الدرس في كتاب الطهارة 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والروث لأنهما طعام الجن. هذا النهي يدل على أن العظم والروث لا يطهران من النجاسة.
التنزه من البول مهم جدًا لارتباطه بعذاب القبر كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. هناك آراء فقهية مختلفة حول كون إزالة النجاسة فرضًا أم لا.
حديث عذاب القبر بسبب البول يدل على وجوب إزالة النجاسة ونجاسة البول. العلماء اختلفوا في تفسير عدم الاستنزاه من البول هل هو من الكبائر أو الصغائر.
عدم الاستنزاه من البول يعتبر من الكبائر بسبب الوعيد الوارد فيه. عذاب القبر غالبًا يكون بسبب التساهل في هذا الأمر.
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. قالوا عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: أتى النبي عليه الصلاة والسلام لغاية، لماذا أخذنا هذا؟ قالوا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعض الناس بأرواث، وقال: «إنهما لا يطهران». رواه الدارقطني وصححه. وأخرج أيضا ابن خزيمة بلفظه هذا. وجاء في البخاري بلفظ قريب من هذا، وزاد في حديث أبي هريرة: فقال له أبو هريرة: «لما فرغ، ما بال العظم والروث؟» قال: «هي من طعام الجن». وفي لفظ ابن خزيمة: «قال: هي من طعام الجن». وأخرج البيهقي مطولا، كذا في شرح السنة. بلفظه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: «أبغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا روث». فأتيت بأحجار في ثوبي، فوضعها إلى جنبه، حتى إذا فرغ قام، فتبعته، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم والروث؟ فقال: «أتاني وفد نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم، إلا أن يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوا عليه طعاما». قال: والنهي في الباب عن أبي الزبير، وجاء برواية سعيد بن حنيف وغيرها، بأسانيد فيها مقال، والمجموع يشهد بعضها لبعض على أنه لا يطهر. وعلل هنا بأنهم لا يطهر، وعلل بأنها طعام الجن. وعللت الروثة بأنها ركس، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا. وأما عدم تطهير العظم، فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البلل. والبلل معناه الرطوبة. ولما علل صلى الله عليه وسلم بأن العظم والروثة طعام الجن، قال له المسعود: «وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟» قال: «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحما الذي كان عليه يوم أكل، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حبا الذي كان يوم أكل». رواه أبو عبد الله الحاكم في الدلائل. الله أعلم بهذا الحديث. قال: ولنا فيه ما ورد أن الروث علف للدواب بهم، كما لا يخفى. فيه دليل على معنى جاء في صحيح مسلم، لكن فيه أيضا ضعف. وفيه دليل على أن الاستنجاء بالأحجار طهارة لا يلزم معها الماء، ويستحب ذلك، لأنه علل بأنها لا يطهر، فأفاد أن غيرهما يطهر. ومسألة الماء كما ذكرنا: أنه يجزئ كل منهما، الأحجار والماء. قال: وعن النبي ريطة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه». رواه الدارقطني، والحديث صحيح. وجاء معناه في الصحيحين في حديث ابن عباس: «استنزهوا» أي تنزهوا، وهو البعد، بمعنى تنزهوا، بمعنى اطلبوا النزهة. قال: وجاء في رواية: «استنزهوا»، جاء في رواية: «استتروا»، وكلها بمعنى واحد، أنه يحاول أن لا تقع النجاسة في جسده، ألا تقع النجاسة في جسده. وجاء: «عامة عذاب القبر منه»، قال: «عامة عذاب القبر منه»، أي من هذا البول. وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم كما في عذاب القبر، رجلان يعذبان، والآخر لا يستنزه من بوله. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استنزهوا» أي من التنزه، وهو البعد، بمعنى تنزه، أو بمعنى طلب النزهة من البول، فإن عامة عذاب القبر، أي أكثر من يعذب فيه، منه، أي بسبب ملابسته له وعدم التنزه عنه. رواه الدارقطني، والحديث صحيح. قالوا: إن عقوبة عدم التنزه منه تعجل في القبر. ثبت في حديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان، ثم أخبر أن عذاب أحدهما لأنه كان لا يستنزه من البول، أو لأنه لا يستتر من بوله. فقال: ثم أخبر أن عذاب أحدهما لأنه كان لا يستنزه من البول، أو لأنه لا يستتر من بوله، من الستارة، لا يجعل بينه وبين بوله ساترا يمنعه من الملامسة له، أو لأنه لا يستبرئ من الاستبراء، أو لأنه لا يتوقظ. وكلها ألفاظ واردة في الروايات، والكل مفيد لتحريم ملامسة البول وعدم التحرز منه. قال: وقد اختلف الفقهاء هل إزالة النجاسة فرض أو لا؟ فقال مالك: إزالتها ليست فرض. وقال الشافعي: إزالتها فرض مع عدم ما يعفى عنه منها. واستدل على الفريضة بحديث التعذيب على عدم التنزه من البول، وهو عيد لا يكون إلا على ترك فرض. واعتذر لمالك عن الحديث بأنه يحتمل أنه عذب لأنه كان يترك البول يسيل، فيصلي بغير طهور، لأنه الوضوء لا يصح مع وجوده. قالوا: لا يخفى أن حديث الأمر بالذهاب إلى المحجر أو المخرج بالأحجار، والأمر بالاستطابة، دال على وجوب إزالة النجاسة. وفيه دلالة على نجاسة البول، أن البول نجس، لهذا يستنزه منه الإنسان، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلماء. قالوا: الحديث نص في بول الإنسان، لأن الألف واللام في البول في حديث الباب عوض عن المضاف، أي عن بوله، بدليل قول البخاري في صاحب القبرين: «كان يستتر عن بوله». قالوا: الحديث نص في بول الإنسان، لأن الألف واللام في البول في حديث الباب عوض عن المضاف، عن بوله، بدليل لفظ البخاري في صاحب القبرين: «فإنه كان لا يستنزه عن بوله». ومن حمله في جميع الأبوال، ودخل فيه أبوال الإبل، كالمصنف في فتح الباري، فقد تعسف. وقد بين وجه التعسف في هوامش فتح الباري. قال: والحاكم: «أكثر عذاب القبر من البول»، وهو صحيح الإسناد. والحاكم، أي من حديث أبي هريرة: «أكثر عذاب القبر من البول»، وهو صحيح الإسناد. وهذا كلامه هنا. وفي التلخيص ما لفظه الحاكم: أحمد وابن ماجه: «أكثر عذاب القبر من البول»، وعله بقتادة، وقال: إن رفعه باطل، ولم يتعقبه بحرف. وهنا جزم بصحته، فاختلف كلاماه كما ترى. ولم ينتبه شارح رحمه الله لذلك، فأقر كلامه هنا. قال: والحديث يفيد ما أفاده الأول. واختلف في عدم الاستنزاه: هل هو من الكبائر أو من الصغائر؟ وسبب الاختلاف حديث صاحب القبرين، فإنه فيه: «وما يعذبان في كبير»، بلى إنه لكبير، بعد أن ذكر أنه أحدهما عذب بسبب عدم الاستبراء من البول. فقيل: إن نفيه صلى الله عليه وسلم كبر ما يعذبان فيه، يدل على أنه من الصغير. ورد هذا بأن قوله: «بل إنه لكبير»، يرد هذا. وقيل: بل أراد أنه ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير. وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز. وجزم به البقاعي، ورجحه الدقق العيد. وقيل غير ذلك. وعلى هذا، فإخلاص الأمر أن البول يعتبر عدم الاستنزاه من البول يعتبر من الكبائر، لأنه جاء الوعيد فيه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يعذب بهذا، وعامة عذاب القبر من البول، بسبب التساهل فيه.