الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التقى عمر بن عبسة بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة وأسلم سرا، حيث سأل النبي عن نفسه ودينه. نصح النبي عمر بن عبسة بالرجوع إلى أهله حتى يظهر الإسلام.
بعد هجرة النبي إلى المدينة، عاد عمر بن عبسة وسأل النبي عن أحكام الصلاة. ورد النبي على أسئلته وأرشده إلى بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة.
نهى النبي عن الصلاة في أوقات معينة مثل طلوع الشمس وغروبها، معللاً ذلك بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان. كان هذا لمنع مشابهة الكفار الذين يسجدون للشمس في تلك الأوقات.
كان الكنعانيون يستخدمون السحر، وقد بعث الله نبيه إبراهيم إليهم لدعوتهم إلى الحنيفية وإخلاص الدين لله. كان الكنعانيون من القبائل السامية القديمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وعن أبي أمامة صدَي بن عجلان، صحابي الجليل، سكن الشام وتوفي بها، وعمر بن عبسة أيضا صحابي قديم، أبو النجيح، أسلم قديما بمكة ثم رجع إلى بلاده، ثم هاجر إلى المدينة قبل فتح مكة، وهو أيضا من نزلاء الشام، نزل بحمص. قال رضي الله عنه: كنت أنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة، فإنهم ليسوا على شيء، معنى استنكر عبادة الأصنام وهم يعبدون الأوثان. قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، وهو سلمي، السلمي بني سليم، هم قرب المدينة من القبائل التي في الحجاز. فسمع أن النبي عليه الصلاة والسلام نزل يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي، قعدت عليها وصعدت، وسرت إلى مكة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستخفيا، جراء عليه قومه أن يتجرؤوا عليه بالعذاب. قال: فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام قدم صلة الأرحام، لأن أولئك قريش ينشرون في الناس أنه قطع أرحامه، وأنه قطع ما بينهم وبينه من النسب، وهذا كذب، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقاطع أهله، حتى قال لهم: يا بني عبد المناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا. ثم عم وخص، ثم قال في آخر كلامه عليه الصلاة والسلام: إنما لكم رحم سأبلها ببلالها، سأصلها، فهو لم يقطع رحمه عليه الصلاة والسلام، فهم ينشرون أنه يريد أن يقطع الأرحام، وكانوا ينشرون أيضا أنه ساحر يفرق بين الرجل وزوجته وبين الولد وأبيه. فلهذا قدم الصلة، فقال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا. قال: فقلت له: من معك على هذا؟ أي على هذا الدين؟ قال: حر وعبد. ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، أنا وهل معه هؤلاء فقط؟ ممكن أن يكون المراد أنه معه حر وعبد، أي هناك أحرار وعبيد، لأن بلالا لم يسلم بعد أبي بكر، بل هناك من أسلم على الصحيح من هو قبل بلال، ومنهم طلحة بن عبيد الله، وهو ابن عمي أبي بكر الصديق، كذلك سعد، وكذلك أيضا عبد الرحمن بن عوف، هؤلاء أسلموا قديما بعد إسلام أبي بكر رضي الله عنه، لما دعاهم أبو بكر وكانوا جلساءه فأسلموا، وصاروا خيرة الناس. وكذلك أسلم من بيت النبي عليه الصلاة والسلام علي رضي الله عنه، وإن كان صغيرا، وكذلك مولاه زيد بن حارثة، وكذلك بعض النساء كزوجته خديجة رضي الله عنها. قال: فقلت: وإني متبعك. قال عمر بن عبسة: إني متبع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني. قال: فذهبت إلى أهلي، وهذا إشفاق من النبي عليه الصلاة والسلام عليه، لأنه لو أظهر إسلامه في ذلك الوقت لم يحتمل العذاب، لأن العذاب كثير، وأيضا رجل غريب، فما سيصبر على أذى الناس ولا أذى قومه. ولهذا قال له: اذهب إلى أهلك، كن فيهم، حتى إذا سمعت بي أني قد ظهرت فارجع إلي. كذا قال، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهلي من يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ قالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة. قال: فقلت: يا نبي الله، أخبرني ما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة. قال: صلي صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، قيد رمح، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، صلاة الظهر، معنى إذا استقل، إذا وقف الظل، معنى أنه دخل الاستواء، فيوقف عن الصلاة، النفل المطلق، يجوز في هذا الوقت أن الإنسان يصلي، ولو صلى منذ أن تطلع الشمس أو ترتفع الشمس إلى أن يقف الظل. وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، كان الإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله يصلي ثلاثمائة ركعة، ويصليها في ذلك الوقت، أو أكثرها يصليها في ذلك الوقت. قال: ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلي، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. الآن وجه شاهد من هذا الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم: يسجد لها الكفار في وقت سجد الكفار، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يسجد أهل الإيمان. قال: فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، معللا بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار. ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى. وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها. إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت، حسما لماذا؟ للمشابهة بكل طريق. ويظهر بعض فائدة ذلك بأن من الصابئة المشركين اليوم ممن يظهر الإسلام ويعظم الكواكب، ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه، ويسجد لها وينحر ويذبح. هذا وجد في أناس من التتر، أنه كانوا يدعون أنهم على الإسلام، لكنهم كانوا يعبدون الكواكب. قالوا: قد صنف بعض المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والبراهمة كتبا في عبادة الكواكب، توسلا بذلك زعموا إلى مقاصد دنيوية من الرئاسة وغيرها. وهي من السحر الذي كان عليه الكنعانيون الذين ملكوهم، معنا ألف بعض من أهل الفلسفة من ينتسب للإسلام بعض الكتب لهؤلاء الصابئة، وهو معنا الرازي، فخر الدين الرازي، لكنه يقال أنه تاب من هذا ورجع. قال: وهي من السحر الذي كان عليه الكنعانيون، الكنعانيون هم قبائل سامية من القبائل القديمة التي سكنت الأرض، وهم في زمن إبراهيم، وبعث نبي الله إبراهيم إليهم، الذين ملكهم النمارد، الذين بعث الله الخليل صلوات الله وسلام عليه بالحنفية وإخلاص الدين كله لله إلى هؤلاء المشركين.