رمضان والمقامات الحسان - أركان الإسلام 2

رمضان والمقامات الحسان - أركان الإسلام 2

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - أركان الإسلام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

رمضان ومباني الإسلام

يركز هذا الفصل على علاقة رمضان بمباني الإسلام وركائزه، ويبين أن صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة. يُوضح أهمية هذا الركن في بناء الشخصية المسلمة.

أهمية الصيام وأدلته النبوية

يتناول هذا الفصل أهمية صيام رمضان مستندًا إلى الأحاديث النبوية، ويُظهر أن الصيام فرض حتمي على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم قادر. يُبين أن التزام الصيام يُدخل المسلم الجنة.

عقوبة ترك صيام رمضان

يبحث هذا الفصل في عقوبة من يترك صيام رمضان أو يفطر قبل الوقت، ويُوضح أن من يتهاون في صيام رمضان يُعد مذنبًا فاسقًا، ومن يستهزئ بالصيام قد يصل إلى الكفر. يُبين العذاب الذي ينتظر من يفطر قبل تحلة صومه.

تعظيم شهر رمضان واجب المسلم

يُركز هذا الفصل على وجوب تعظيم شهر رمضان لكونه من مباني الإسلام، ويُشدد على أهمية الاجتهاد في إتمامه وإكماله. يُبين ضرورة إعطاء رمضان حقه من الإجلال والإعظام والاستعانة بالله على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإنه من الأسبوع القادم بإذن الله سيكون يومي الأربعاء والخميس لأخينا الأستاذ أبي إبراهيم عوض بن عروة حفظه الله تعالى ورعاه، في درسه «من أمثال القرآن»، وذلك بداية من الأسبوع القادم في مثل هذه الأيام، الأربعاء والخميس. وفي هذا اليوم، إخواني في الله، نستمر فيما كنا بذكره في درس أمس، وأننا في مثل هذه المقامات سنذكر ما يتعلق برمضان وما كان من علاقته بالمقامات الحسان، وذلك بأن نربط بين رمضان وبين باقي أركان الدين والإيمان. وإنني في هذا المقام سأذكر إخواني في الله أولى هذه العلاقات، ألا وهي علاقة رمضان بمباني الإسلام. مباني الإسلام وركائزه العظام تعد من أعظم الواجبات التي أمر بها رب الأرض والسماوات جل في علاه، فما هناك بعد توحيد الله شيء أمر الله جل وعلا به بمثل الفرائض. ولعظمتها أحبها ربنا جل وعلا، ولهذا جاء في الصحيح في الحديث القدسي: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، أحب شيء تتقرب به إلى ربك، يا عبد الله، أن تتقرب إليه بالفرائض. ولعلو منزلة رمضان ولعظيم شأنه جعله ربنا جل وعلا من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد دلت الأدل الكثير على ذلكم. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»، فذكر نبينا على أن من أركان الإسلام صيام رمضان. وجاء كذلك في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، في حديث جبريل، في حديث جبريل الشهير، حين قال: «أسألك عن الإسلام»، قال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام»، تصوم رمضان، الإسلام يقوم على هذا الشهر العظيم أن تصومه. وجاء كذلكم في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به يسأله عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال الرجل: «هل علي غيرها؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا، إلا أن تطوع»، ثم ذكر له عليه الصلاة والسلام وصيام رمضان، فقال الرجل: «هل علي غيره؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا، إلا أن تطوع»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والزكاة»، فقال الرجل: «هل علي غيرها؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا، إلا أن تطوع»، فذهب الرجل وقال: «يا رسول الله، والله لا أزيد على هذا ولا أنقص»، لا أزيد في ذمة خمس صلوات، في ذمة صيام رمضان، في ذمة أداء الزكاة، قال: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص»، فلما ولَّى، قال عليه الصلاة والسلام: «أفلح إن صدق»، هو من أهل الفلاح إن كان صادقًا في هذه الدعوة، أنه سيلتزم بها، بركان الإسلام: الصلاة والصيام والزكاة، وهكذا قل الحج، أمره عظيم، من اكتفى بها كان من الفالحين المفلحين. وجاء كذلك في الصحيح في حديث وفد بني عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «وآمركم بالإيمان بالله وحده»، ثم قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإيقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وإخراج الخمس من المغنم»، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بالصيام، إذ أنها من قوام الدين والإيمان. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال: «يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أدخلني الله الجنة»، فقال عليه الصلاة والسلام: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤد الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»، فقال الرجل: «والذي نفسي بيده، يا رسول الله، لا أنقص من هذا شيئًا ولا أزيد عليه»، فلما ولَّى الرجل، قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا»، هذا ما الذي فعل؟ التزم بأركان الإسلام بالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة مع الحج، التزم بها كان من أهل الجنة. والأحاديث كثيرة جدًا إن أردنا حصرها وسردها في بيان عظيم مقام رمضان وأنه معدود من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، إلا لعلو شأنه وعلو مرتبته، ولهذا هو من أعظم الواجبات التي فرضها الله على المسلمين والمسلمات، كما قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، قال المفسرون: أي فرض حُتمًا، فهو فرض حتم لازم على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم قادر سليم من الموانع، كما قال الفقهاء. أما من أعرض عن الصيام أعرض عن الصيام، فما رفع به رأسه، وإنما أنكر فرضيته وجحد شرعيته، بل وتطاول عليه بالسخرية والاستهزاء والتهكم والازدراء، فهذا كافر برب الأرض والسماء، وهذا باتفاق الفقهاء جميعًا، بالإجماع، قل: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟»، فمن استهزأ أو جحد أو أنكر فرضية رمضان فهو كافر. أما من ترك صيام رمضان فأفطر تهاونًا وتكاسلًا وعدم الحرص منه ولا مبالاة، فهذا مذنب فاسق عاص مارق، وقد أهلك نفسه ودينه ودنيا، فما هناك ذنب بعد الشرك بالله بمثل أن تتهاون في ترك فريضة من فرائض الله. يقول إمام الذهب رحمه الله تعالى: «ومن المقرر عند المسلمين أن من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر فهو شر من الزاني ومن مدمن الخمر، ويشكون في إسلامه ويظنون فيه الزندقة والانحلال»، هذا في حق من أفطر يومًا، فما بالك بمن أفطر شهرًا كاملًا؟ لا تستهين يا عبد الله بيوم من رمضان، فريضة اعلم هذا، فريضة من فرائض الله، فلا تستهين بها. روى ابن خزيمة رحمه الله تعالى بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فقال لي: انطلق، فانطلقت، فأتي بي إلى جبل وعر، فقال لي: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه»، قال: «إنا سنسهله لك»، قال: «فصعدت، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا»، فقلت لهما: «من هؤلاء؟»، فقالا: «هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم»، يفطرون قبل وقت الإفطار، هم قوم صاموا، لكنهم يستعجلون الفطر، يتعجل واحد منهم قبل أن يحين وقت الإفطار، يتعجل، هذا نكال العذاب، يعلق بعرقوبه وتشقق شدقاه وتسيل أشداقه دمًا، مع ما يعذب عليه من العذاب، هذا في حق من صام لكن تعجل. أسألك بالله، فما ظنك بالذي ما صام؟ أقول هذا والحسرة في قلبي عندما أسمع من بعض التائبين من تاب من هذا الفعل المشين، وكيف يحكي أنه مرت عليه سنوات من أيام رمضان، قال: «والله إني آكل وآشرب، ليست لوحدي، ليس بوحده، معه جماعات من المسلمين في نهار رمضان، لو ربما في بره أو لو ربما في بحره، لا أحد يعلم بهم إلا الله جل في علاه، مطلع عليهم في نهار رمضان»، كهذه الساعات، لو ربما انزوى في زاوية أو خلف الكواليس، ثم قال لصاحبه: «إيتوا بالطعام»، فأكلوا وشربوا. لا، عبد الله، تستهين برمضان، يوم واحد، يوم واحد كفيل بأن يوبق الله عليك دينك ودنياك. فيا عبد الله، اعلم قدر رمضان، هو من مباني الإسلام ومن ركائزه العظام، فالواحد منا عليه أن يعطيه أي شهر الإجلال والإعظام الذي يستحقه، والذي أنزله الله جل وعلا إليه، وهو أن جعله من مباني الإسلام وركائزه العظام. فوجب علينا، إخواني في الله جميعًا، أن نعظم هذا الشهر حق الإعظام، وأن نستعين بالله على إتمامه وعلى إكماله، وأن نجد ونجهد في ختمه إلى نهايته. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.