الاقبال على الله 28

الدرس في الاقبال على الله 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الهوى وخطره على العبد ومقدمة التحذير

الهوى عارض عظيم يمكن أن يضل الإنسان عن طريق الله، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مخاطر اتباع الهوى.

أخطار الأهواء وتأثيرها على الدين والفتن

الأهواء قد تؤدي إلى فتنة الناس وإجبارهم على اتباعها، كما حدث في بدع مثل خلق القرآن والأشعرية والإخوان المسلمين.

خطورة الهوى وتأثيره على اتباع البدع والتعصب

الهوى يدفع لاتباع أهواء الأمم ويؤدي إلى التمسك بالبدع والتعصب لها، وينبغي على السالك الحذر من الهوى حتى في المسائل الفقهية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فانتهينا من الكلام -إن شاء الله تعالى- عن الشيطان وأهدافه ومداخله، وأيضا العلاج وكيف يدفع الشيطان، وإن كانت هذه الأشياء باختصار، وإلا فهذا المجال أو هذه المباحث كثيرة جدا، أو أبحاثها كثيرة، لكن قصدنا هو التنبيه على مثل هذه الأمور. وكذلك من العوارض التي تعترض المقبل على الله عز وجل الهوى، الهوى أيضا من العوارض العظيمة، لأن الهوى يدخل في دين الله عز وجل في أبواب كثيرة، في الاعتقاد، في السير، حتى أحيانا المسائل الفقهية أحيانا، كذلك يدخل في سير الإنسان إلى الله عز وجل، فتجد يتبع هواه، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾، فالهوى من الأشياء التي تضل عن سبيل الله جل وعلا. والله عز وجل قال: ﴿فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾، بسبب أنه اتخذ إلهه هواه، فالذي يتخذ إلهه هواه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، معنى دخلت الفتنة عليه، فلهذا كم إنسان تاب إلى الله عز وجل من كفر أو من غيره، لكن أصابه الهوى واعترضه الهوى فأضله عن سبيل الله، فإما يضله إلى شرك وإلى كفر، وإما يضله إلى بدعة وشهوة، وإما يضله إلى انحراف آخر، فالهوى على حسب ما يهوى الإنسان. ولهذا الله عز وجل بيّن أن الإنسان إذا أوقف هواه وأوقف هوى نفسه فإنه يبلغ المنازل العليا، كما قال الله عز وجل: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾، فالهوى خطير على العبد وعلى مسيره. ولهذا جاء في حديثه «بردة الأسلمي» أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أخوف ما أخاف عليكم مضلات الهوى والبغي وشهوات بطون -أو قال: أخوف ما أخاف عليكم البغي وشهوات بطونكم ومضلات الهوى- ومضلات الهوى»، فهذا مما تخوفه النبي عليه الصلاة والسلام على الناس، وعلى السالكين إلى الله جل وعلا، وعلى المقبلين على الله سبحانه وتعالى أن تضلهم هذه الأهواء. لأن الهوى إذا دخل القلب، إذا دخل النفس، فإنه يجري مجرى عجيب، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث معاوية عند أحمد، وصف أناسا أخذتهم الأهواء حتى قال عليه الصلاة والسلام: «تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه»، الكلب: هو مرض يأتي من عضة الكلب، فلا يترك مفصلا ولا عظما إلا دخله هذا الكلب، وهكذا الهوى يدخل في الجسد كله، فلا يبقى للإنسان شيئا من الخير، فيبقى في هواه. ولهذا قد يتشرب الإنسان الشرك، قد يتشرب البدعة، فلا يرى إلا هذه البدعة، ولا يرى الدين إلا هذا ما عنده، وانظر مثلا إلى التاريخ تجد أشياء كثيرة، على سبيل المثال بدعة خلق القرآن، انظر