شرح كتاب التوحيد 176

شرح كتاب التوحيد 176

الدرس في شرح كتاب التوحيد 176، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح الآية القرآنية حول الخوف من الله

يشرح المقطع الآية القرآنية التي تدل على وجوب الخوف من الله وعدم الخوف من أولياء الشيطان، ويبين معنى الآية ودلالتها. يُظهر حرص الشيطان على إخافة المؤمنين من أوليائه.

أمثلة على تخويف الشيطان للإنسان

يذكر المقطع أمثلة على كيفية إيصال الشيطان للضرر للناس، مثل إثارة الكوابيس وتخويف المؤمنين من أعداء الدين. يُبين أن الشيطان يلقي الخوف في قلوب المؤمنين من أتباعه.

الخوف من الله علامة الإيمان الحقيقي

الخوف من الله هو علامة الإيمان الحقيقي، وكلما قوي إيمان الإنسان بالله زاد خوفه من ربه، وضعف خوفه من أولياء الشيطان، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الآخرون.

ختام الخطبة والدعاء لله

يختم الخطيب كلامه بدعاء الله أن ينفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر تواضعه واعتماده على الله في قبول ما قاله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي أول آية يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب، وهو باب الخوف من الله. وذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى بدأ معنا في ذكر مكملات التوحيد بذكر مقام المحبة، وها هو يذكر لنا مقام الخوف. أشرنا في درس سابق، إخواني في الله، إلى ما يتعلق بأقسام الخوف ومعنى الخوف. وهنا استدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية القرآنية الدالة على مقام الخوف من الله، فقال سبحانه: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. والدلالة واضحة من الآية، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وخافوني﴾، فيه الأمر، ولهذا قال العلماء في هذه الآية: وجوب الخوف من الله. فالإنسان ينبغي أن يخاف من ربه سبحانه وتعالى، وأن يزرع في قلبه الفزع والوجل والخوف من رب العباد جل في علاه. هذه الآية، إخواني في الله، احتوت على مسائل مهمة نحب أن نشير إليها. زيادة على ما ذكر في هذه الآية، يخبر ربنا جل وعلا عن فعل الشيطان، وأن من أفعال الشيطان أنه يخوف أولياءه. اختلف المفسرون في معنى التخويف هنا: ﴿يخوف أولياءه﴾. لربما بعض القراء والناظر إلى هذه الآية يرى أن معنى الآية: يخوف أولياءه، أي أن الشيطان يخوف أولياءه، يخوف أتباعه. لكن الصحيح في معنى هذه الآية عكس هذا، وهذا الذي أشار إليه العلماء، كما ألمح إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، بأن هذا قول كثير وجماهير المفسرين على ماذا؟ على أن الآية معناها أن ذلكم الشيطان يخوفكم، يا أيها الناس، من أوليائه. هذا معنى الآية: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف الناس من أوليائه﴾. إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، أولياء مفعول ثاني، والمفعول الأول سيكون: إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياءه. هذا الذي عليه أكثر المفسرين، بدليل ختام الآية: ﴿فلا تخافوهم﴾. لماذا؟ صدرت الآية بالنفي لنزع ما عسى أن يكون في قلوبنا من الخوف اتجاههم. الشيطان يرعبنا، يخوفنا من أتباعه، من أوليائه. ومن أولياء الشيطان؟ كل مجرم، كل فاسد، كل كافر ومشرك وملحد، هم حزب الشيطان. حزب الشيطان هم هم أولياء الشيطان، من المجرمين ومن الكافرين والمشركين والملحدين، هؤلاء هم أولياءه، أتباعه وأصفياءه. فيقوم الشيطان فيخوفنا نحن أهل الإسلام، يخوفنا من أتباعه، فلا زال يقذف في قلوبنا الخوف منهم. فكان الرد: قال الله ﴿فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾، هذا هي معنى هذا المعنى الصحيح لهذه الآية كما حكاه الكثير من المفسرين. ومن هنا، إخواني في الله، نصل إلى عدة مسائل مستفادة من هذه الآية القرآنية. نستفيد من ذلك، لكم إخواني في الله، ما كان من حرص الشيطان على أذية الإنسان. الشيطان حريص، ليس الشيطان فقط مهمته تكمن أن يدفع بك إلى الغواية وإلى الضلال لكي تكون من أهل النار، إن كان هذا من أقوى أفعاله، لكن كذلك يقوم بأشياء أخرى. الأذية، إيصال الضرر، إيصال المرض، لربما وصل به الحال، أي الشيطان، إلى أن يجعل في أنفسنا الضيق والحرج. كما يفعله مثلا في مسألة المنامات، ينام الواحد منا فتنتابه الكوابيس المفزعة، يرى أن شيئا عظيما يجري خلفه أو حيوانا ينهش من لحمه، هذا من أين؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الحلم من الشيطان». هذا من وظائف يضر يضر العباد، يضر العباد بمثل هذه الأكوابيس المفزعة أو التخيلات. يأتي إلى واحد مننا وهو سارح الذهن وسارح الفكر، فلا زال يتودد إليه في أفكاره حتى يقول له: من خلق السماوات؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ إلى أن يقول له: من خلق الله؟ هذا من فعل من؟ من فعل الشيطان. تشكيك في عقيدتك، فيلقي في قلبك القلق والشك والريب. وهكذا صور كثيرة، ليس هذا المقام مقام ذكرها، لكن إشارة إلى عداوة الشيطان للإنسان. الفائدة الثانية التي تستفاد من هذه الآية: أن من أعمال الشيطان أن يقذف في قلوبنا الخوف من أتباعه وأنصاره، يجعلنا على وجل، على خوف، نخاف منهم، نخاف منهم، نخاف منهم. وهذا الخوف في كل مجالات، في المجالات العملية والمجالات العلمية. كالمجالات العملية مثلا في أيام القتال والجهاد والنضال ضد الكفار، فتجد أن الواحد إذا هم وإذا أراد أن يقاتل القتال الشرعي والجهاد الشرعي، لربما جاءه الخوف. كحال كثير من الناس، يرى أن أعداء الدين هؤلاء كيف قوة قوة جبارة، حتى أصبح يدار على الألسن بأنها القوة التي لا تغلب، لا تغلب أبدا، تغلب من؟ هذه قوة عظيمة، ما من حركة أنت تفعلها في بلدك إلا هم قد علموا بها، حتى الحركات في بلادك وأنت في غرفتك يعلمون بها. أصبح الشيطان يخوفون جدا أن هؤلاء قد حازوا الكون، وأنظارهم في كل مكان، وأفعالهم يشاد لها، ولا يغلبون ولا يهزمون، ومن دخل معهم فهو المنهزم دائما وأبدا. فلا زال الشيطان يغذي في قلوب أهل الإسلام الرعب والخوف، فكان الرد: قال الله ﴿فلا تخافوهم﴾، لا نعظمهم هذا التعظيم، هم أجبن من هذا، هم أضعف من هذا. فرق بين أهل الإسلام التي تعلقت قلوبهم بالله، فلا يرجون إلا الله والدار الآخرة، نرجو الشهادة، وهم لا يرجون الشهادة، بل هم قد انبطهوا على الدنيا، من ألصق الناس بالدنيا هم أعداء الدين، أولياء الشيطان، فلا يتجاسرون على القتال، بل هم في صفوف القتال عندهم من الخوف أعظم ما تجده، يا عبد الله، في قلبك. عندهم من الخوف أعظم ما يكون من قلبك، لأنك ترجو من الله ما لا يرجون، ما لا يرجون. وهكذا قل في باب التخويف الجانب العلمي، لربما من كان من أهل التوحيد، من كان على الصراط المستقيم، يخاف أن يجابه أعداء الدين من علمائهم ودعاتهم، من القسيسين والرهبان والأحبار، أو من أعوى علماء المشركين، يخاف، يقول: هؤلاء عندهم كتب، عندهم دراسات، عندهم حجج، فلا يزال يخاف منهم، وأنهم إذا تكلموا في أي مقام نصروا وظهروا. لا، يا عبد الله، لا تكبر من أمرهم، إنما الذي عندهم هو