراده، وعموم الجنس لأنواعه. وهذه كلها أنواع من أنواع العموم غلط فيها كثير من الناس، فبيّن الشيخ رحمه الله الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ، وأيضًا اللفظ يستعمل مطلقًا ومقيدًا، وكل ذلك أراد أن يبين أن قوله صلى الله عليه وسلم: «أن اليهود والنصارى لا يسبغون فخالفوهم» أراد أن يبين أن هذا الحديث من أحاديث العموم، من أحاديث العموم التي جاءت في النهي عن مخالفة أهل الكتاب. فبين أولًا القسم الأول وهو عموم الكل لأجزائه، ثم قال: وأما القسم الثاني من العموم فهو عموم الجميع لأفراده، كما يعم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي كل مشرك، هذا عموم الجميع لأفراده، فاقتلوا المشركين أي جميع كل مشرك داخل في هذا. والقسم الثالث من أقسام العموم عموم الجنس لأعيانه، كما يعم قوله: «لا يقتل مسلم بكافر»، لا يقتل مسلم بكافر أي جميع أنواع القتل، يعم جميع أنواع القتل والمسلم والكافر، فهذا عموم لجنس الأعيان. قال: إذا تبين هذا، فالمخالفة المطلقة لا تحصل المخالفة في شيء ما إذا كانت الموافقة قد حصلت في أكثر منهم، وإنما تحصل المخالفة في جميع الأشياء في غالبها، إذ المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة، أنه ما تكون هناك مخالفة مطلقة وموافقة مطلقة، لا إما أن تكون مخالفة مطلقة في كل شيء أو موافقة مطلقة في كل شيء، فلا يجتمعان، بل الحكم للغالب، إن كانت الموافقة أكثر كان معنا مشاركته أكثر وموافقته أكثر، وإن كانت المخالفة أكثر فتكون مخالفته أكثر، فلهذا «فخالفوهم» عموم، وأيضًا لفظ مطلق يعم المخالفة مطلقًا. قالوا: هذا تحقيق جيد، لكنه مبني على مقدمة، وهو أن المفهوم من لفظ المخالفة عند الإطلاق يعم المخالفة في عامة الأمور الظاهرة، فإن خفي هذا في هذا الموضع المعين فخذ الوجه الثاني، وهو العموم المعنوي، وهو أن المخالفة مشتقة، فإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة كما تقدم تقريره، وذلك ثابت في كل فرد من أفراد المخالفة، أن كل فرد مثلًا الصبغ مخالف فهو يعتبر من أفراد المخالف، فهو ثابت أيضًا فيه أنه مخالف، فيكون العموم ثابتًا من جهة المعنى المعقول، وبهذين الطريقين يتقرر العموم في قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ وغير ذلك من الأفعال، معنى أهل الأبصار وأهل العقول يعتبرون بما جاءهم من عند الله ومن عند رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: وإن كان أكثر الناس إنما يفزعون إلى الطريق الثاني، وقل منهم من يتفطن للطريق الأول، وهو أبلغ إذا صح. ثم ذكر أوجه كثيرة في تبيين هذا الأمر، وفي آخره قال: وبالجملة، فالكفر بمنزلة مرض القلب وأشد، ومتى كان القلب مريضًا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره، وإن خفي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، حتى ولو لم تعرف المرض، لكن إذا عرفت أن هذا مريض القلب فانتبه لذلك ولا تشابهه. قال: ولعمر أن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء، وأنزعه من يشاء، أنه في الدنيا، ولكن ملك هو غاية صلاح من أطاعه من العباد في معاشهم ومعادهم. وحقيقة الأمر أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم منفعة بها، ولأن الشرع إنما جاء أو حرم الشرع ما مضرته خالصة أو غالبة. قال: ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام لاستحق بذلك ثواب الآخرة، ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم وأم كل خير، كما يحب ربنا ويرضى. قال: فقد تبين أن نفس معنى يريد أن يبين أن الكافر لا منفعة في أعماله، بل حتى لا منفعة له في أعماله التي اختص بها والتي نهى عنها الشرع، فلماذا يقلد مثل هذا أو يتبع مثل هذا؟ قال: فقد تبين أن نفس موضوعه مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، هذا هو المقصود من كلامي رحمه الله، يريد أن يبين أن مخالفة أهل الكتاب هو مقصود في شرع، معنى مقصود بالعموم على أنه يخالف كل ما اختصوا به. قالوا: لهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون أمر الصبغ بعلة المخالفة، أنه يقول: إنه خلاف أهل الكتاب. قال حنبل: سمعت أبي عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، الشيب معنى الشعر الأبيض الذي يظهر في الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا اليهود والنصارى، فإنهم لا يصبغون» أو قال: «اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»، فلهذا قال إمام أحمد: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، ولا يتشبه بالكتاب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «غيروا الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب»، وهذا حديث لا بأس به أو حديث صحيح، وجاء من عدة أو عن عدة من الصحابة. وقال: وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، قال ترمذي: حديث حسن وصحيح. وقد رواه أيضًا من حديث محمد بن كناسة، محمد بن كناسة هو محمد بن عبد الله الأسدي، وهو صدوق، عن هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عثمان أخو هشام، عن نبيه، عن الزبير، عن النبي عليه الصلاة والسلام: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، وهذا سند صحيح. قال: ورواها أيضًا من حديث عروة، عن عبد الله بن عمر، لكن قال: مناكير كلاهما ليس بمحفوظ، لكن الحديث أصله محفوظ، تقدم من حديث أيضًا من حديث أبي هريرة، وكذلك جابر بن عبد الله وجابر. قال: وقال دار قطني: المشهور عن عروة مرسلة، أنه معلول بالإرسال، أي أنه عن عروة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: هذا اللفظ يدل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم، فإنه إذا نهي عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهي عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا التشبه يكون محرمًا، بخلاف الأول، معنى هذا الصبغ ليس محرمًا، لكن التشبه وإنشاء التشبه بالمشركين أو باليهود والنصارى يعتبر محرمًا، وهذا تحقيق عظيم من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: وأيضًا ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، نكون في درس لاحق. «أحفوا الشوارب».