الدرس في أصول وركائز تتعلق بتربية الأولاد 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع على أن حسن اختيار الأسماء حق للأبناء ووسيلة لتربيتهم الصالحة، مستدلاً بأحاديث تفضل أسماء العبودية لله كعبد الله وعبد الرحمن وتكره الأسماء القبيحة. كما يذكر تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لابنه إبراهيم اقتداءً بالأنبياء.
يُستحب تسمية الابن باسم الأب لإدخال السرور، وينهى النبي ﷺ عن أسماء تثير التشاؤم مثل يسار ورباح ونجيح وأفلح. وقد غيّر ﷺ أسماءً قبيحة إلى حسنة كعبد الكعبة إلى عبد الرحمن وغراب إلى مسلم.
ينتقد المتحدث انتشار الأسماء الأجنبية للبنات بدلاً من الأسماء العربية الإسلامية الأصيلة كفاتمة وخديجة وعائشة، مستشهداً بالآية عن استبدال الأدنى بالخير. ويؤكد دور الجهات الرسمية في رفض الأسماء غير المناسبة وضرورة غرس معاني الأسماء وقصص أصحابها في قلوب الأبناء.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله بطلب التوفيق للخير والصرف عن الشر والهداية لأحسن القول وصلاح الذرية. ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويحمد الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الأصول والركائز في تربية الأبناء وتأديبهم وتعليمهم لكي يكونوا صالحين، ويكونوا أبناء طيبين. ومن هذه الركائز والأصول: الأصل الخامس، ألا وهو أن يحسن الأب اختيار الأسماء الطيبة لهؤلاء الأبناء. فاختيار الأسماء الطيبة يعتبر من الأمور المعينة على تربية الأبناء تربية صالحة. ومن حق الأبناء على الآباء أن يحسنوا اختيار الأسماء لهم. الطفل يا إخوان عند الولادة ليس عنده إدراك ومعرفة وفهم للأشياء، فلهذا من حقه على أبيه أن يختار له الاسم الحسن، أن يختار له الاسم الحسن. والاسم الحسن الذي يربط الابن بطاعة الله عز وجل وعبادته: يسميه مثلاً بعبد الله، عبد الرحمن، عبد العزيز، عبد الواحد، أو كذلك أيضاً محمد، أحمد، سعيد، زيد، وإبراهيم، وغيرها من الأسماء. جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب أسمائكم إلى الله عز وجل: عبد الله وعبد الرحمن». قال: «وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة». إذن يا إخوان، اختيار الاسم الحسن للأبناء يعتبر من الأمور التي تعين على صلاحهم. للابن نصيب من اسمه. فحين أن تسميه مثلاً باسم طيب، كان ذلك لربما سبباً في أن يكون هذا الولد طيباً. وهكذا أيضاً نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الحرص على اختيار الأسماء الطيبة، والبعد عن الأسماء القبيحة. وجاء في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي وهب الجشمي، وكان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسموا بأسماء الأنبياء». قال: «وأحب الأسماء إلى الله عز وجل: عبد الله وعبد الرحمن»، وذكر تتمة الحديث: «وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم». إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أبو الأنبياء وإمام الحنفاء، أبو الأنبياء، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وفيه أيضاً يا إخوان أنه من الأمور الطيبة أن يسمي الأب ولده باسم أبيه إذا كان اسم الأب اسماً طيباً. فكم يا إخوان تدخل السرور على أبيك حين أن تسمي ابنك باسمه؟ وإذا كان إدخال السرور على قلب المؤمن أي كان، ولو كان صينياً، ولو كان أمريكياً، عربياً، أعجمياً، مسلماً، تدخل السرور على قلبه يعتبر من أحب الأعمال إلى الله عز وجل. فكيف إذا كان السرور ستدخله على قلب أبيك؟ وهكذا جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسموا غلامكم يساراً، ولا رباحاً، ولا نجيحاً، ولا أفلح». قال: «فإنك تقول: أثمه؟ فيقول: لا». فيقال: لا. يقول مثلاً: هل يسار موجود؟ فيقول: لا. يعني اليسر مفقود. إذن وهكذا أفلح، الفلاح مفقود. وهذه الأسماء كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، وكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن مثل هذه الأسماء. وكما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أن الكراهة هنا كراهة تنزيه، وعلل الكراهة قال: ما بينه صلى الله عليه وسلم في قوله: «فإنك تقول: أثمه؟ فيقول: لا». فكره أو كرهه لبشاعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في شيء من التشاؤم، فيحدث لهم يأس من تحقق اليسر والنجاح والفلاح. فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه، ويورثهم اليأس من خيره وفضله. ونبي صلى الله عليه وسلم غير أسماء يا إخوان لقبحها. كم من الصحابة من كان اسمه عبد الكعبة فغيره إلى عبد الرحمن، وآخر وآخر عبد ود، وود من الأصنام. وهكذا: رجل كان اسمه شهاب، قال: ما اسمك؟ قال: شهاب. قال: لا، لا، أنت هشام. وآخر كان اسمه غراب، قال: ما اسمك؟ قال: غراب. أي اسم هذا يا إخوان؟ فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بل اسمك مسلم، اسمك مسلم. زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها كان اسمها برة، أي من البر، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى زينب، إلى زينب. وهكذا غيرها من الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة إلى الأسماء الحسنة. وأذكر بعض الناس عندنا في الشحر ها هنا كان اسم بعضهم عبد الشيخ، عبد الشيخ. فبعضهم لا زال إلى اليوم اسمه عبد الشيخ، وبعضهم غير من عبد الشيخ إلى عبد القادر، وغيرها من الأسماء الطيبة. أسماء البنات يا إخوان، كم يحصل فيها تلاعب للأسف! لما تقرأ أسماء طالبات مثلاً في المدرسة، أو في حلقات التحفيظ، أو في الأحوال المدنية، أو غير ذلك، ترى أسماء تركية، وأخرى هندية، أسماء ممثلات ونساء سافرات وماجنات. أي جناية هذا؟ أي جناية هذا يقوم بها الأب حين أن يرضخ لأوامر الأم، يذهب إلى الأحوال المدنية ويعمل شهادة ميلاد لابنته، ما اسمها؟ قال: كذا وكذا من الأسماء الغريبة، من الأسماء الغريبة. أين الأسماء العربية الأصيلة؟ فاطمة، خديجة، عائشة، رقية، أين زينب وأسماء، وغيرها من الأسماء؟ قالوا: هذه قديمة، هذه قديمة. لكن في هذا القديم خير يا إخوان مما استبدله الناس. {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]. ولهذا في بعض البلاد كالمملكة يرفضون أن يقبلوا بعض الأسماء الغريبة، ليس باختيار الأب، يقال: لا، اذهب وغير هذا الاسم. وكم من الأسماء من رفعت إلى اللجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والبحوث العلمية: هل يجوز التسمي بهذا الاسم؟ فإن أفتوا بالجواز أخرج لهذا الطفل شهادة، وإلا فلا. وآخيراً يا إخوان، ينبغي أن نقرس في قلب الطفل معنى هذا الاسم الذي اخترناه له. أنت سميت ابنك إبراهيم، إبراهيم مثلاً، فتذكر لهذا الابن من هو إبراهيم. هذا إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء، خليل الرحمن. إبراهيم يا بني، هذا كسر الأصنام بيده، وقام قومه وألقوه في النار. فينشأ الطفل على معرفة بهذا الاسم الذي يحمله. أنت سميت ابنك عمر، فتذكر له: من عمر؟ هذا عمر ابن الخطاب، ومن شأنه كذا وكذا وكذا. سميت ابنك محمداً، أحمداً، موسى، عيسى، آدم، تذكر له... وإيش؟ أين آدم موجود؟ تذكر له قصة آدم، وأن الله أمر الملائكة أن تسجد له، وإبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، وأدخل آدم الجنة وزوجه حواء، وقام إبليس وفعل... إلى غير ذلك يا إخوان، إلى غير ذلك. وهكذا في جانب البنات: ابنتك اسمها رقية، رقية يا ابنتي، هذه إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شأنها كذا وكذا وكذا. فينشأ الولد وتنشأ البنت وهم يعتزون بهذا الاسم الذي قمت أنت باختياره لهما. إذن يا إخوان، هذا من الأمور المهمة جداً: أن يحسن الآباء اختيار الأسماء لأبنائهم وبناتهم. وأسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أولادنا وأولاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.