كيف انتصر لها المأمون والواثق وغيرهما، وأيضا كثير منها البدع: بشر المريسي، وابن أبي دؤاد وغيرهم، فصارت دينهم هذه البدعة، ما يعلمون أحدا من أهل الإسلام إلا فتنوه، ما أجمع لأمة والعلماء إلا فتنوه بهذه الفتنة، إما أن يقول بقولهم، وإما أن يقتلوه. وهكذا أيضا تجد أيضا حصلت بدعة الأشعرية لما انتشرت في عهد القشيري أيضا فتنوا الناس بها، من لم يقل بها وإلا قتل، فهذه أهواء عظيمة تدخل في الجسد، فلا يرى الإنسان الدين إلا هذا، انظر حتى في هذه الأهواء الآن، عندك «الإخوان المسلمين» لما أسسوا حزبهم ظنوا أنهم هم أهل الدين، حتى قال الحسن البنا: «من لم يكن معنا فهو ليس منا»، ليس منا، وليس من أهل الإسلام معنا، من لم يكن معهم في هذا الحزب فهو ليس من أهل الإسلام أبدا، لماذا؟ لأنهم الهوى صرفهم إلى هذا الشيء، فصار هواهم هذا الحزب وهذه المجموعة. فلهذا فالهوى يرضي الشخص ويلقيه في أهواء الأمم، ولهذا قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله -وهو ذلك المحدث الفقيه- قيل له: لماذا نرى أهل البدع يتجلدون لبدعهم؟ ننظر الآن إلى أهل البدع عندهم البدع ويجتهدون في هذه البدع ويحاربون عليها، وأيضا يجعلون هي الدين، الآن عندنا مثلا هؤلاء أهل فتنة القبور الذين تعلقت قلوبهم بالقبور، جعلوا الدين هو التعلق بالقبور، الذي لا يتعلق بالقبور فهو عدو للأولياء، الذي لا يفعل مثلهم فهو عدو لأولياء الله، وهو كذا وكذا، وكأن الدين أنك لا بد أن تتعلق بهذه القبور، لا بد أن تذهب إلى هذا القبر وتسأل منه، لا بد هذا، فجعلوه من دين الله، وهذا الهوى الذي أشرب في قلوبهم. فقيل لسفيان بن عيينة: ما لنا نرى أهل البدع يتجلدون لبدعهم؟ فقال: «ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾، أشرب وتشرب هذا الهوى، الهوى يتشرب في الجسد وتشرب في القلب حتى ما يكون عنده إلا هذا الشيء، حتى كما قلنا انظروا إلى أقرب الفرق من هذه الفرق التي تظهر دائما، تجد أنهم يركزون على أمر معين فيجعلون الدين في هذا الأمر». فلهذا قال سفيان: «ألم تسمعوا قول الله جل وعلا: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾، أولئك تشربوا عبادة العجل، وأهل البدع يتشربون هذه البدع فتصير هي الهم الأكبر لهم»، وهذا الهوى الذي يدخل في قلب العبد فيفسد عليه كل شيء. فلهذا فالسالك والمقبل على الله ينبغي عليه أن يحذر من الهوى، حتى في المسائل الفقهية كما قلنا، لا ينبغي أن يتجارى مع هواه ويرى أنه هو على الحق وغيره على باطل، حتى لو تبين له، تجد يخرج له التعصب ويخرج له الأشياء التي يريد أن يتمسك بها بهذا القول، مثل ما يفعل متعصبة المذاهب، فهذا من الهوى أيضا، كما ذكر ذلك الإمام ابن قيم في «إعلام الموقعين» أن هذا يعتبر من الهوى اتباع الهوى، أنك تبين له الأدلة ثم يصر على ما هو عليه، لأن فلانا قاله أو لأن فلانا عنده أدلة، لم يقل بهذا القول إلا لأن عنده أدلة، فهذا أيضا كذلك من الباطل، ومن الهوى الذي يصرف العبد عن مسيره إلى الله، وعن إقباله إلى الله. فهذا عارض من العوارض، وهو يشبه عارض النفس الأمارة بالسوء، لأن الهوى هذا يأتي من النفس الأمارة بالسوء، فلهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. فإن شاء الله تعالى هذا ما يذكر، أو ما نذكره في هذا العارض، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.