الدرس في كتاب الزكاة 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تجب زكاة الفطر على كل مسلم يملك قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، ولا يشترط فيها الغنى. يجب إخراجها قبل صلاة العيد.
يجب إخراج زكاة الفطر عن النفس وعن من يمونهم الشخص، حتى عن غير المكلف إذا عجز عن إخراجها بنفسه. يُخرجها من ينفق عليه مع ترتيب الأولويات.
تجوز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين، ويجب إخراجها قبل صلاة العيد. هناك آراء مختلفة حول هذه المسائل بين المذاهب الفقهية.
الصدقة قبل الصلاة تقبل كزكاة، بينما الصدقة بعد الصلاة تعتبر صدقة عادية ولا تقبل كزكاة، استنادًا إلى الأدلة الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، في زكاة العروض لم نذكر حكم زكاة العروض، ومعلوم أن العلماء أهل المذاهب الأربعة كلهم يقولون بالزكاة. ولأن الأدلة التي استدلوا بها ليست صريحة، فلهذا حصل الخلاف في هذه المسألة. فمن الأدلة قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. فقال: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم»، وهذه ليست صراحة فيها زكاة العروض؛ لأن هنا «أنفقوا مما كسبتم» أي كل ما كسبته تخرجه، كل ما كسبته تنفق منه، وليس المراد أنها إذا عرضته للتجارة. فليس فيه العرض. وأيضا كذلك استدلوا بحديث جاء عند الترمذي وغيره: «في البز زكاة البز والثياب التي تعرض وتباع»، لكن الحديث فيه ضعف. واستدلوا بأن هذا هو تعامل الناس، وأموال الناس أيضا التي تعرض وتباع. وإلا من ناحية الأدلة، ليس هناك دليل صريح في هذه المسألة. لكن قد حكي الإجماع على هذه المسألة قبل الظاهرية، أنه لم يأت هناك من يخالف في هذه المسألة إلا شيء عن عطاء، لكنه أيضا ليس صريحا. فلهذا الاعتماد على عمل الناس وكلام العلماء قبل الظاهرية، فهذا الاعتماد عليه. وإلا من ناحية الأدلة، ليس هناك أدلة صريحة لمسألة وجوب زكاة العروض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب زكاة الفطر». قال: «تجب على كل مسلم فضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية». الآن زكاة الفطر سميت زكاة الفطر؛ لأنها تجب لأجل الفطر؛ لأنها تجب لأجل الفطر، فطر الناس من الصيام، صيام رمضان، فسميت زكاة فطر. قال: «تجب على كل مسلم فضل له يوم العيد وليلته»، وهذا تجب على كل مسلم، سواء كان صغيرا أو كبيرا، سواء كان ذكرا أو أنثى، سواء كان حرا أو عبدا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، حديث عبد الله بن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، وصاعا من زبيب، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين». فدل على أنه يجب على كل مسلم، سواء كان صغيرا أو كبيرا، أو عبدا حرا، أو ذكرا أو أنثى، فكلهم يجب عليهم زكاة الفطر. وهذا يدل على أنه ولو لم يكن غنيا؛ لأنه ذكر العبد، والعبد ليس له مال، ولهذا يخرج زكاته سيده. وما جاء في الحديث الآخر: «ليس على العبد زكاة، ليس على العبد زكاة إلا زكاة الفطر»، إنه تخرج عنه، يخرجها عنه سيده. فلهذا قال العلماء: أنها لا يشترط فيها الغنى، لا يشترط فيها الغنى. وقدر أكثر العلماء وجوبها على من ملك قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته. من ملك قوته وقوت عياله يوم العيد، ففضل من ذلك، فهذا الفاضل يخرجه زكاة. فما فضل من قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته يخرجه، فيخرجه للزكاة. قال: «وحوائجه الأصلية»، أيضا حوائجه الأصلية من الملبس والمأكل، وكذلك المسكن. فإن كان مثلا ليس عنده ثياب للعيد، وعنده مال يشتري به طعاما، فيقدم أولا ثياب العيد، يشتري ثيابا للعيد، ثم يشتري طعاما للزكاة. ما بقي يشتري به طعاما للزكاة. وهكذا، فإذا فضل معه شيء، زاد شيئا من الطعام، فليبدأ بنفسه ثم بزوجته وأولاده وهكذا. قال: «ولا يمنعها الدين إلا بطلبه». معنى لا يمنع زكاة الفطر من كان عنده دين إلا أن يطالب بهذا الدين. معنى جاء وقت السداد، إذا جاء وقت السداد وقت السداد الدين، فهنا يجب عليه أن يسد الدين، ولو كان هذا المال