الدرس في مباحث في البدعة 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الجهل هو أحد الأسباب الرئيسية لانتشار البدع في الدين، ورفع العلم يؤدي إلى ظهور الجهل. هذا يؤدي إلى فساد الأديان والأعراض والعقول.
الجهل بدين الله يؤدي إلى انتشار البدع، بينما العلم أساس للاتباع الصحيح. الفتاوى غير الشرعية تُفتى بغير علم وهوى، وتؤكد أهمية طلب العلم الشرعي وسؤال أهل العلم.
الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويليه الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من المباحث المهمة إخواني في الله ونحن نتحدث عن مسائل الابتداع والإحداث في دين الله، وقد أشرنا إلى أن هذا المبحث لما رأيناه في هذا الشهر بالذات من تكالب الناس على الإحداث في الدين، بابتداع الطاعات وعبادات وأقوال وأحوال وأعمال ما أنزل الله بها من سلطان. وأشرنا في دروس ماضية إلى عدة مباحث، وها نحن نأتي إلى هذا المقام إلى مبحث مهم، وهو: ما هي العوامل التي أدت إلى رواج البدع والإحداث في دين الله؟ فنحن في هذه البلاد، وفي غيرها من البلدان، نجد أن الناس تكالبوا وتواطئوا على الإحداث في الدين، في شدة ميادين الدين، في الصلاة، وفي الأذان، وفي الأذكار، وفي الجنائز، وفي المناسبات، وفي العزاء. فيترى: ما هي الأسباب التي أوْدت إلى هذا الحال؟ لا شك وريب إخواني في الله أن ذلك يعود إلى عدة أمور، وفي هذا المقام سنتطرق ببعض الإشارات إلى هذه الأسباب التي أوْدت إلى انتشار المحدثات. أولى هذه الأسباب: الجهل. الجهل، إخواني في الله، مرض خبيث وداء عضال، إذا نشأ عليه الفرد، وهكذا المجتمع، فإن ذلك إشارة إلى فساد دينه. بل الجهل بالدين في الحقيقة هو سبب كل داء حصل ويحدث في هذه الأمة. ولهذا أشار نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، إلى هذه المسألة العظيمة، من حديث أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يظهر الجهل، وأن يظهر الزنا، وأن تشرب الخمر». فأشار نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلى شيء من أمارات الساعة، وأول ما بدأ به عليه الصلاة والسلام: «أن يرفع العلم». يرفع العلم، طيب، برفع العلم، ما الذي يثمر؟ يثمر علينا ثلاثة أمور: ظهور الجهل، وظهور الزنا، وشرب الخمور. يا ترى، هذه الأمور الثلاثة كناية عن ماذا، ودلالات على ماذا؟ قال العلماء: فساد أو ظهور الجهل إشارة إلى فساد الأديان، وظهور الزنا إشارة إلى فساد الأعراض، وشرب الخمور إشارة إلى فساد العقول. ففساد الأديان، وفساد الأعراض، وفساد العقول، متى تظهر؟ تظهر بالأمارة الأولى، ألا وهي: أن يرفع العلم. فإذا رفع العلم، حينها ينزل على الناس هذا الفساد: فساد في أديانهم، فساد في أعراضهم، فساد في عقولهم. ومن هنا، إخواني في الله، إذا أراد المجتمع، أي مجتمع، أو أراد فرد من الأفراد أن يسلم له دينه، وأن يسلم له عرضه، وأن يسلم له عقله، فعليه بالعلم، عليه بالعلم. إذا بقي العلم، حينها يا عبد الله تبقى السلامة. الذي نريده الأمر الأول: إذا رفع العلم يظهر الجهل. قال العلماء: ظهور الجهل إشارة إلى فساد الأديان. برفع العلم يظهر الجهل، تظهر البدعة، تظهر المضلات، يظهر الإحداث في الدين. ولهذا، إخواني في الله، ما من أحد إلا ويعلم حالا مثل هذه البلاد، وغيرها من البلدان، كيف كان العلم قديما في قوة؟ أيام البدع والمحدثات، كيف أن العلم كان يخبأ، كان يختزل، كان يغيب. كان قديما العلم ليس متوفرا لأي أحد، لا العلم يعود إلى طبقات من الناس. قديما كانت، ولازالت في بعض الأفكار التي لا زال تسودها هذه العنصرية، يقولون بأن طبقات الناس: بدءا بالسادة، ثم المشايخ، ثم القبائل، ثم الخدام، ثم العبيد. هذا طبق لا زال بعض الناس يتعامل بها، ويعامل الناس على حسب منازلهم. طبعا هذا التعامل الجاهلي، تعامل جاهلي. فكان العلم قديما يقول: من الذي يحوز العلم؟ قالوا: العلم ما يحوز إلا الطبقة الأولى والثانية. أما الثالثة: القبائل، لا، لا، مهم، ليسوا للعلم، هؤلاء أعطوهم السلاح، هؤلاء للحروب والقتال، هذا للثارات والانتقامات، هذا مجالهم، ليسوا للقلم ولا للكراس. وأما الخدم والعبيد، هذا أن لهم للعلم، هذا محرم عليهم العلم، لا يقرؤون. ولهذا كان الجاهل مطبق، ومن هنا كانت البدعة تنتشر؛ لأن الناس لا يعرفون شيئا. كان الناس، عامة الناس، وهم من هذا الطبق، ممن يخدمون غيرهم، من عامة من الدهماء، ما كان همهم إلا أن يخدموا أسيادهم. أذكر فيما أذكر أن بعض مشايخنا يحكي هذا عن نفسه، أنه في أحد المحافظات يلقي محاضرة حول التوحيد وأهمية التوحيد، إذ برجل في مجلسه كان يبكي بكاءً شديدا، بكاءً شديدا، حتى أنه استرعى انتباه الحاضرين. فلما تم الانتهاء من المحاضرة، تم اللقاء بهذا الرجل المسن والذي كان يبكي، فسئل عن بكائه، فكان يعتذر للشيخ أنه ما تمالك نفسه لما سمع من مسائل التوحيد، إلا أنه أرجع البكاء إلى ما كان من ماضيه. قال: وما كان ماضيه؟ قال: كنت أخدم سيدي فلان ابن فلان، وكان هذا يقول لنا: ما هناك داعي لأن تصلوا أو أن تصوموا، يكفيكم شرفا أنكم تخدموننا، وأنكم بإذن الله بخدمتكم لنا سندخلكم بشفاعتنا، نحن آل بني فلان، لنا شفاعة، سنشفع لكل من خدمنا، فما هناك داعي تصلون، تصومون، لا، ابقوا عندنا، اخدمونا. قال: واخذنا على هذا ردحا من الزمن، لا صلاة ولا صيام، وإنما نخدم أسيادنا بحجة أنهم سيشفعون لنا. فلما كبرنا وتعلمنا التوحيد، صن أصبحنا نندم على ما مضى من أعمارنا. هكذا كان، وهذا رجل قد تداركته الهداية، أن هداه الله وعلم الخطأ من الصواب، فندم على ما مضى. لكن قل لي بربك: من هذا الذي يذكر غيره؟ من هذا الذي أخذ ردحا من الزمن وتحت أوامر هؤلاء السادة ممن يضحكون عليهم؟ لماذا يضحكون عليهم؟ لغياب العلم، ما كان هناك علم، تنزع منهم العلوم، تنزع منهم الكتب، ما يدرسون، ولا يقرأ لهم الكتب العلمية، وإنما على جهل مطبق. فكان من أسباب انتشار البدعة الجهل بدين الله جل وعلا. وقد مضى معنا إخواني في الله أن الذي يضاد الابتداع الاتباع، يضاده، لا تكن بدعية وإنما كن متبعة. والاتباع: اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في أقواله وأحواله وطاعاته وعباداته. هذا ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى علم، إلى علم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في ذلك من الرجل الذي كان يسيء في صلاته، صلى ثم دخل المجلس وأراد أن يجلس، فقال له نبينا: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، فأعاد الثانية، فأعاد الثالثة، إلى أن أتى، ونبينا لا يزيل عن قوله: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». حينها قال الرجل: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما أحسن إلا هذا، فعلمني العلم. فعلمني، طلب أن يعلمه، سيعلمه السنة، صلوات ربي والسلام عليه، ما كان من قوله وهديه وفعله وصلاته، وما كان من تأدية لأوامر ربه جل في علاه. فدل ذلكم على أن العلم به يقوم الاتباع، وعلى الجهل يقوم الابتداع، تقوم البدعة والإحداث في دين الله جل في علاه. وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى ما سيكون، ويقول إليه أمر الناس إذا قبض العلم، تار يكون قبض العلم بقبض أهله، بقبض العلماء الربانيين. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعوه من صدور الناس، ولكن ينتزع العلم بقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقي عالما أو يبقى عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». أن يتأمر على الناس أشباه العلماء، ليس العلماء، أشباه العلماء، هؤلاء الذين تقول إليهم الفتوى، فيسألون فيفتون، لكن بغير علم، بغير علم. ونحن قد ابتلينا بهذه الأزمان من تصدى للفتوى وهو ليس أهل للفتوى، وإن أفتى أفتى بغير علم، أفتى بهواه، أفتى بمشتهاه، أفتى بالبدعة. ذاك الذي يبيح الرقص والغناء في بيوت الله جل وعلا، وذاك الذي يبيح ما حرم الله جل وعلا بحجة أن هذا من دين الله. ولا زالت الفتاوى السريعة في هدم الشريعة نتلقاها من أمثال هؤلاء الأشباه من أشباه العلماء. وأخبر عليه الصلاة والسلام على أن الفرق الضالة ما ضلت عن سواء السبيل إلا لجهلها، كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: «سيخرج في آخر الزمان أقوام حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». هؤلاء الخوارج أول فرقة خرجت على هذه الأمة، سببها، صفتها: الجهل. قال عليه الصلاة والسلام: «حدثاء الأسنان»، كما قال الشراح: قالوا لأنهم شباب صغار، ما تمرسوا، وما عاشوا، ولا جربوا، «حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام»، ما هناك علم يحكمهم، ما هناك علم، وإنما الجهل والهوى هو الذي يدفعهم. كانت هذه الصفة البارزة في هذه الفرق الضالة. وقس على ذلك سائر الفرق، سائر الفرق من المعتزلة والجهمية والمرجئة، إنما كانوا زعماء والرؤساء ممن لم يكونوا على جانب عظيم من العلم، كانوا جهلا ينقصهم الشيء الكثير من العلم. لكن لما تصدروا الفتوى، أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. فكان، إخواني في الله، هذا الأمر من أعظم الأسباب، وهو فشو الجهل، سبب لانتشار البدع. ومن هنا، يا عبد الله، إذا أردنا السلامة من البدع، فعليك يا عبد الله أن تقبل على العلم، تقبل على العلم الشرعي، تعلم، تعلم يا عبد الله أمور الدين. إذا علمت أن الدين إنما يؤخذ من بابه عليه الصلاة والسلام، فتعلم من صلاته، تعلم من حجه، تعلم من صومه، تعلم من ذكره، تعلم من ورده، كيف فعل، كيف أدى، كيف قال، كيف قام صلى الله عليه وسلم؟ ما ستأتيك البدعة أن تأتيك البدعة وأنت تسأل عن هديه عليه الصلاة والسلام. وإن ضعفت عن العلم وعن طلب العلم، فلا أقل أن تسأل، تسأل من؟ تسأل أهل العلم. «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». لا شك أن الشيء الكثير يغيب علينا من العلوم، حين لا تبتكر ولا تشتهد ولا تبتدع، وإنما سل، سل من آتاه الله علما، وخاصة ممن رسخت أقدامهم في الدين. لا تسأل الأحداث الصغار ممن عليهم الشبهات وتدور عليهم الدوائر. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. الاستنباط مأخوذ من النبط، وهو الاستخراج، دل على أن المسائل الكبار، مسائل التحكيم والتشريع والحلال والحرام، ترجع لأهل الفتوى ممن علم بالرسوخ في العلم الشرعي. وأعظم ما يستدل به على الرسوخ: اتباع السنة، اتباع السنة. سل يا عبد الله من يدين الله بالسنة، ارجع، يوثقون بدينهم. ولهذا لما قيل لإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: أن الليث يقول: إذا رأيت الرجل يسير في الماء، لا تصدقوه حتى تروا اتباعه للسنة. فقال الشافعي رحمه الله تعالى، معلقا على عبارة الليث: قال: قصر، قصر الليث، رحمه الله. قال: إذا رأيتم الرجل يسير على الماء ويطير في الهوى، لا تصدقوه حتى تروا اتباعه للسنة. هكذا عدلها الشافعي رحمه الله. لا تغتر، لا تغتر يا عبد الله بما يسمى بكرامات أو خزعبلات أو ما يحدثونكم أن فلان ولي من أولياء الله فعل وترك، وأن هؤلاء قدوتنا. دعك من هذه الخزعبلات، كيف هو في السنة؟ إذا كان هذا الإمام إماما في السنة، تشهد له أقواله، أعماله، هذا الذي يتبع ويؤتسى، ويسأل عن أمور ديننا. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.