التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 8

التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 8

الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الصفات الحسنة في الرواة وقبول روايتهم

يُشترط في الرواة الصدق والأمانة والضبط، وقد أشار العلماء إلى أهمية هذه الصفات في قبول الرواية. بعض الرواة الثقات مثل سعد بن إبراهيم ونصر بن علي الجهضمي وعبد الله بن المبارك كانوا مثالاً لهذه الصفات.

الإسناد ودوره في حفظ الدين وتمييز الأحاديث الصحيحة

الإسناد ضروري لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، وبدونه يمكن للكذابين أن ينسبوا أحاديث كاذبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. بدون الإسناد يصعب التحقق من صحة الأحاديث.

بر الوالدين بعد الممات وانتفاعهما بالأعمال الصالحة

اختلف العلماء في وصول ثواب بعض الأعمال مثل الصلاة والصيام وقراءة القرآن إلى الميت، بينما اتفقوا على أن الصدقة والدعاء ينتفع بهما الميت. وردت أدلة في السنة النبوية على نفع الميت بالصدقة والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أن يسابور القشيري رحمه الله: حدثنا نصر بن علي الجهضمي. وهو إمامٌ حافظ، وكان من العلماء المتقنين، وهو أحد قضاة البصرة. ذكر الإمام النووي رحمه الله أن المستعين بالله بعث إليه ليشخصه للقضاء، فدعاه أمير البصرة لذلك، فقال: أرجع فأستخير الله. فرجع إلى بيته نصف النهار، فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك. فنام، فأنبهوه، فإذا هو ميت. وهذا يدل على إخلاصه وصدقه وخوفه من فتنة القضاء وهربه منه. لذلك سأل الله سبحانه وتعالى إن كان في قبضه خير، وفي موته خير أن يقبضه، فاستجاب الله سبحانه وتعالى له. قال: حدثنا الأصمعي، وهو عبد الملك، من قريب. والأصمعي عبد الملك من أئمة أهل النحو واللغة، ومن ثقات الرواة ومتقنيهم. قال النووي رحمه الله: كان جامعًا للغة والغريب والنحو والأخبار والملح والنوادر. قال الشافعي رحمه الله: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال رحمه الله أيضًا: ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. قال: وروينا عن الأصمعي قال: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، يعني من الشعر. وهذا يدل على قوة حافظته. وتلك الأبيات المشهورة التي تنسب إليه: «صوت صفير البلبل» في تلك القصة، هذه لا تصح عنه، فسندها ضعيف. قال: عن ابن أبي الزناد، وهو عبد الرحمن، عن أبيه، وهو أبو الزناد، واسمه عبد الله بن عبد الرحمن. وأبو الزناد له ثلاثة من الولد، كلهم يروي عنه: عبد الرحمن، والقاسم، وأبو القاسم. قال: أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمونون، ما يؤخذ عنهم الحديث. يقال: ليس من أهله. هذا الأثر يذكر فيه أبو الزناد رحمه الله أنه أدرك بالمدينة مئة، كلهم مأمونون، يعني موضع أمانة، وكذلك موضع صدق، لكن ما يؤخذ منهم الحديث، يقال: ليس من أهله، أي ليس من أهل الحديث، وليس ممن يؤخذ حديثه. والمقصود من ذلك هو شدة التحري في الرواية. فقد يكون الراوي موضع أمان واستقامة، قد يكون عابدًا صالحًا، لكنه في الحفظ ضعيف، ما عنده ضبط، ولا عنده إتقان، فهذا يترك العلماء حديثه، ولو كان من أهل الخير والصلاح، هذا ما يكفي في الرواية. لابد من كونه ثقة في ضبط روايته، وفي إتقان حفظه. وهذا من شدة تحري العلماء في الرواية عن الرواة حفظًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي، واللفظ له، قال: سمعت سفيان بن عيينة، قال: عن مسعر، وهو ابن كدام الهلالي، قال: سمعت سعد بن إبراهيم يقول: لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات. قال النووي رحمه الله: معناه لا يقبل إلا من الثقات، يعني ما يقبل الحديث إلا ممن كان ثقة، عنده ضبط وحفظ، وهكذا أيضًا السلامة في معتقده، فهذا يأخذ منه الحديث، وله أن يروي الحديث. قال: وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاد من أهل مرو، قال: سمعت عبدان بن عثمان، واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي، قال: سمعت عبد الله بن المبارك وهو الإمام. قال فيه الإمام النووي رحمه الله في ترجمته: هو السيد الجليل، جامع أنواع المحاسن، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم. سمع جماعات من التابعين، وروى عنه جماعات من كبار