الدرس في رمضان والمقامات الحسان - المقدمة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل أهمية شهر رمضان والحكمة من فرض الصيام، حيث يشير إلى أن الإسلام قائم على الأعمال والطاعات، وأن الصيام يدل على فضل الأمة الإسلامية. يُبين أن الصيام ليس فقط امتناعًا عن الطعام والشراب، بل هو عبادة وتقرب إلى الله.
هذا الفصل يبين كيف أن الصيام يجمع كلمة المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيصومون جميعًا في شهر رمضان، ويصبحون كالجسد الواحد. يتجلى ذلك في وحدة الصيام والإفطار في كل قطر وبلد، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه.
يشرح هذا الفصل حكمة الله في شرعية الصيام ورمضان، حيث يجمع الناس على طاعة واحدة ويعلمهم على الطاعات والعبادات المختلفة. يعتبر رمضان مدرسة يتربى فيها المسلمون على الطاعات والعبادات المختلفة مثل قيام الليل والتراويح وزكاة الفطر والاعتكاف.
يختتم هذا الفصل الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما سمعوا، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يشير إلى أنه سيتم تناول مقامات الدين في الدروس القادمة بإذن الله، ويؤكد على علم الله تعالى وأفضاله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أولاً إخواني في الله، هذا إعلان عن درسين سيقام في هذه الأيام المباركة في شهر الصيام، وكليهما لأخينا الأستاذ أبي محمد هشام بشرحيل، حفظه الله تعالى ورعاه. الدرس الأول في رسالة تسهيل الفرائض للشيخ ابن عثيمين، وذلك في الساعة الخامسة عصرًا، والرسالة الثانية في تحفة المراكز العلمية في القواعد الإملائية، وذلك بعد صلاة التراويح. فهذه الدروس قامت من هذه الليلة بإذن الله، الأول في الساعة الخامسة عصرًا في تسهيل الفرائض، والثاني بعد التراويح في المسائل الإملائية. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. إخواني في الله، إننا نحمد الله جل في علاه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده جل في علاه أن أطال في أعمارنا، وأن مد في عمرنا، وأن جعل لنا فسحة من دهرنا لكي نحضر هذا الشهر، لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا سبحانه، هو الذي متعنا بهذا العمر حتى جعلنا نحضر هذا الشهر، شهر رمضان، زين الشهور والأزمان، سيد المواسم في كل الأيام، شهر تضاعف فيه الأجور والحسنات، وتزداد فيه الخيرات والبركات. إخواني في الله، إن الله سبحانه وتعالى ما فرض علينا شهر الصيام تضييقًا للعباد، ولا تنحيفًا للأبدان والأجساد، حاش وكلاً. وإنما فرض ربنا جل وعلا الصيام لحكم عظيمة ولأسرار بديعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فإن من الحكم العظيمة التي يجدها كل مسلم ومسلمة إذا فاض في شهر الصيام، يعلم أولاً بأن الإسلام إنما هو قائم على المسائل والأحكام، على الحلال والحرام، على الأوامر والنواهي. ديننا هو دين عمل وعبادة وطاعة وعبادة. لا تظن يا عبد الله أن انتماءنا لهذا الدين عبارة عن كلمة تُلاك باللسان فتكون من أهل الإسلام. لا، ولا تظن عباد الله أنه يكفينا أنه يسجل على بطاقة أحدنا بأنه مسلم، ثم لا عمل، لا طاعة، لا عبادة. ليس الأمر كذلك. إن دين الله جل وعلا يقوم على الأعمال، على الأقوال، على التقرب إلى الله جل وعلا بقدر المستطاع. وليست هذه العبادة والعبودية تكون في آن دون آن، بل تستمر معنا إلى الدوام حتى نلقى ربنا جل وعلا، كما قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فها هو رمضان بأحكامه، بفرائضه، بواجباته، يدلك على هذا، على أن دين الله يحتاج إلى عمل وإلى طاعة وإقبال وإجتهاد. مما نستفيده من فرضية الصيام، إخواني في الله، أن نعلم فضيلة هذه الأمة المحمدية، أمة الإسلام، حبان الله جل وعلا بأعظم دين في الوجود. ما هناك أحد يزاحمنا في الفضائل. رمضان إشارة إلى هذا الفضل. تأمل في قولي ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. السؤال الذي يطرح جماعة من أهل العلم: لماذا ذكرنا ربنا وذكر لنا بأن الصيام قد فرض على غيرنا؟ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ذكر العلماء عدة مسائل يهمني في هذا المقام هذا السبب. قال العلماء: فيه إشارة يا أهل الإيمان ويا أهل الإسلام، الصيام قد فرض على سائر الأديان، وأنتم ممن كذلكم فرض عليكم الصيام، حتى لا يترفع عليكم أحد من أهل الكتاب. تخيلوا أن الله ما فرض علينا رمضان، ما فرض علينا الصيام، حينها سيترفع علينا اليهود ويترفع علينا النصارى، عباد الصلبان، لقالوا: انظروا لأمركم يا أمة محمد، ما عندكم صيام، ما عندكم شهر، فتقربون إلى الله بالصوم، نحن أفضل منكم في شريعتنا. جعل ربنا علينا الصيام، صبنا، لكن ما كان لليهود ولا للنصارى أن يترفعوا علينا بأي عمل. أغلق ربنا عليهم هذا الباب، ففرضوا عليه وفرضوا علينا الصيام، حتى نكون مثلهم، ولا يترفعوا علينا. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وبهذا تعلم يا عبد الله بعظيم المفخرة من خلال فرضية هذا الشهر، فارفع رأسك يا عبد الله، ودع عنك الخضوع، ودع عنك الخنوع. فما هناك أمة أبدًا توازي ولا تداني ولا تساوي أمة الإسلام. فاحمد الله يا عبد الله على فريضة الصيام. من فضائل ومن حكم الله جل وعلا في فرضية شهر الصيام، شهر رمضان، أن جعله سببًا في جمع الكلمة، في جمع كلمة المسلمين. المسلمون تفرقوا، تناحروا، اختلفوا، تدابروا، تباغضوا، لكن انظر الآن لما أتى رمضان، الكل اجتمع تحت سقف الصيام. كلنا تأمل يا عبد الله في أهل الجزيرة، صوام، إلى بلاد الكنانة قد صاموا، إلى بلاد المغرب العربي قد صاموا. اذهب يا عبد الله إلى خارج الدول العربية، من كان من مسلمي أوروبا قد صام، من مسلمي أفريقيا قد صام. اذهب إلى استراليا صاموا، إلى آسيا، بلاد روسيا والصين وتلك الدول القوقازية، كلهم قد صاموا من كان مسلمًا. واذهب إلى الأمريكتين قد صاموا، ومن كان إذا قدر أن مسلم في القطب الجنوبي أو الشمالي قد صام. من الذي جمعهم؟ الصيام. جمع الكل حتى يصبح الكافر منبهرًا من الذي جمع هؤلاء. كلما تصل إلى قارة من القارات، كيف عندكم أهل الإسلام؟ قال: صاموا، صاموا، صاموا. من الذي صومهم؟ شريعة رمضان، شريعة رمضان. فتجد أن من حكمة الله جل وعلا في الصيام جمع الكلمة، ورأب الصدع بين أهل الإسلام، والكل يشعر أنهم كالجسد الواحد. وليس هذا في قطر دون قطر، بل في القطر الواحد. في القطر الواحد تجد أن الناس كلهم أمام الصيام سيان، الصغير والكبير، والشاب والذكر والأنثى، والعظيم والحقير، والغني والفقير، والعالم والجاهل، الكل صاموا، كلهم صاموا. فبتعلم يا عبد الله أن من شرعية الصيام أن يكون فيه جمع الكلمة. بل أبان نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة، فقال: «الصوم يوم يصوم الناس، والصوم يوم يفطر الناس». ما يأتي أبدًا أن أحدًا ما يفطر والناس صيام في بلده، هذا ما يقع، هذا ما يقع. وللأسف أن يأتينا من يأتي ويخبرنا بأن أناسًا أفطروا في البلد الواحد، الناس صيام، وأناس قد أفطروا. لماذا أفطروا؟ بحجة أنهم ما رأوا الهلال حتى يروه بأم أعينهم. ومن قال هذا يا أيها المعتوه؟ من قال بهذا؟ ألم يقل نبينا في حديث ابن عمر: «ترى الناس الهلال فأخبرت رسول الله أني رأيته». من الذي رأاه؟ ابن عمر. قال: فأخبرت رسول الله أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. من الذي صام البقية؟ صاموا على ماذا؟ صاموا على رؤية أنفسهم؟ لا، على رؤية أخيهم المسلم. فإذا شهد شاهد من أهل الإسلام ثقة، ثبت رؤية واضحة بأن الهلال دخل، صام الكل. أما يأتيني من يأتيني ممن طمس الله على عقله وعلى فهمه، فما فقه شيء في دين الله، ويقول: أنا ما أصوم إلا إذا أنا رأيت. أنت من ترى؟ أنت رأيت؟ بل قال العلماء: ولو أن إنسانًا خالف الجماعة، فلا يجوز أن يظهر المخالفة، يسكت، يبتعد. ولهذا قال نبينا في هذا الحديث: «الصوم يوم يصوم الناس». علق الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، قال: فيه بيان على أن الصيام معهض من الناس وجماعة المسلمين. الإسلام ما جاء بالصيام إلا لكي يجمع، لا لكي يفرق. فيأتي من يأتي أن أناس صيام وأناس أفطر، هذا ما فقه شيء من دين الله. ولهذا ما يأتي هذا الفعل إلا من الجهل، إلا من السفهة الذي ما تمرس في علم الشريعة وما درى بشيء. فاربع على نفسك يا عبد الله، فإن من عظيم حكمة الله في شرعية الصيام الجمع، جمع الكلمة في البلد الواحد، بل في جميع أنحاء المعمور. وبهذا نعلم ما هناك رابطة يمكن أن تجمع الخلق بمثل رابطة الدين. الدين فقط. كم استطاع حاول الناس أن يأتوا بعدة روابط هنا وهنا، أنظمة وتيارات وأفكار، حاولوا أن تبلور تكون منظومة لجمع الناس، لكن ما استطاعوا. الدين هو الذي يجمع ولا يفرق كذلك. وإخواني في الله، من حكمة الله جل وعلا في فرضية رمضان أن الله عز وجل أراد أن يعلم أهل الإسلام أن يربيهم على الطاعات والعبادات. رمضان ما أتى فقط بالصيام، بل أتى بإشارات عظيمة، عبادات كثيرة كثيرة، حتى أن الشريعة ما قننتها ولا شرعها لنا إلا في هذا الشهر فقط. قيام الليل، التراويح والتهجد، ما تصلى جماعة إلا في رمضان. زكاة الفطر ما تخرج إلا في رمضان. مشروعية الاعتكاف ما يكون إلا في رمضان. الحث والتحضيض على البذل والعطاء والكرم والسخاء ما كان إلا في رمضان. شدة الإقبال على قراءة القرآن وعلى ذكر الرحمن ما كان إلا في رمضان. تجد أن الأدلة الكثيرة تدفع بنا دفعًا إلى أن المسلم يجعل من هذا الشهر شهرًا يتنوع فيه بالطاعات والعبادات هنا وهنا وهنا. ولهذا إخواني في الله، كان هذا الدرس والذي سيقام في مثل هذه الأوقات بعنوان: رمضان والمقامات الحسان فيه. سنتعرف على كثير من مقامات الدين التي لربما الواحد منا يسمع عنها ويسمع بها، وما ظن أنه سيصل إليها. لا يا عبد الله، ها هو رمضان، ها أنت أصبحت من أهلها، شعرت بهذا أو لم تشعر. ولهذا سيأتي معنا في مثل هذه الدروس تسليط الأضواء على هذه المقامات ومسائلها، فيه كذلك من خلال هذه الدروس الربط بين رمضان الذي شرعه الله وبين كيف أن رمضان يحثنا على هذه المقامات بالذات. وبهذا نعلم جميعًا على أن رمضان هو في الحقيقة مدرسة، مدرسة يتربى فيها المسلم والمسلمة على كثير من الطاعات والعبادات. من خلالها نطهر أنفسنا، ونصفي قلوبنا، ونعلو بدرجات علا إلى طاعات ربنا سبحانه وتعالى. فرمضان هي فرصة، فرصة لما أعده الله جل وعلا من كثرة الطاعات والعبادات. هي فرصة لكل عابد ذليل لكل عابد ذليل أن يتقرب إلى ربه الجليل بعبادات تقربه إليه. وكذلك رمضان فرصة للمذنبين والمقبلين والتائبين على رب العالمين بأن يشمروا عن ساعد الجد فيقدموا هذه العبادات التي جمعت لهم، جمعت لهم في ماذا؟ في شهر وصفه الله بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. تأمل يا عبد الله إلى هذا الوصف. فشمر يا عبد الله عن ساعد الجد في اقتنام هذا الوقت وهذا العمر وهذه الأيام المعدودات بأن تغتنمها في تعلمك وتعليمك وتطبيقك هذه المقامات. وكما ذكرنا فإن شاء الله في مثل هذه الدروس من كل يوم نأخذ مقامًا من مقامات الدين مما دل عليها هذا الشهر الفضيل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.