إذا صرفه في الدين، معنى ذهب عليه المال ولم يستطع أن يزكي، فلا زكاة عليه. فقال: «ولا يمنعها الدين إلا بطلبه». وأما إذا لم يطالب بالدين أو لم يحل الأجل، فإنه يخرج زكاته على هذا الشرط الذي ذكر. قال: «فيخرج عن نفسه وأهل بيته». كما جاء في حديث أبي أيوب وغيره: «يخرج الرجل زكاته عن نفسه وعن من يمونه». وهو مختلف في هذه الزيادة عنه في صحتها. «وعن من يمونه» أي من يقوم عليه أو يصرف عليه أو ينفق عليه. فيخرجها عن نفسه وعن من ينفق عليه، عن تحت نفقته، من كان تحت نفقته أيضا يجب عليه أن يخرج زكاته عنه. قال: «تجب على كل مسلم فضل له»، أو قال: «فيخرج عن نفسه ومسلم يمونه ولو شهر رمضان». هنا «ولو شهر رمضان» المراد أنه ولو أنفق عليه في شهر رمضان. أنه إذا كان إنسان مثلا تبرع وتصدق على إنسان، وقال له: هذا الشهر أنت نفقتك عليه، كل طعامك الذي تشتريه من الدكان هذا عليه. فهنا أيضا يخرج زكاته زكاة رمضان؛ إذا كان قد تكفل به في رمضان أيضا يخرج زكاة الفطر. لكن هل هذا الأمر واجب؟ هل هو واجب أن يخرجه عن من ينفق عليه من أولاده؟ نعم، واجب إذا عجزوا على الصحيح. وهذا أيضا رواية عن أحمد، اختار شيخ الإسلام أنه إن عجز واجب. وإلا فالأصل أن زكاة الفطر على كل واحد من ماله. الأصل أنها يخرجها من ماله، المرأة تخرجها من مالها، والولد يخرجها من ماله إن كان له مال، وهكذا العبد. لكن العبد غالبا ليس له مال، لكن لو أعطاه سيده مالا ملكه إياه، وإن كان يعود إلى سيده، لكن أعطاه التصرف في هذا المال، فيخرج من هذا المال. وهكذا كل من كان له مال يخرج من ماله. هذا الأصل، لكن إذا كان لا يخرج من ماله أو أنه عجز عن ذلك، فيخرجه من ينفق عليه، يخرجه من ينفق عليه. قال: «فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته فرقيقه فأمه فأبيه فولده فأقرب في ميراث». هذا مسألة الترتيب مختلف فيها بعد الاتفاق على أنه يبدأ بنفسه. مسألة البدء بالنفس هذا متفق عليه، لكن مسألة من بعد، أنا مثلا الآن عنده زكاتان، فمن يبدأ أولا؟ يبدأ بزكاته لنفسه، ثم الزكاة الأخرى. من يعطيها؟ هل يعطيها أو هل يخرجها على أهله أو يخرجها على أولاده أو يخرجها على أمه أو على أبيه؟ فذكر هنا أولا أنه يخرجها عن زوجته؛ لأن تعلق نفقة الزوجة بالزوج أكثر من تعلق غيره بها. نفقة الزوجة لا تنفق عن الزوج ولو كانت معها أموال. لو كانت المرأة معها أموال، فيجب على الزوج أيضا أن ينفق عليها. أنا لا يقول مثلا: خلاص هذه معها أموال تنفق على نفسها، مثل ما يفعل بعض الناس مع نسائهم في دول الكفر. وكذا غالبا أنا تجد أن المرأة تنفق على نفسها، والرجل ينفق على نفسه، فهذا لا، إنما يجب على الرجل ينفق على امرأته ولو عندها مال، ولو كان عندها مال، فإنه ينفق عليها. أنا لا يقول لها: خلاص هذا المال تصرف فيه، لا. إن لم ترضى أنها تنفق من مالها، إذا كان مثلا عندها تبرعت أنها تنفق على نفسها لا بأس، لكن ليس إلزاما عليها، وإنما الإلزام على زوجها أن ينفق عليها. وكما قال الله عز وجل: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾. فلهذا ينفق على نفسه أولا. إن زادت زكاة فطر، أن زاد صاع معه يجعله على نفسه. زاد صاعين، معنى يجعل صاعا له وصاعا لزوجته. زاد ثلاثة، يجعل الثالث لأمه. وزاد أربعة، يجعله لأبيه. وهكذا يجعله لرقيقه، رقيقه معنى عبده. وهكذا لولده وأقرب في الميراث. قال: «والعبد بين شركاء عليهم صاع». أنه إذا كان عبد مشترك بين عدة أشخاص أو أمة، فإنه يكون عليها صاع أو عليهم صاع، كلهم يشتركون فيه. قال: «ويستحب عن الجنين ولا تجب لناشز». يستحب عن الجنين، الجنين الذي في بطن أمه، لا تجب عليه الزكاة باتفاق العلماء، لكن جاء عن عثمان رضي الله عنه أنه أوصى على إخراج زكاة الجنين. وأخذ بذلك الإمام أحمد على أنه من باب الاستحباب. أخذ بذلك الإمام أحمد من باب الاستحباب أنه يخرج على الجنين. وإلا الأصل أنها لا تجب إلا على من على الحي إذا خرج. إذا ولدت المرأة في آخر ساعة من رمضان، فإنه يجب أن يخرج على هذا الصبي. إذا ولدت بعد أن انتهى رمضان، ولدت في العيد، ليلة العيد، أذن المغرب، دخل وقت