العلماء وشيوخه وأئمة عصره، كسفيان الثوري، وفضيل بن عياض، وآخرين. وقد أجمع العلماء على جلالته وإمامته وكبر محله وعلو مرتبته. قال: وروينا عن الحسن بن عيسى قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، ومحمد بن النظر، فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير. فقالوا: جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف، وقيام الليل والعبادة، والشدة في رأيه، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه. قال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام النار -يعني الفتن- والشجاعة والتجارة. وأيام الناس -ها- في نسخة ثانية، ونسخة هذه... هو قد يكون بمعنى متقارب. أيام الناس يعني ما حصل لهم أو ما حصل بين الناس من فتن وحروب ونحو ذلك. وأيام النار بمعنى الفتن، الفتن فيها إثارة الضغائن وإشعال النار وإثارة القتال ونحو ذلك. قال: والشجاعة والتجارة والسخاء والمحبة عند الفرق. فجمع خصال الخير الكثيرة، حتى قال فيه بعض أهل العلم: لم يفوقوا الصحابة إلا بشرف الصحبة. كان عالمًا عابدًا ورعًا تاجرًا مجاهدًا، كل أو كثير من خصال الخير كان له منها نصيب رحمه الله. وهذا لا شك أنه يدل على عظيم منزلته وفضله. دخل مرة في زمن هارون الرشيد، فاجتمع عليه الناس وتصاعد الغبار، فأشرفت إحدى نساء هارون من قصرها فرأت هذا الجمع، قالت: ما هذا؟ قالوا: هذا الإمام عبد الله بن المبارك، عالم أهل خراسان. قالت: هذا الملك الحقيقي، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يأتيه الناس إلا رغبة أو رهبة. ورحل إليه شخص إلى عبد الله بن المبارك في خراسان، ومر كما ذكر النووي رحمه الله مدينة عظيمة بخراسان، وترك أهله، ووجد في سفره أنواعًا من التعب والمشقة وخوف المهالك، فلم يلتفت إليه ابن المبارك لانشغاله بمن عنده. فقال أبياتًا من الشعر يذكر فيها حاله وما حصل له، ويطلب من الإمام المبارك أن ينتبه له وأن يتفرغ له، فقال: خلفت عرسي يوم السير باكية يبكي المبارك تبكيني برناتي خلفتها سحرًا في النوم لم أرها ففي فؤادي منها شبه كيات أهلي وعرسي وصبياني رفضتهم وجئت نحوك من تلك المفازات أخاف والله قطاع الطريق بها وما أمنت بها من لدغ حيات مستوفزات بها رقش مشوهة أخاف صولتها في كل ساعات اجلس لنا في كل يوم ساعة بكرة فإن خف ذاك وإلا في العشيات يا أهل مرو أعينونا بكفكم عنا وإلا رميناكم بأبيات لا تضجرون فإنا معشر صبر وليس نرجو سوى رب السماوات فانتبه له بعد ذلك الإمام المبارك رحمه الله. وهذه الأبيات ذكرها ابن حجر رحمه الله في تهذيب التهذيب في ترجمة الإمام المبارك رحمه الله. وهذا الإسناد كله رواته من خراسان. قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. نعم، هذا الدين نقل إلينا بإسناد. النبي عليه الصلاة والسلام أتى إلينا بهذا الدين عن الله جل وعلا بواسطة جبريل عليه السلام، وأخذه الصحابة من النبي عليه الصلاة والسلام، سمعوه منه، ونقله التابعون عن الصحابة، وأتباع التابعين عن التابعين، وهكذا ينقله جيل عن جيل حتى وصل إلينا هذا الدين، ووصلت إلينا هذه الأحاديث المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام بحفظ الله جل وعلا وبجهود هؤلاء العلماء الحفاظ الحفاظ الجهابذة الذين حرصوا على سلامة هذه الأحاديث بسلامة أسانيدها، والحرص على صحتها واتصالها وعدم انقطاعها. فوصلت هذه الثروة العظيمة من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهي متصلة الأسانيد برواة ثقات أو محتج بهم. فالإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، يعني لولا وجود الأسانيد والمحافظة عليها والحرص على سلامتها وصحتها وعدم انقطاعها، لقال من شاء ما شاء. يأتي الكذاب ويأتي الوضاع ويأتي الملحد والزنديق فينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث لم يقلها، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف نعرف أن هذا قاله أو لم يقله؟ لولا الإسناد، من حدث بحديث، قاله العلماء: هات إسنادك مما سمعته. ينظر في سند هذا الحديث، فيعرف صحته من ضعفه، ويعرف صدقه من كذبه. فكان بذلك حفظ الدين وحفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وقال محمد بن عبد الله: حدثني العباس بن أبي رزمة، قال: سمعت عبد الله يعني ابن المبارك يقول: بيننا وبين القوم القوائم. يعني الأسانيد. القوائم هي الأسانيد، بمعنى أنه جعل الإسناد بمنزلة الحيوان، فالحيوان الذي ليس له قوائم ما يستقيم، كذلك الحديث الذي ليس له إسناد فإنه لا يستقيم. قال: بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد. فمن جاء بحديث ينظر في إسناده، فإن كان صحيحًا قبل، وإن كان غير صحيح ترك حديثه. وقال محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، الحديث الذي جاء «إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك». قال: قال عبد الله: يا أبا إسحاق، عمّن هذا؟ قال: هذا من حديث شهاب بن خراش، قال: ثقة. عمّن؟ قال: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة. عمّن؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي. أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف. وقول «مفاوز» جمع مفازة، وهي الأرض في القفر البعيد عن العمارة، يعني ليس فيها بناء كالصحاري ونحوها، فهي بعيدة عن العمارة وعن الماء، ويخاف الهلاك فيها. وقيل: سميت مفازة للتفاؤل، قيل: للتفاؤل بسلامة سالكها، كما سموا اللديغ سليمًا. وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا؛ لأنها موضع هلاك. وقيل: لأنها تهلك صاحبها. يقال: فوز الرجل إذا هلك. ذكر هذه المعاني الإمام النووي رحمه الله. قال النووي رحمه الله: ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة. وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، وهو الآن يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اثنان: التابعي والصحابي. فلهذا قال: بينهما مفاوز، أي انقطاع كثير. فهذا الحديث فيه أن من البر -يعني بر الإنسان لوالديه- أن يصلي لهما مع صلاته، يعني يجعل لهما نصيبًا من الصلاة، ويصوم لهما مع صومه، فيجعل لهما نصيبًا من الصيام. لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقول ابن المبارك: «ولكن ليس في الصدقة اختلاف»، يعني اتفق العلماء على انتفاع الميت بالصدقة، وأن الوالدين ينتفعان بصدقة ابنهما عنهما. فهذا لا خلاف بين أهل العلم فيه. والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، تدل على وصول الصدقة وانتفاع الوالدين بها. وأما الصلاة والصيام، ففيها خلاف. بعض أهل العلم ذهب إلى أنه يصل ثوابها إلى الميت، وأن الميت ينتفع بذلك. وذهب آخرون من العلماء، وهو قول الجمهور من أهل العلم، وقول إمام الشافعي: أنه لا يصل ثوابها إلى الميت. نعم، الصلاة وهكذا الصيام، إلا إذا كان واجبًا عليه، يعني صيام في ذمته ومات ولم يصمه، سواء كان صوم نذر أو صوم فرض، فهنا يجوز أن يصام عنه، وينتفع بذلك، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». نعم، وكذلك الحج، الحج والعمرة يصل ثوابها إلى الميت، كما ثبت ذلك في الأحاديات. وفي ضمن الحج والعمرة الصلاة، يعني صلاة مثلًا صلاة الطواف، ركعتين الطواف، فإنه سيصليها لمن يعتمر عنه أو يحج عنه، وهنا يصل ثوابها إلى الميت تبعًا؛ لأنه سيصليها تبعًا للعمرة، فهنا يصح يصل ثوابها إلى الميت. والقاعدة الشرعية: أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. يعني لا يصلي عن الميت صلاة مستقلة، لكن إذا كانت تبعًا للعبادة -وهي العمرة- فإنها تصح. وهكذا أيضًا اختلف العلماء في وصول قراءة القرآن، هل يصل ثوابها إلى الميت؟ بعض العلماء قال: يصل. وقال آخرون: لا يصل، هو قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الأقرب للصواب؛ لأنه لم يكن من هدي السلف رحمهم الله أنهم يقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى الأموات. ما كان هذا من هديهم ولا من فعلهم. واستدل الإمام الشافعي رحمه الله على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». والعجب ممن ينتسب إلى الشافعية ويدعي أنه على مذهب الإمام الشافعي، وتجده -وهو في كثير من الأحوال وكثير من المجامع- يهدي ثواب القراءة -سواء كان على الأموات في حال القراءة على الميت أو بعد موته أو في بعض اجتماعاتهم- مع أن هذا القول: فيه الإمام الشافعي رحمه الله يقول: لا ينتفع الميت بذلك، ولا يصل ثوابه إلى الميت. طيب، وأما الصدقة والدعاء، فهو من أنفع ما ينتفع به الميت. الصدقة عنه، والدعاء له بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجة إلى آخر ذلك. هذا من أعظم ما ينتفع به الميت. طيب، الله هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.