الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 523، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث الصنابح ابن الأعسر الأحمسي، حيث يروي شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله سند الحديث وتصحيحه. ويبين أن الصنابح هو تابعي من قبيلة بجيلة اليمنية.
يفسر المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم "أنا فرطكم على الحوض" ويبين معناه، حيث يشير إلى أن النبي سيكون مقدمًا لأصحابه على الحوض يوم القيامة. كما يوضح معنى "الفرط" وهو المتقدم الذي يسبق غيره.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته من الاقتتال لأنه يؤدي إلى الكفر والنقص في الأمة، وأمرهم بالزواج من الودود الولود لزيادة عددهم وتكثيرهم أمام الأمم الأخرى يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: الصنابح ابن الأعسر الأحمسي رضي الله عنه، الصنابح اسمه هكذا الصنابح ابن الأعسر. وأما الصنابح فهو تابعي، وغلط بعض العلماء فسماه الصنابح، وإنما هو الصنابح ابن الأعسر، وهو من بجيلة، بجلي من قبيلة جرير بن عبد الله، وهي قبيلة يمنية، بجيلة وسكنوا الكوفة أيام الفتوحات، وكان من من أبلاه الله عز وجل بلاءً حسنًا في الفتوحات. قال: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وهو حافظ من حفاظ أهل الكوفة، قال: وهو شيخ مسلم، كذلك يروي عنه ابن ماجه ومسلم والترمذي، قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير، قاله محمد بن بشر، أي العبدي، حدثنا أبوه ومحمد بن بشر، قال: حدثنا إسماعيل. وهذا الإسناد إسناد كوفي من بدايته إلى نهايته، من شيخ ابن ماجه، وهو محمد بن عبد الله بن نمير، إلى الصنابح ابن الأعسر، إسناد كوفي. قال: حدثنا إسماعيل، من إسماعيل؟ هل يعرف إسماعيل هذا؟ ابن أبي خالد، ابن أبي خالد أنزل إسماعيل ابن أبي خالد في طبقة عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر العبدي، حولًا من حفاظ الكوفة. لكن هذا إسماعيل من أهل الكوفة، وإسماعيل ابن أبي خالد بصري، لكن هذا كوفي، هذا الذي قال فيه الإمام أحمد: يشرب العلم شربًا، أو قال: شرب العلم شربًا. هذا إسماعيل ابن أبي خالد، وهو أحمسي كذلك، كوفي، إسماعيل ابن أبي خالد كان حافظًا كبيرًا، حتى قال الإمام أحمد: إسماعيل ابن أبي خالد شرب العلم شربًا، كان يحفظ حفظًا قويا جدًا. قال: عن قيس، وهو ابن أبي حازم، وهو أيضًا أحمسي، وهو مخضرم، قيس من المخضرمين، من عاش في الإسلام ولم يسلم، حضر الجاهلية، المراد بالجاهلية قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، حضر الجاهلية وحضر الإسلام، لكنه لم يسلم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما أسلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيس حضر خطبة النبي عليه الصلاة والسلام، أو حضر خطبة أبي بكر الصديق لما تولى الخلافة. قال: معنا جاء والنبي عليه الصلاة والسلام قد توفي. قال: عن قيس بن أبي حازم، عن الصنابح الأحمسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني فرطكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم، فلا تقتلن بعدي». قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها. قال: وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن سعيد ووكيع، يحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح الرؤاسي، وكلاهما من الحفاظ الكبار، ممن حفظ الله عز وجل بهم هذا الدين لحفظهم، وكذلك أيضًا لدبهم عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيل ليحيى بن سعيد القطان: الجبل، كما قال الدارقطني، وصفه بأنه حافظ جبل. قيل له: كيف لو جئت يوم القيامة، هؤلاء الذين تتكلم فيهم خصماؤك؟ قال: لأن يأتي هؤلاء خصمان يوم القيامة أحب إلي من أن يأتي خصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لي: لما لم تدافع عني؟ وهذه حجة عظيمة أجاب بها على هؤلاء. قال: حدثنا يحيى بن سعيد ووكيع، قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، قال: حدثني قيس، عن الصنابح الأحمسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض، وإني مكاثر بكم الأمم، فلا تقتلن بعدي». قال وكيع في حديث الصنابح هذا: كلام وكيع. لكن كما قلنا: الصحيح هو الصنابح ابن الأعسر. قال: وحدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، محمد بن جعفر هو غندر، أبو عبد الله البغدادي، قال: حدثنا شعبة بن حجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت شعبة يقول: سمعت قيس بن أبي حازم، قال: سمعت الصنابح البجلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا فرطكم على الحوض، ومكاثر بكم الأمم». قال شعبة: أو قال: الناس، فلا تقتلن بعدي. قال: وحدثنا ابن نمير، كل هذا إسناد الإمام