من وحي الشيطان، وأما أنت إنما تأخذ من وحي الرحمن، فشتان شتان. ولهذا قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «وإن العام الموحد يغلب ألفا من علماء المشركين». عام وموحد على التوحيد الصافي، بما آتاه الله جل وعلا من وضوح في العقيدة والوضوح في التوحيد، يغلب ألف من علماء المشركين. لا تهاب، لا تخاف، وإنما الذي في قلوبنا هو الخوف الشيطان زرعه في قلوبنا أن نرتجف ونخاف منهم في أي ميدان. لا، يا عبد الله، الجواب كما قال الله: ﴿فلا تخافوهم﴾، ﴿فلا تخافوهم وخافوني﴾. كذلك في هذه الآية من الفوائد والمسائل: البيان على أن من لوازم الإيمان الخوف من الله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. وبهذا نعلم أن الإيمان ليس الدعوة يدعيها أحدنا بلسانه: أنا مؤمن، أنا قوي الإيمان، أنا ولله الحمد على حصيلة إيمانية قوية. لا، يا عبد الله، هي ليس الدعوة، لو ترك الناس بدعواهم، الكل يتفاخر على الآخر بهذه الدعوة. لكن الذي يبرهن على إيمانك عملك، من ذلكم خوفك من الله. ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾، فإن كنت، يا عبد الله، مؤمن حق الإيمان، فليظهر ذلك في خوفك من الله، في خوفك من الله، في اقترافك للذنوب والمعاصي، وإقحام نفسك فيما حرم الله، في مراقبتك في سرك وعلانيتك، فيما يكون من تعاملك مع الضعفاء ومع المساكين والمحوجين، مع أهلك وقرابتك، إلى آخر ذلكم. إذا أظهرت الخوف من الله، حينها، يا عبد الله، تكون مؤمنا. أما أنك تدعي الإيمان وأنت لا تكترث بالمعاصي، ولا تخاف من رب العباد، اعلم أن إيمانك فيه دغل وفيه دخن. وهكذا في هذه الآية بيان على أن الإنسان كلما قوي إيمانه بالله زاد خوفه من ربه، وزاد وضعف خوفه من أولياء الشيطان. فكل هذه المسائل المنوطة بإيمانك بالله على قدر إيمانك بالله. كن مؤمنا بالله، كن مؤمنا بالله، إذا كنت مؤمنا بالله حق الإيمان، حينها يأتيك الخوف، يأتيك الخوف من الله، الخوف الحقيقي، تخاف من الله. وهكذا لا تخاف من أوليائه، بل أولياء الشيطان هم يخافونك، هم يخافونك. ولهذا ذكر عليه الصلاة والسلام ممن أعطيه من الأمارات: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر». ونصرت بالرعب مسيرة شهر، العدو إذا سمع بأن رسول الله ومن معه سيأتون، والمسافة بينهم شهر، حينها يخافون، لا يصيبهم الخوف بل شديد الخوف، وهو الرعب، يغرس الله في قلوبهم الرعب، فيخاف كل شيء. على مقدار خوفك من الله يخافك كل شيء، لا أنت تخاف، بل يخافك غيرك. ومما يذكر في هذا المقام ما وقع للإمام أحمد، لما قيل له في أرض العراق عن امرأة ممسوسة، فطلبوا منه أن يقرأ عليها، فقال لانشغاله: قالوا: خذوا نعليه، خذوا نعليه وأتوا بها، وهددوا هذا الممسوس الجني الذي فيها إن لم يخرج، إن لم تخرج من هذا الجسد ضربناك بنعلي الإمام أحمد. فما إن سمع هذا الجني بهذا إلا وهرب وخرج من الجسد من غير رجعة. بعد موت الإمام أحمد رحمه الله تعالى، رجع هذا الجني وصارع المرأة ودخل فيها. وكان صاحب القصة علم بخلفية الموضوع، قال: الأمر سهل، هاتوا بالنعال، فجاء بالنعال وخوفوا هذا الجني كالسابق: إن لم تخرج صفعناك بهذه النعال، فقال الجني: خسئت، أما أنت فلا، أما الإمام أحمد فلما خاف من الله، خوف الله منه كل شيء. فنحن نخافه، هذا العلة، فمن زاد أمره وخوفه من الله، فالله جل وعلا يخوف منه كل شيء، الكل يهابك، لكن على ما يكون من خوفك بالله جل وعلا. هذا الذي نذكره، أخواني في الله، في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.