الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 583، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديثا يبشر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان بالجنة، ويبين صحة الحديث ورجاله. يذكر روايات أخرى في فضل عثمان بن عفان.
يتناول المقطع خلافة عثمان بن عفان ويبرر بعض الأفعال التي قام بها، مثل تعيين أقاربه في الولايات، مبيناً أنها كانت مبنية على ثقته بهم وإخلاصهم له. يشير إلى مكانة عثمان العظيمة عند الصحابة.
يناقش المقطع موقف عثمان بن عفان من تولية أقاربه المناصب ويبرر تصرفاته بالاجتهاد. يبرز مكانة عثمان العظيمة في الإسلام وأحاديث النبي التي تشهد بفضله.
يشير المقطع إلى ورود روايات بدون ذكر سعيد واكتفاء بذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويعبر عن الامتنان لله تعالى لذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل -رحمه الله-: قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم -رحمه الله- في كتابه «السنة»: أبو بكر بن أبي عاصم هو أحمد بن عمر بن الضحاك بن مخلد. وكما قال الإمام ابن القيم: ذاك النبيل ابن النبيل، وكتابه أيضا نبيل. الضحاك بن مخلد كان يقال له النبيل. وهذا كتاب «السنة» كتاب عظيم، إلا أنه فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها موضوع. وقد حققه الإمام الألباني -رحمه الله- في «ظلال السنة». قال: حدثنا هدبة بن خالد، وهو الدهلي البصري، وهدبة يعتبر من حفاظ البصرة. قال: حدثنا حماد بن سلمة، حماد بن سلمة بن دينار البصري، وكان حافظا من حفاظ البصرة، إلا أنه أخذ عليه بعض الأشياء، من ذلك أنه في آخر عمره كثر نسيانه. ومن ذلك أيضا أنه لما نقل أحاديثه التي في الأجزاء، التي في الصحف، نقلها في الأجزاء، ونألفه، نجعل كتاب التوحيد، وكتاب كذا، فحصل كأنه نقلها من حفظه، فحصل فيها وهم. لهذا كان يحيى بن معين يقول: من كتب من أجزائه فحديثه صحيح، ومن كتب من مصنفاته فحديثه فيه ضعف. وكذلك أيضا أخذ عليه أنه يجمع بين مشايخه، ولا يميز رواياته، قال: يجمع بين قتادة وحميد وثابت، دون أن يميز بين الروايات. فلهذا البخاري لم يرو عنه إلا في شواهد، وروى عنه مسلم خاصة في روايته عن ثابت، وعن أيوب، وعن بعض أصحاب أهل البصرة. وكما ذكر الإمام مسلم أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، ذكر إجماع أهل العلم على ذلك، أثبت الناس في ثابت بن أسلم البناني. قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، سعيد بن إياس الجريري البصري، وهو ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره، لكن حماد بن سلمة قد روى عنه قبل الاختلاط. قال: عن عبد الله بن شقيق، وهو كوفي، عن عبد الله بن حوالة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «دخلت يوما على رجل معتجر يبايع الناس من أهل الجنة». فهجمنا على عثمان بن عفان وهو يبايع الناس. قال: هذا حديث صحيح، أنه يبايع الناس على الخلافة. وهذا الحديث من الأحاديث المتكاثرة في فضل عثمان -رضي الله تعالى عنه-، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بشره بالجنة. ولا حديث في ذلك كثيرا، منها ما جاء في الصحيحين، فحديث بسعيد بن المسيب، أنه قال: قلت ليلة في نفسي: رأيت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل بئر أو حائطا -بستانا-، فجلس على ركوة البئر، على شفير البئر. قال: فقلت: اليوم أحرص على أن أكون مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. قال: فجلست عند الباب -باب الحائط، باب البستان-، فجاء أبو بكر، فقال: استأذن لي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: استأذنت له على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: اذن له وبشره بالجنة. قال: فأذنت له، وقلت له: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشرك بالجنة. ثم جاء عمر، وقال له مثل هذا. ثم جاء عثمان، وقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه». فقال عثمان: الله المستعان، إن الله يعين على هذه البلوى. والمراد بالبلوى ما حصل في آخر حياته -رضي الله تعالى عنه- من تكالب أهل مصر وغيرهم، من بعض الخوارج الذين تكالبوا عليه حتى قتلوه -رضي الله تعالى عنه-، وهو صائم يقرأ القرآن. وانتقم الله -عز وجل- ممن قتله، كل من قتله وشارك في قتل عثمان، فالله -عز وجل- انتقم منه. وأما محمد بن أبي بكر، فلم يفعل شيئا. ومن قال أنه شارك في القتال، فهو مخطئ. محمد بن أبي بكر، الرواية الصحيحة: أنه دخل على عثمان، ثم مسك بلحيته، فقال: يا ابني. قال له عثمان: يا ابني، لو كان أبوك حيا لكان يكرم هذه اللحية. فقام فطأطأ رأسه في العرض وخرج -أي محمد بن أبي بكر الصديق-، رضي الله تعالى عنهما، فهو لم يفعل شيئا، وإنما خرج وترك المكان، ولم يجلس. حتى في بعض الرواية: أنه لم يجلس. جاءت بعض الرواية: أنه شارك، وأنه قال لعثمان: يا نعثل. لكنها غير ثابتة، بل منقطعة. والصحيح: أنه مسك بلحية عثمان -رضي الله عنه-، فقال له هذا الكلام، فترك ذلك وتأطى رأسه واستحيا وخرج، فلم يفعل شيئا. فعثمان -رضي الله تعالى عنه- كان من خيرة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان بإجماع الصحابة: أنه أفضل الصحابة بعد عمر. كان كما جاء في صحيح البخاري ومسلم، عن ابن عمر، أنه قال: كنا نفضل، فنقول: أفضلنا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت. فدل على أن عثمان -رضي الله تعالى عنه- كان مفضلا عند أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. ومن قدم عليه في خلافته أشياء ليست بذاك الانتقاد، وكان عنده حجة. كان عنده حجة بتقريب مثلا بعض أهله. الإنسان لما يمسك الخلافة يقرب بعض أهله، ليس لأجل أنه يريد أنه يعطيهم مالا أو كذا، وإنما لأجل أن أهل الشخص غالبا هم الذين أكثر الناس حماية له، أكثر الناس حماية له وإخلاص له. فلهذا فعثمان -رضي الله عنه- جعل بعض أقاربه في الولايات، فأنكر ذلك بعض من كان في ذلك العصر. وذكر لهم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يمكن بعض أهله من بعض الأشياء، لأجل أنه يثق فيهم أكثر من غيرهم، ويعلم أنهم ما سيخونونه يقينا. فلهذا كان يقدم بعض أهله. وقد أنكر عليه مثلا تقديمه لمروان بن الحكم، وهو ابن عمه. فأنكر عليه تقديمه في الولايات، لأنه كان جعله أميرا في المدينة. لكن كما قلنا: إن عثمان كان يحتج بهذا. وكما تقدم في حديث عبد الله بن حوالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أيد عثمان، وهذا يدل على أن فعله كان صحيحا. لكن مثلا المسؤول أو غيره إذا أراد أن يقرب أهله لأجل المال، فهذا لا شك أنه باطل، لا شك أنه باطل. وأيضا كذلك إذا كانت حفاوته لأهله في المال أو في المعاملة أو في كذا، فهذا أيضا مما ينكر. ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- قال للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرا، فاصبروا». أثر: معنى تفضيل غيركم، تفضيل غيركم، يفضل مثلا الشخص أقاربه، أهله أو كذا، أو من يعرفهم. وبالمقابل: أنه لا يبالي بغيره، ولا أيضا يجعل لغيرهم مثلا من هؤلاء أفاضل، وكذا لا يجعل لهم مكانه. وهذا الذي ينكر. أما إن كان هو يجعل لهم مكانه، وكذلك يجعل لأهله مثلا بعض الولايات، لأجل أنه يطمئن لهم، ويثق فيهم، وأيضا لأجل حمايته أكثر، فهذا لا شك أنه لا بأس بذلك. والمهم أن عثمان -رضي الله تعالى عنه- فعل هذا اجتهادا، والحديث التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تؤيد عثمان -رضي الله تعالى عنه-، وأنه كان على الحق. ولهذا جاء في بعض رواية حديث عبد الله بن حوالة: أنه قال: «إلزم هذا، فإنه على الحق». فدل على أن عثمان كان هو الذي على الحق، وما فعله كان صحيحا. ومن أنكر عليه من الصحابة أيضا كان مجتهدا، من أنكر عليه من الصحابة كان مجتهدا، وكان أيضا يخاف على عثمان من غيرهم، وليس أنه يريد أن يذمه. ولهذا لما جاء الرجل إلى عبد الله بن عمر، فذكر له، فقال لعبد الله بن عمر: تشهد أن عثمان لم يبايع تحت الشجرة؟ قال: نعم. قال: وتشهد أن عثمان في حنين أو في أحد أنه ممن هرب أو ممن فر؟ قال: نعم. قال: وتشهد أنه لم يحضر بدرا؟ قال: نعم. ثم أراد أن يذهب هذا الرجل، فقال له ابن عمر: قد فرغت من كلامك، فاسمع مني. ثم ذكر له: أنه في بدر كان يمرض أهله، يمرض أهله زوجته بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- رقية. وأيضا بدر لم يحث الناس النبي -صلى الله عليه وسلم- على الخروج، وإنما أخذ من أخذ وخرج. وأما أحد، فقال: فإن الله -عز وجل- قد عفا عنهم، تعيرهم بعدها؟ عفا عنهم. هكذا يقول عبد الله بن عمر لهذا الرجل. ولقد عفى الله عنهم، فما دام أن الله -عز وجل- عفا عنهم، فلماذا تعيرهم؟ وقال: وأما أنه لم يبايع تحت الشجرة، فقد أرسله النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى مكة، ولو كان هناك أحد أحب إليه من عثمان لأرسله، ما وجد إلا عثمان يرسله إلى مكة. قال: ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وضع يده، قال: هذه يد وهذه يد عثمان. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو قال ابن عمر لهذا الرجل: أي عثمان أفضل أم يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ معنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بايع لعثمان. ثم قال له ابن عمر: الآن قد سمعت، فاذهب -يعني لا تلقي هذه الشبه ثم لا تأخذ جوابها، لا أخذ جوابها واذهب-. فالمهم أن عثمان -رضي الله تعالى عنه- كان مكانته عظيمة في الإسلام، وجاهد في الله حق جهاده. وقال -رضي الله عنه- أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشره بالجنة، وأنه لا يضره ما فعل بعد ذلك. لما جهز جيش العسرة، ولما اشترى بئر رومة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». وهذا كما قلنا: الحديث من الأحاديث التي في فضله -رضي الله تعالى عنه-. وأيضا الحديث المشهور الذي جاء عن جماعة من الصحابة، جاء عن سعيد بن زيد، جاء عن أبي هريرة، عن أنس، وعن جماعة من الصحابة: لما بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- العشرة، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعيد في الجنة». فذكر أولئك العشرة. وجاء في بعض روايات بدون ذكر سعيد، وذكر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. فنكتب بهذا لله تعالى شكرا.