الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 636

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 636

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 636، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث "من يرد الله به خيرا"

يبدأ الشرح بتوضيح معنى الحديث الشريف "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" ويبين أهمية الفقه في الدين. يُظهر أن الفقه ليس مقتصرًا على فهم الأحكام الفقهية فقط بل يشمل فهم دين الله والعمل به.

فضل العلم وآدابه

يتناول هذا الفصل أهمية العلم في الوصول إلى رضا الله والجنة، ويشدد على ضرورة العمل بالعلم ونشره لتحقيق الانتفاع به. يُوضح أن عدم الانتفاع بالعلم قد يؤدي إلى الضلال.

التفقه في الدين ونية التعلم

يؤكد هذا الفصل على أهمية التفقه في دين الله والنية الصالحة في طلب العلم. يشير إلى أن العلم النافع هو الذي يُعمل به ويُنشر، وأن النية الحسنة تجعل العلم وسيلة للوصول إلى الله.

العلوم الأصلية وضرورتها في حياة المسلم

يناقش هذا الفصل العلوم الأصلية مثل العقيدة والفقه، ويبرز أهميتها في حياة المسلم. يشير إلى أن إهمال هذه العلوم قد يؤدي إلى عدم الانتفاع بها وقد يكون وبالًا على صاحبها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن حجر، وهو السعدي، وهو حافظ كبير، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، وهو ابن أبي كثير المدني، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه سعيد بن أبي هند عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». قال: هذا حديث حسن وصحيح. قال أبو عبد الرحمن، أي شيخنا مقبل: هو صحيح على شرط الشيخين، وهذا الإسناد كما ذكر الشيخ أنه على شرط الشيخين، أي إسناد البخاري ومسلم، وكلهم قد رووا عنه. قال: والحديث أخرجه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: حدثنا سليمان بن حرب أو سليمان بن داود الهاشمي، قال: أخبرنا إسماعيل به. وسليمان هو ابن داود الهاشمي، وإسماعيل هو ابن جعفر. وأخرجه الدارمي، فقال: أخبرنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن جعفر به. هذا الحديث قد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، أقصد عن معاوية. ومن رواه عن أبي هريرة فقد أخطأ على الزهري. رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، والزهري عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. وقال فيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، ولا تزال طائفة قائمة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي وعد الله. وقال: حتى يوم القيامة. فظاهر هذا الحديث ومنطوقه يدل على أن من تفقه في دين الله فقد أراد الله عز وجل به الخير. من تفقه فقهه الله عز وجل في هذا الدين. والفقه هنا المراد به ليس الفقه المصطلح عليه، معنى المسائل العملية، وإنما المراد بالفقه هنا الفهم، أي يفهمه دين الله جل وعلا. والفهم كما قال العلماء يشمل العلم والعمل معا. فهذا الفقه الذي يعلم ويعمل، فقها في دين الله. أما إذا كان يعلم ولا يعمل، فهو ليس فقيها. ولهذا لما قال رجل للحسن: يا فقيه، قال: أرأيت فقيها بعينك؟ إنما الفقيه من أطاع الله. وأيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». خيارهم من فقه في دين الله. فمن تفقه في دين الله، فقهه الله عز وجل هذا الدين، فعلم وعمل. هذا منطوق الحديث ومفهومه، أي مفهوم اللقب، مفهوم المخالفة، أن من لم يفقه، لم يتفقه في دين الله، فلم يرد الله به خيرا، أي أنه على هلك. ولهذا يفسره قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي حسنه الشيخ الألباني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدنيا ملعونة، ملعون من فيها إلا ذكر الله أو ما ولاه أو عالم أو متعلم». وكما قال أيضا علي رضي الله عنه: الناس ثلاثة: همج رعاء، وذكر منهم بعد ذلك: وعالم ومتعلم على سبيل النجاة. يسلك الطرق الصحيحة التي توصله إلى الله جل وعلا، إذ أن طريق العلم هي من أفضل الطرق التي توصل إلى الله، توصل إلى رضى الله، توصل إلى جنة الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله عز وجل به طريقا إلى الجنة». يسهل الله عز وجل طريق الجنة، فلهذا فهي أقصر الطرق إلى جنة الله جل وعلا. وبالعلم أيضا ينال رفعة الدنيا والآخرة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: «إن الله ليرفع بهذا الدين أقواما ويضع به آخرين». فمن تفقه في هذا الدين وعمل، فإنه يرفعه الله عز وجل. ومن لم يتفقه ولم يرفع لذلك رأسا، فكان من الهالكين. كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى في تشبيه العلم بالغيث، وأخذ الناس منه. فمنهم من يأخذ العلم ويتعلم ويعمل، فينفع نفسه وينفع غيره. فأخذ العلم وعمل ونفع الناس، انتفع الناس به، فسقوا وزرعوا. وآخر أيضا أرض أخرى أمسكت الماء ولم تنبت الكلأ، معنى نفع نفسه بهذا