الدرس في كتاب الصلاة 63، ألقاها
يتناول حكم قضاء الصلاة الفائتة بسبب النوم أو النسيان مستندًا إلى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، ويُثبت ذلك بالسنة والإجماع. يُذكر بعض الآراء الفقهية المختلفة حول قضاء الصلاة الفائتة.
اختلف العلماء في قضاء الفوائت على الفور أو التراخي، حيث ذهب بعضهم إلى وجوب القضاء على الفور وذهب آخرون إلى جواز التراخي. الأحوط هو القضاء على الفور لخروجاً من الخلاف.
اختلف العلماء في وجوب الترتيب في قضاء الصلوات الفائتة، حيث ذهب أحمد إلى وجوبه دائمًا وذهب آخرون إلى عدم وجوبه أو وجوبه في حالات معينة. الأقرب هو جواز تقديم بعض الصلوات على بعض مع أن مراعاة الترتيب أولى.
تُقدم الصلوات حسب ترتيبها الشرعي، حيث تُقدم صلاة الفجر على الظهر وهكذا. يُذكر الله بالتسبيح والاستغفار في هذا السياق.
والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»: قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»، وتلا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. كما ترون، هذا الحديث الذي هو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يخبر عن حكم من الأحكام الشرعية في مسائل الصلاة، وهذا الحكم هو: من نسي صلاة أو نام عنها، فما حكم صلاته؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «فليصليها إذا ذكرها». قال: ولمسلم، وفي الرواية الأخرى: قال: «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها». وهذا كما ترون واضح في حكم هذه المسألة، في حكم النائم عن الصلاة. وتحت هذا الحديث مسائل نذكر منها في هذا الدرس ما تيسر. أولى هذه المسائل: حكم قضاء الفائتة للنائم أو الناس، إذا ذكرها. عليهما قضاء ما فاتهما، كما ثبت ذلك بالسنة والإجماع. أما السنة، فحديث أنس الذي هو بين أيدينا، وجاء كذلك بمعناه عن غيره، ولكنه لا يثبت منها إلا حديث أنس. لكن جاءت معاني لهذا الحديث في وقائع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نام عن بعض الصلوات، وعن صلاة الفجر، فصلاها بعد أن طلعت الشمس، كما في حديث أبي هريرة، وفي حديث أبي قتادة، وفي حديث عمران بن حسين، وهي في الصحاح. وأما الإجماع، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، من أن من نام عن صلاة أو نسيها، فإنه يصليها إذا ذكرها. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن ابن عبد البر رحمه الله تعالى ذكر عن محمد بن الحسن أن النائم إذا فاتته في نوم أكثر من خمس صلوات، لا قضاء عليه. الحاقًا للنوم الطويل، إذا زاد على يوم وليلة. والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده. فالحاصل أن الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى يقول: بقول من تقدم من العلماء في أن من نام عن صلاة أو نسيها، فإنه يصليها. أما إذا كان أكثر من خمس صلوات، فيقول: لا يصليها. لماذا؟ يقول: لأن هذا ليس بنائم، وإنما حكمه حكم المغمى عليه. والمغمى عليه ما حكمه عنده؟ يقول: المغمى عليه لا صلاة عليه؛ لأنه حكمه حكم المجنون. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، ومنهم المجنون حتى يعقل. المسألة الثانية: هل تقضى الفوائت على الفور؟ بمعنى أن من نام عن عدة صلوات، فهل عليه أن يصليها على الفور، يعني مباشرة بعد أن يذكرها وبعد أن يستيقظ؟ أم أنه يقول: سأصليها في وقت آخر؟ العلماء في هذه المسألة مختلفون. فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يصليها على الفور وجوبًا، وهو كذلك قول أحمد. وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي، قال: كقضاء صيام رمضان. وأيضًا استدل الشافعي رحمه الله تعالى على قوله بما ثبت في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي قتادة، وحديث عمران بن حصين، في نوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن صلاة الفجر، ثم عندما استيقظ، خرج هو وأصحابه من الوادي، ثم صلوا الفجر. قال الشافعي: ولو كان واجبًا على الفور لصلى في الوقت. وهناك قول أيضًا سار في المسألة، وهو لأصحاب الشافعي، قالوا: إذا كان الفوات بغير عذر، ففي وجوب القضاء على الفور وجهان. واستدل أصحاب القول الأول القائلين بأن القضاء على الفور بحديث أنس: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها». قال الشوكاني: الأمر بفعلها عند الذكر يدل على وجوب مبادرة بها، فيكون حجة لمذهب من قال بوجوبه على الفور. لكن أصحاب الشافعي ينازعون في هذا، فيقولون: ليس معنى الحديث أن وقتها مضيق في ذلك الوقت، ولكن المراد أن وقتها بعد نسيانها، وقت أن يذكرها الإنسان. والأحوط في مثل هذا والله أعلم أن يصليها الإنسان فورًا؛ خروجا من الخلاف. فإن ما استدل به الشافعي رحمه الله تعالى فيه قوة، وكذلك ما استدل به أحمد وأبو حنيفة ومالك، كذلك فيه قوة. وإذا كان الأمر كذلك، فالأحوط في مثل هذا أن يأخذ الإنسان بما يحترز به لدينه، وهو أن يصليها إذا ذكرها فورًا؛ خروجا من الخلاف. ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «العمدة»: فإن كثرت عليه الفوائت، وجب عليه أن يقضيها بحيث لا يشق عليه في نفسه أو أهله أو ماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». قال: فإن خاف في بدنه ضعفًا أو مرضًا أو انقطاعًا عن معيشة أو تضرر أهله أو ضياع ماله بالمداومة على القضاء، فرق القضاء بحسب الطاقة. وهذه المسألة متصورة فيمن فاته كثير من الفوائت، مثلًا نام عن صلوات كثيرة، فذكرها في وقت، فقضى الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة وهكذا، بقي يقضي هذه الصلوات، فخشي على نفسه التضرر، إما ببدنه أو تضرر أهله بعدم قيامه بشؤونهم، أو خاف أن يذهب ماله إذا كان صاحب مال. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في مثل هذه الحالة لا بأس أن يجزئ الصلاة، فيصلي بعض الصلوات في وقت، وبعضها في وقت آخر؛ حتى يقضي ما فاته من الصلوات. المسألة الثالثة: هل الترتيب لقضاء الفوائت؟ ما حكم الترتيب لقضاء الفوائت؟ مثلًا رجل فاتته صلاة الظهر والعصر والمغرب، ذكرها في وقت العشاء، هل يجب عليه أن يصليها مرتبة: الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء؟ أم له أن يقدم بعض الصلوات على بعض؟ خلاف بين أهل العلم. فذهب أحمد إلى أن الترتيب شرط، قلت الفوائت أو كثرت. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الترتيب يجب فيها إن كانت خمس فما دون، ولا يجب فيما زاد. وذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه لا يجب الترتيب بحال. واستدل أصحاب القول الأول بأدلة، منها ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عند أحمد والنسائي، وفيه أنه قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا، فأقام الظهر فصلاها، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر وصلىها، فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك». قال: وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. لكن هذا الدليل ليس خالصًا من شوب اعتراض ومعارضة. فكأن الشافعية يقولون لمن قال بالوجوب: ما دليلكم على هذا؟ فإن قال: لا دليل، أو استدلل بالدليل وقد رد الاستدلال به، يقولون: إذن لا دليل. وما دام لا دليل، فلا مانع من صحة صلاة من صلىها بهذا الوصف. وهذا هو القول الأقرب في المسألة والله أعلم، وهو أن صلاة الفائتة لا بأس أن يقدم الإنسان بعضها على بعض، وأن مراعاة الترتيب هو الأولى. قد يقول قائل: من أين لكم أنه الأولى؟ الجواب: أن الأولوية مأخوذة من أصل الصلاة، من أن صلاة الفجر قبل صلاة الظهر، وصلاة الظهر قبل صلاة العصر، إلى غير ذلك. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.