المغرب، ثم ولدت بعد ذلك، فهنا ليس عليه زكاة، لا تجب عليه زكاة الفطر؛ لأنه لم يحضر شيء من رمضان. قال: «ولا تجب لناشز». الناشز هي المرأة التي خرجت بغير إذن زوجها، أو أنها خرجت عن الطاعة، قد تكون في بيته لكن رفضت أن تطيعه، يأمرها فترفض ولا تطيعه، هذه يسمى ناشز. وعند جمهور العلماء خلاف الظاهرية: أن الناشز لا تجب عليها النفقة. أن الناشز لا تجب عليها نفقة، فإذا كان لا تجب عليها نفقة، فمعنى ذلك أنها لا تجب عليها زكاة الفطر، أو لا تجب على وليها أو أقصد زوجها أن يخرج عنها زكاة الفطر؛ لأن النفقة لا تجب. وهذا كما قلنا قول جماهير العلماء خلافا للظاهرية. الظاهرية عندهم أن الناشز ينفق عليها، أن يجب على الزوج أن ينفق على الناشز. لكن الجمهور استدلوا بأن الله عز وجل علق أحكام النفقة بوطئ المرأة، كذلك علق مهرها، وكذا بوطئها، فدل على أن هناك اشتراك بين الوطئ والنفقة. فإذا رفضت المرأة أن يطأها الزوج، فمعنى ذلك أنه لا يجب عليه أن ينفق عليها؛ لأن النفقة هذا بالقوام والوطئ بالقوام والوطئ لهذه المرأة. ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾. قال: «ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت». من لزم غيره فطرته، فأخرج عن نفسه، أي هذا المرأة مثلا أخرجت عن نفسها، أو الولد أخرج عن نفسه، فلا تجب على أبيه. قال: «وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، فمن أسلم بعده أو ملك عبدا أو زوجة أو ولد له، لم تلزمه فطرته، وقبله تلزم». مع أن لو تزوج الإنسان بعد العيد في مغرب العيد، فهنا مع أن إذا عقد مثلا قالوا: نريد العقد في ليلة العيد، فهنا لا تجب عليه زكاة لهذه المرأة. لكن لو كان مثلا العقد في رمضان، قالوا: نعقد لهم في آخر يوم في رمضان، معنا مثلا تعقد، فهذا أيضا؛ لأن العقد يدخل في معنا إذا عقد على المرأة دخلت المرأة في حوزته، معنا يكون زوجها ويمتلكها، معنا يمتلك معنا نكاحها. فلهذا إذا حصل العقد في رمضان مثلا في آخر يوم من رمضان، يجب عليه أن يخرج زكاتها. وكذلك إذا ملك عبدا في آخر يوم رمضان. وإنما إذا ملكه بعد غروب الشمس، فإنه لا زكاته، أو ليس عليه أن يخرج زكاته. قال: «ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط». معنا لفعل عبد الله بن عمر. ورخصوا في يومين، الحنابلة والشافعية رخصوا في شهر رمضان كله. أنا عندهم يجوز أن يخرجها في أول رمضان؛ لأنه قالوا: أن هذه الزكاة فُرضت لشيئين، كما جاء في حديث ابن عباس: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». فهي شرعية لأمرين: طهرة للصائم من اللغو والرفث، والأمر الثاني طعمة للمساكين. فلهذا قالوا: ما دام قد جاءت العلة أو أحد العلل، فتجب بعد ذلك. يجوز أنه يخرجها مثلا هي معنى طهرة للصائم، فإذا صام الصائم صارت هذه الزكاة طهرة اللغو، فيجوز له أن يخرجها ولو من بداية رمضان. لكن الصحيح أنه يخرجها يوم العيد. لكن ترخص بعض العلماء أو بعض الصحابة قبل العيد. وإن كان الذي جاء عن عبدالله بن عمر ليس صريحا. ولهذا قال بعض العلماء: أنه لا يخرج إلا في وقتها، لا يخرجها إلا في وقتها. لكن الذي مشى عليه كثير من العلماء والمعمول به هو أنه لا بأس أنه يخرجها قبل العيد بيومين أو يوما. قالوا: يوم العيد قبل الصلاة أفضل. أنا إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة أفضل. فتخرج من هذا اليوم، وصاع هذا يخرج من غالب القوت، غالب قوت البلد الذي يقتاته الناس، يخرج منه زكاة. قالوا: «تكره في باقيه ويقضيها بعد يومه أيضا آثما». ويوم العيد قبل الصلاة أفضل، يعني إذا كان أخرجها يوم العيد. وتكره في باقيه، يعني إذا كان بعد الصلاة في باقي يوم العيد تكره. لكن إن أخرها عن يوم العيد، فإنه آثم وليست مقبولة. وهذا الكلام غير صحيح، بل القول «وتكره في باقيها» ليست صحيح ومخالف للعدالة. النبي عليه الصلاة قال: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». الذي يؤديها قبل الصلاة تعتبر زكاة، وأما إذا كان بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات لا تقبل. وهذا الذي دلت عليه الأدلة في هذه المسألة.