العلم فقط، ولم ينفع غيره. وأما أرض فهي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، يعني لا تنتفع بهذا العلم ولا تنفع غيره، بل قد يكون هذا العلم وبالا عليها. عن التعلم العلم، لكنه لم يفقه دين الله ولم يعمل بذلك العلم، فكان وبالا عليه. أخذ من هذا الغيث، لكنه لم ينتفع به، فشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، معنى الأرض الصلبة ما تمسك الماء، يجري الماء فيها ويخرج، ولا أيضا يأتي فيها الزرع ولا تنبت كلأ. فذلك مثل منفقها في دين الله. وعلم منفقها في دين الله، أي القسم الأول تعلم وعلم، وفقها في ديننا تفقه في هذا الدين، وذلك منفقها في دين الله، فنفعه كما جاء في رواية: فنفعه الله به، فعلم وتعلم. ومن لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به، لم يرفع بذلك رأسا، معنى ما رفع بهذا الدين ولا دعا وتعلم، لكن علمه كان وبالا عليه. تعلم لغرض من الأغراض لنيل الشهادة أو لشيء من الأمور الدنيا، فلم ينتفع بهذا العلم ولم يعمل ولم أيضا ينفع الناس، بل ضرهم، كان وبالا على الناس، وكان أيضا ضلالا على الناس. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر: «إن الله لا ينتزع هذا العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يذهبه بذهاب العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». هؤلاء الذين لم ينتفعوا بهذا العلم، لم ينتفعوا بهذا العلم، عندهم علم لكنهم لم ينتفعوا، صاروا دعاة إلى أبواب جهنم، والعياذ بالله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مما يستعيذ به: علما لا ينفع. كما جاء في حديث أسامة أو زيد بن أرقم، أقصد في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، أو من لسان أو قال: من عين لا تدمع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وجاء خارج الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «تعودوا من أربع: تعودوا من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا تسمع». تعودوا من أولئك الأربع. وعنى أن الإنسان يتعوذ من هذا، ومنها العلم الذي لا ينفع، لا ينفع صاحبه الذي لم يتفقه في دين الله جل وعلا، تعلم لكنه لم يجعل ذلك العلم يوصله إلى الله، ولهذا لم ينتفع بهذا العلم. فلهذا فالفقه هو العلم والعمل، وأيضا الانتفاع، ينتفع بهذا العلم وينفع غيره. فالأصل أن الإنسان يتعلم لأجل أن يذهب الجهل عن نفسه، هذا واجب، هذا علم واجب أن يذهب الجهل عن نفسه، ثم بعد ذلك أيضا أن يتعلم دينه فيكثر في المسائل. وكذلك أيضا إن جعل نيته أيضا إن قاد غيره، فهذه نية عالية وأيضا نية عظيمة. أولا ينوي رفع الجهل عن نفسه، ثم عن غيره، فهذه نية عظيمة في العلم. ولهذا قال بعض السلف، وهو ابن أكتم: قال: النية، أو قال: العلم هو نية. من تعلم العلم فتعلم، أو قال: تعلم العلم نية. تعلم العلم نية، معنى إذا أراد أن يتعلم العلم فإنه يتعلمه لأجل أن ينفع نفسه وينفع غيره، فهذه نية حسنة. وأما إذا كان من أولها نيته في العلم ليست صحيحة، فهذا إلا يشاء الله عز وجل فتجعل صحيحة. كما قال سفيان الثوري وغيره: تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. لأن العلم يقود إلى الله، فنتعلم العلم ليس عن رغبة للعلم، وإنما قد يكون من باب معنى أنهم مأمورون بذلك، يأمرهم أهلهم أن يتعلموا، فتعلموا بدون نية. ولهذا قال الوليد المسلم: سألت ابن جريج ومالك بن أنس وأيضا الليث بن سعد والوزاعي، قال: سألتهم هل تعلمتم لله؟ قال: والله ما قال أحد أنه تعلم لله. قال: والله ما قال أحد أننا تعلمنا لله. معنا ما يجرؤون أن يقولوا هذا أننا نتعلم لله، لكن تعلموا بنية حسنة، فحسن أيضا أصلح الله عز وجل نياتهم، وصاروا أئمة كبار، أولئك أئمة الذين ذكره ابن جريج ومالك والليث والأوزاعي وغيرهم من أئمة الإسلام. فلهذا فالتفقه في دين الله جل وعلا من أفضل الأعمال التي ينبغي المسلم أن يجد ويجتهد فيها، ويتعلم لله عز وجل، يجعل هذا العلم يوصله إلى الله سبحانه وتعالى. وأي علم لا يوصله إلى الله فهو من العلم الذي لا ينفع. وهذا الذي قاله كثير من الشراح كالنووي وغيره: أن العلم الذي لا يوصله إلى الله فهو من العلم الذي لا ينفع. لأن العلم الذي لا ينفع على قسمين: علم أعيان، فأعيان العلم منه ما ينفع ومنه ما لا ينفع. مثل علم الكتاب والسنة هذا ينفع، هذا عين العلم. لكن أيضا علم الكتاب والسنة إذا لم يوصل العبد إلى رضا الله وإلى طاعة الله عز وجل، فهو أيضا من القسم الثاني الذي لا ينفع. فكل علم تعلمه الإنسان ولو كان هذا العلم قيل فيه أنه فرض كفاية، مثلا سواء كان نحو أو مصطلح أو أصول أو طب أو هندسة أو غير ذلك. فإن لم ينتفع به في طاعة الله، فهو من العلم الذي لا ينفع، وهو من القسم الثاني. والقسم الأول هي العلوم الأصلية كالعقيدة والفقه وغيرها، إن لم تنفع الإنسان في عمله، فهي أيضا وبالا عليه. هذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث. الله تعالى أعلم.