أحمد، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل، عن قيس، عن الصنابح الأحمسي، مثله. قال: هذا حديث صحيح، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها. ثم ذكر فائدة تلخيصًا لما قد ذكرنا قبل: أن الصحابي هو الصنابح بن الأعسر، وليس الصنابحي، وإنما في رواية وكيع، وكذلك ذكر رواية ابن المبارك، سموه الصنابحي. ونص أكثر العلماء، كابن المديني والبخاري وعقيل، على أنه الصنابح. قال: فهذا الحديث فيه ثلاث جمل، قوله صلى الله عليه وسلم: «إني فرطكم على الحوض»، أو «أنا فرطكم على الحوض»، فرطكم أي مقدمكم، الفرط هو المتقدم. فمثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الولد: من مات، أو قال في رواية في السنن أبي داود: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قالوا: الرقوب الذي لا ولد له. قال: «بل الذي لا فرط له». قال: بل الذي لا فرط له، أي لم يقدم، لم يمت أحد من أولاده وهو صغير، هذا فرط، هذا فرط يكون فرطًا لأنه يتقدم أبواه. قال: وما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذاك الرجل الذي حزن على ولده لما مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يسرك أن تأتي إلى باب من أبواب الجنة، فتجده يفتح لك هذا الباب؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «فإذا معنى أنه يتقدمك هو إلى الجنة، وهو الذي يفتح لك الأبواب». هذه نعمة عظيمة، معنى تأتي إلى بيتك في الجنة ومسكنك في الجنة، والذي يفتح لك هو ابنك هذا الذي فقدته، وهذا الذي مات وهو صغير، وهذا من فضل الله وكرمه على عباده. قال: «فرطكم على الحوض»، أي متقدمكم عليه الصلاة والسلام، متقدم هذه الأمة على الحوض، يأتي من يأتي من هذه الأمة، ويجد نبيه عليه الصلاة والسلام متقدمًا عليه، وهو جالس منتظر، أو هو منتظر لمن يأتيه حتى يسقيه من ذلك الحوض العظيم الذي من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدًا. قال: «وإني مكاثر بكم الأمم»، هذا أيضًا عبارة ثانية، وإني مكاثر بكم الأمم، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه يكاثر الأمم بهذه الأمة، وعطاه الله عز وجل ما سعد، فهذه الأمة هي ثلثي أهل الجنة. ولهذا جاء في حديث ابن عباس الذي في الصحيحين، لما قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي النبي وليس معه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد». قال: فرفع لي سواد عظيم، فظننته أنه أمتي، فقلت: هذه أمتي. فقيل لي: لا، هذا موسى وقومه. قال: ثم رأيت سوادًا عظيمًا في الأفق، قد سد الأفق، أنا سواد أكثر من قوم موسى. فقالوا: هذا، هذه أمتك. قال: فلهذا أكثر أهل الجنة هم هذه الأمة، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا ربه جل وعلا فأعطاه الثلث، ثم دعا فأعطاه النصف، نصف أهل الجنة، ثم أخبر في حديث بريدة أن أهل الجنة مئة وعشرون صفًا، ثمانون من هذه الأمة، ثمانون صفًا من هذه الأمة، فهذا ثلثا الجنة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». مكاثر بكم الأمم. قال: «فلا تقتلن بعدي»، أي لا يحصل بينكم الاقتتال، لأن الاقتتال يعتبر يخرج الرجل من فسحة الدين إلى ضيق الكفر، والعياذ بالله. قال: ولهذا قال نبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تقتلوا بعدي»، أو قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يقتل بعضكم رقاب بعض». كما في الصحيحين في حديث البراء، «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». فسماهم كفارًا، والمراد بالكفر هنا، وإن كان الكفر ليس المخرج من الملة، لكن هو وسيلة إلى ذلك، وسيلة إلى أن يخرج العبد من هذا الإسلام. قال: ولهذا قال نبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا، ضاق عليه الأمر». في حديث معاوية: «عسى الله عز وجل أن يغفر كل ذنب ما لم يكن شركًا، أو رجل يقتل رجلًا». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلهذا فالقتل عظيمة، ليس كفرًا، لكنه يؤدي إلى الكفر ويؤدي إلى الباطل. فلهذا قال: «فلا تقتلن بعدي»، لا يحصل الاقتتال بينكم، لأني مكاثر بكم الأمم، من ناحية أولًا أن هذا القتل قد يؤدي إلى الكفر، وكذلك أيضًا ما هو أعظم، أن ذهاب أهل الخير وأهل الإيمان فيه نقص للأمة، هؤلاء الذين يقتلون ويذهبون في مسألة القتال بين المسلمين، هؤلاء من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلو أنهم مثلًا بقوا، ستكثر أولادهم، ويتزوجون، أو أنهم قد تزوجوا، فيعددوا في الأولاد، ويعددوا مثلًا في الزوجات، لأجل الكثرة، بعجل الكثرة. فعني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة. وهذا كأنها وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وأنهم يجتهدون في المكاثرة، مكاثرة الأولاد. فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى.