مباحث في البدعة 11

مباحث في البدعة 11

الدرس في مباحث في البدعة 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية العلم بالحديث النبوي لتمييز الصحيح من الضعيف

الجهل بالحديث النبوي يؤدي إلى انتشار البدع، وقد سارع السلف إلى تصنيف كتب في مصطلح الحديث لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة. الإمام الحاكم ألف كتابا في مصطلح الحديث لوقف انتشار البدع الناتجة عن الأحاديث الضعيفة.

تحذير من التساهل في قبول الأحاديث الضعيفة وخطورتها

التساهل في قبول الأحاديث الضعيفة يؤدي إلى انتشار البدع والضلال، وقد اعترف بعض أهل البدع بوضعهم لأحاديث توافق أهواءهم. هذا التحذير يأتي في سياق ذكر أمثلة على أحاديث ضعيفة تم تداولها في مسائل مختلفة.

عواقب الكذب على رسول الله والتحديث بغير علم

يتناول المقطع خطورة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في نشر البدع وتأثيرها على العقيدة والعبادات، ويحذر من الأخذ بالأحاديث دون التحقق من صحتها. التحدث عن رسول الله بغير علم أمر عظيم وجزاؤه شديد عند الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس سابق إخواني في الله، ونحن نتحدث عن مباحث في البدعة وما يتعلق بمسائلها وصورها، ها نحن نتحدث عن أسباب وقوعها ومما أدى إلى انتشارها. وكان مما ذكر في درس سابق أيضا وهو أمر الجهل، الجهل بالدين هو الذي أودى بالناس إلى الوقوع في البدع. وإن مما أذكره كذلك في هذا الباب، وهو من مضامين الجهل ومن مكامنه، وهو الذي الجهل فيه أدى إلى انتشار البدع بين الناس، الجهل في الحديث النبوي، الجهل في السنة النبوية، وخاصة في مسألة التمييز بين الصحيح والضعيف. إن الناس إخواني في الله، عندما لم يرفعوا رأسا بمعرفة ما صح عن رسول الله وما لم يصح، كان ذلك سببا في انتشار الأحاديث الضعيفة، والأحاديث الضعيفة مكن من مكامن البدعة. وتأمل يا عبد الله في الإمام الحاكم رحمه الله، عندما ألف كتابا في مصطلح الحديث، أسماه بعلوم الحديث، ذكر رحمه الله تعالى فائدة في مقدمة كتابه، قال فيها رحمه الله تعالى مبينا سبب التأليف، لماذا ألف في المصطلح؟ قال رحمه الله تعالى: «فإني لما رأيت البدعة في زماننا قد كثرت، ومعرفة الناس بالسنن قد قلت، قال: دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يجتمل على أنواع علوم الحديث». السؤال هو: المؤلف رحمه الله تعالى الحاكم، أقر بانتشار البدع في زمنه، فما الحل الذي به تكون الكفالة بإيقاف هذا السيل الجرار من البدع والمحدثات؟ سارع إلى ماذا؟ إلى تصنيف كتاب في المصطلح. هنا يأتي السؤال: قد يقول قائل، وما علاقة هذا بهذا؟ نتحدث عن بدع، ثم تؤلف كتابا في المصطلح، هل هناك علاقة؟ الجواب: نعم، هذا من فقه الإمام رحمه الله، لأن هذا الإمام ومن كان على منهج أهل السنة يعلم أن الذي أدى إلى انتشار البدع في المجتمعات وعند الأفراد هي انتشار الأحاديث الضعيفة. الأحاديث الضعيفة تحمل في طياتها أحكام، تحمل في طياتها عقائد، تحمل في بطونها أقوالا وأعمالا وتقاليد وآدابا وأذكارا. فالناس إذا أخذوا الحديث الضعيف، أخذوا بما فيه، فتنتشر البدع. ومن فقه السلف رحمه الله تعالى أنهم سارعوا إلى التمييز بين ما صح وما لم يصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا منذ العهد الأول، منذ عهد الصحابة. كما روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، في مقدمة صحيحه، أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان في مجلس، وإذا براوي، وهب شير العدوي رحمه الله، كان يحدث بأحاديث عن رسول الله، يقول فيها: قال رسول الله كذا وكذا. قال ابن عباس: «إن كنا مرة إذا سمعنا الرجل قال: رسول الله، ابتدرته أسماعنا وأبصارنا، هكذا كنا، لا تأتي وتخبرني بالذي ينبغي، أنا أعرف الذي ينبغي إجلالا لحديث رسول الله، لكنا نعم مرة هكذا كنا، إذا سمعنا رجلا قائلا، كائنا من كان، قال: فقط قال رسول الله، التفتنا إليه، ابتدرته أسماعنا وأبصارنا. قال: لكن لما ركب الناس الصعبة والذلول، فلا نأخذ إلا ممن نعرف، تغيرت الأحوال، ليس كما كنا من قبل، أصبح الناس يأخذون من هنا ومن هنا، حينها نتريث، نتريث إذا كان هذا في زمن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو يتريث في أخذ الأحاديث، فما يأخذ إلا ممن يعرفهم من الثقات العدول، فما نقول في زماننا، والذي دب فيه المجاهيل والكذب وأهل الوضع والكذب والافتراء؟ قال عبد الله بن المبارك: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». يعني: لولا الأسانيد، يأتي أحدهم يقول: قال رسول الله، كيف؟ قال: من أين جاء بهذا الحديث؟ أسند لي، قل لي: قال فلان عن فلان عن فلان، حتى أنظر فيها، أو لا أعرفهم، لما أعرفهم، فيهم من الضعفة أو من الثقات. قال الإمام شعبة بن الحجاج: «كل حديث ليس فيه أخبرنا ولا حدثنا، فهو خل وبقل»، أي: ما يساوي عندنا شيئا. ليس فيها تقول: هذا حديث، تقول: أشيء أفعل بهذا؟ لا آخذه لك، هذا اعتني بالإسناد، لأن العبرة عندهم ليس فقط أن نقول: هذا حديث عن رسول الله، قل: لا، صحة الحديث أولا، قبل كل شيء، أرني صحة الحديث، قبل أن تريني المتن. كان السلف رحمه الله تعالى يحذرون أيما تحذير من مسألة التساهل في أنك تأخذ الأحاديث من غير روية ومن غير التمييز. وهذا الذي كان يكون ويصير، صار وكان ولا يزال يكون، أن أهل البدع وأهل الأهواء، عندما وجدوا من العامة من يتلقف منهم أي شيء، إذن كان الفعل أن جاروا هذا الجهل العميم، فأصبح المبتدع يحدثون بأي شيء مما سمعوه أو حتى مما لم يسمعوه. هذا عبد الكريم بالأب العرجاء، ألقي القبض عليه، تهمته أنه كان يدس في الشريعة، أتدرون من الذي يدسه؟ يدس أحاديث، أحاديث. لما ألقي القبض عليه عند ولاة الأمر، اعترف بجريمته، قال: «لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، ليس واحدا ولا اثنين، يضع بالجملة، وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحللت فيها الحرام وحرمت فيها الحلال». عبث، كما قال ابن المبارك: «لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، لأصبح الكلام لكل من هب ودب، ويفتري على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام. قال عبد الله بن يزيد المقري رحمه الله تعالى: «إن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته، من الله عليه بالهداية والتوبة، رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث، عن من تأخذونه؟ إن كنا -أي لما كنت على علاقتي السابقة بالمبتدعة- يعترف بجريمته، قال: «إن كنا إذا رأينا رأيا صيرناه حديثا»، كان أمر عندنا هكذا، والله المستعان. فينبه بعد توبته، يحذر الناس: انتبهوا، عن من تأخذون حديثكم؟ لماذا؟ لأنه اعترف بأمر كانوا يفعلونه. قال: «كنا إذا هوينا رأيا، رأيا فقط، فكرة، بدعة طرأت على رؤوسنا، صيرناه وجعلنا هذه الفكرة حديثا، نقول: قال رسول الله كذا وكذا، ومشينا على خلق الله». فكان باعترافه يدلكم على أن أهل البدع كانوا يضعون الأحاديث التي توافق أهواءهم وآراءهم. ومثله ما جاء من قول حماد بن سلمة رحمه الله تعالى: «أخبرني شيخ من الرافضة، قال: إنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث»، يجتمعون على وضع الأحاديث، إذا اجتمع جماعة من مشايخ الرافضة، كان من اجتماعاتهم إخراج، تصدير أحاديث، أين مخرجوها؟ من عندهم، باسم من؟ باسم رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد الدجل والكذب الصراح الواضح البواح عند الرافضة، ما يدخلها عقل، حتى من أحاديثهم. قال: «علي خير البشر، من شك فيه فقد كفر»، هذا حديث موضوع، من أين جاء؟ من كيس الروافض. خرجوا وخرجوا للناس: «علي خير البشر، من شك فيه فقد كفر». حديث آخر قالوا: قال عليه الصلاة والسلام: «النظر إلى علي عبادة»، فقط تريد أن تؤجر، أجر عظيم، اجعل علي أمامك وانظر إليه، تؤجر، يحسب لك حسنات. هذا هوس، هذا دجل، هكذا دين الرافضة. وهكذا هم أهل الأهواء، كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث التي توافق آراءهم. وكان محمد بن قاسم، أطال الله بقاءه، كان مرجئيا، وكان يضع الأحاديث التي فيها الإرجاء. وهكذا أمثال كثير جدا، إخواني، لا تدلكم على هذا المسلك المشين، على أن أهل البدع فتحوا باب البدعة والضلال على الأمة بإدخال الأحاديث الضعيفة. وها هنا أمثلة أذكرها لكم، كنماذج، نماذج حية، لأحاديث موجودة، ولا زال الناس يتداولونها على أنها أحاديث، وهي ما صحت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه الأحاديث المكذوبة الضعيفة، حملت في بطونها عبادات، وفي الحقيقة بدعا ومحدثات. من ذلكم مثلا الأحاديث المروية في عاشوراء، في التزين والتكحل والنفقة على العيال. كما نرى يفعل هذا بعض المبتدعة، إذا دخل عاشوراء، الناس ينشغلون بصيام، وهذا يجعلون عاشوراء يوم عيد، يتجملون، يتغسلون، يتطيبون، يتكحلون، ينفقون على العيال، يوزعون الحلوى في المساجد وفي البيوت، تقام العزائم. هذا الباب، وهو هذه البدع التي أقيمت في عاشوراء، إنما جاءت من أين؟ من بعض الأحاديث الضعيفة، من: «وسع على عياله في عاشوراء، وسع الله عليه»، حديث مكذوب، ما صح، بل ما صح حديث قط في مسألة التزين والتخضب لعاشوراء. وكذلك قل في مسألة الطهارة، وما أدراك ما الطهارة؟ تجد جماعة من الناس إذا توضأوا، لربما وقعوا في أخطاء، بل قل: بالبدع في طهارتهم. ذاك منهم من لربما إذا توضأ فمسح على الرقبة، ولا زال بعضهم يمسح على الرقبة. ومنهم إذا جلست بجواره واستمعت إلى وضوئه، تجد أنه يتتمتم، يتتمتم بكلمات، وهذه كلمات عبارة عن أذكار، إذا غسل يده اليمنى دعا: «اللهم ناوني كتابي بيميني»، وإذا غسل يده اليسرى قال: «اللهم لا تناوني كتابي بشمالي»، وإذا غسل رجله اليمنى أتى بذكر، وهكذا أذكار، وهي بدع، أين جاءت؟ جاءت من أحاديث ضعيفة، ما صحت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا قس على هذا الباب، كحديث: «يا جابر، إن الله خلق السماوات -أو خلق الكون- من نور نبيك»، هذا ما يسميها المبتدعة بالحقيقة المحمدية، على أن هذه الأكوان إنما خلقت من نوره عليه الصلاة والسلام، هذه الحقيقة، وهذه العقيدة، من أين جئتم بها؟ من أحاديث ما صحت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا حديث يروى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن رسول الله قال: «قال الله: ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»، وهذا حديث باطل، وضعته الزنادقة، وهو المنشأ في وحدة الوجود، وأن الله يحل في خلقه، وأن الله يحل في البشر، هذه العقيدة الكفرية، من شاء من حديث الموضوع، وضعته الزنادقة، ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. حديث آخر: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور»، إذا أعيتكم الأمور، أصب بمصيبة، بمدل همة، بنكبة، أعياك أمر، لا لا تتعب نفسك، عليك بالله، لا عليك بأصحاب القبور. قال الزركشي رحمه الله: حديث موضوع، وضعته الزنادقة، وضعته الزنادقة، هذه زندقة. إذا كان الناس هكذا، إذا ما الفرق بيننا وبين الجاهلية؟ قريش إذا أعيتهم الأمور، ابتجووا إلى الأصنام والأنداد والأوثان، ونحن إذا أعيتنا الأمور ذهبنا إلى القبور، من قبر إلى قبر، من ضريح إلى ضريح، إذا ما الذي سيعرف ربه عز وجل؟ لا أحد، لا قديما ولا حديثا، الجاهلية هنا وجاهلية هنا، والعياذ بالله. وإنما هذه الأحاديث تأتي يا عبد الله من قبل الزنادقة، وكثيرة ما هي. وكذلك تعظيم رجب، وما أدراك ما شهر رجب؟ إذا جاء رجب، تجد من الناس من يعظم هذا الشهر أيما تعظيم، استدلاله من هذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي»، هذا حديث ضعيف، لا يصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن انظر إلى حال الناس في رجب، يقيمون البدع والتخصيص للعبادات والتخصيص لبعض الأعمال والأفعال. فشهد إخواني في الله أن الحديث في هذا الباب كثير، وكثيرة جدا، وتجد أن جل البدع، سواء كانت العقدية أو القولية أو الفعلية، سواء كان في العقائد أو الطاعات أو العبادات أو المعاملات، إنما وصلت إلينا تحت ظل الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة. وبهذا نخلص، إذا علمنا أن هذا من الأسباب التي أودت إلى انتشار البدع، كان ينبغي على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على انتخاب الأحاديث النبوية. وقبل أن تسمع أي حديث، فضلا أن تعمل به، اسأل يا عبد الله عن صحته، صح عن رسول الله أو لم يصح؟ إن صح على العين والرأس، اعمل به، أما يكن في ريب وفي شك، أو تجد أن صاحبك الذي يحدثك ما استطاع أن يخور جوابا، أو تنعثم، أو يقول: «الله ما أدري»، أو: «أنا أسمع يقول الله أخي، خذه لك، لا تشغلني»، لا تجعلني أتعبد الله بشيء ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وخاصة أن التحديث عن الرسول أمر عظيم، بل توعد نبينا قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». هذا الحديث جاء عن أكثر من سبعين صحابيا، دلالة على أن النبي دائما يكرر هذا الحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، تتبوأ أي: تضمن لك مقعدا في النار، إذا كنت على هذه الخصيصة الذميمة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكذب على رسول الله من كبائر الذنوب، ومنهم من ذهب إلى كفره، قال: «من تعمد، يعرف أن هذا ليس من قول رسول الله، ويفتري على رسول الله، هذا كافر»، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تكذبوا علي، فإن كذبا علي ليس ككذب على أحد». فرق، عندما تفتري على فلان وفلان، لكن تفتري على رسول الله، هو في الحقيقة افتراء على وحي السماء. ولهذا عظم جماعة من العلماء هذا المقام، وجعلوا أن الكذب على رسول الله يصل بصاحبه إلى حد الكفر. فكما ترى يا عبد الله، التحديث عن رسول الله بغير علم، وإنما بأحاديث ترى أنها ما صحت، أمرها عظيم، وجزاؤها شديد عند رب العالمين. وكان ينبغي على الإنسان المسلم إذا أراد أن يعمل بعمل ويتعبد الله بعبادة، عليه أن يختار ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.