الدرس في شرح كتاب صفة وضوء النبي ﷺ 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأذكار المشروعة بعد الفراغ من الوضوء كشهادة التوحيد والرسالة التي تفتح أبواب الجنة الثمانية، ودعاء «سبحانك اللهم وبحمدك» الذي يُكتب في رق ولا يُكسر إلى يوم القيامة. ويبين أن المكلف يتخير بينهما مع ذكر قصة عقبة بن عامر وعمر بن الخطاب في تفضيل دعاء الشهادتين.
يشرح المقطع معنى الإسباغ بأنه الإتمام والإكمال في غسل الأعضاء حتى على المكاره، وينقل إجماع العلماء على أن الغسلة الواحدة تجزئ إذا أسبغها المتوضأ مستدلاً بأحاديث ابن عباس وابن عمر. وينبه إلى أن ترك جزء من العضو يبطل الوضوء حتى لو أعيد غسله.
يبين المقطع أن لفظ «أو نقص» في حديث الوضوء خطأ روائي والصحيح أن الزيادة على ثلاث تعدٍّ، وأن غسل العضو مرة واجب ومرتين وثلاث سنن والأكمل ثلاث. ويجوز التفاوت بين الأعضاء كما في رواية مالك عن عبدالله بن زيد مع استحباب الوضوء لكل صلاة لغير حدث.
يرجح الطحاوي أن الوضوء لكل صلاة كان واجباً على النبي ﷺ خاصة ثم نسخ يوم فتح مكة، مستدلاً بحديث بريدة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات بوضوء واحد. ولما سأله عمر قال: عمداً فعلته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: الدعاء بعد الوضوء. قال: عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». رواه الإمام مسلم، وعند الترمذي زيادة: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». وفيها خلاف، فيها قال الدارقطني: هو ثقة لكن في حديثه ضعف، أو أقصد في حفظه شيء، في حفظه شيء. طيب، فأمر سهل، من جاء بها طيب: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». لكن أهم شيء فيه هذا الدعاء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من توضأ ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة». وهذا الحديث رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن السني كذلك، وروي موقوفا ومرفوعا عن أبي سعيد وعن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن شاء الله تعالى الحديث صحيح. ففيه أن الإنسان يتخير، ليس المراد أنه يأتي بهذا وهذا، وإنما يتخير: إن شاء قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، هذا يكفي. وإن قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك، أيضا هذا يكفي، وكلاهما فيه فضل عظيم. حتى أن بعض الصحابة، وهو عقبة بن عامر، لما جاء إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يذكر دعاء فقال: ما أحسن هذا. قال عقبة: ما أحسن هذا، فضربني رجل من خلفي، قال: فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: التي قبلها أحسن، التي قبلها أحسن. فقلت: ما هي التي قبلها؟ فذكر له هذا الحديث: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء». وإسباغ الوضوء نتكلم عليه في هذه المسألة ستأتي بعد. طيب. قال: الوضوء مرة مرة لكل عضو. عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، رواه البخاري. وهذا جزء من الحديث الذي فيه رواية ابن عباس عند ميمونة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة، غسل وجهه مرة، غسل يديه مرة. وهذا يدل على جواز أن يغسل الرجل العضو مرة واحدة. ولهذا ذكر ابن المنذر أنه قال: أجمع كل من أحفظ من أهل هذا العلم على أن الرجل إذا غسل مرة واحدة فأسبغ، فأسبغ الغسلة، فإنها تجزئه، أي هذا الوضوء يجزئه، لكن مع الإسباغ. وما المراد بالإسباغ؟ الإسباغ يأتي في الأحاديث على معنيين: يأتي بمعنى الإتمام، إتمام العضو أو إتمام الأعضاء وعدم ترك شيء منها، ويأتي بمعنى الكمال. فلهذا فالإسباغ الذي بمعنى الإتمام هو واجب، الإسباغ الذي بمعنى الإتمام هو واجب. فقول ابن المنذر: إذا غسل الرجل عضوه مرة واحدة فأسبغ الغسل، لابد أن يسبغ، ليس معنى أسبغ: أتم، أتم هذا الغسل. وأيضا في هذه الأحاديث: «فيسبغوا الوضوء»، «فيسبغوا الوضوء»، أسبغ هنا أيضا أتم. وفي حديث عبد الله بن عمر: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار»، «أسبغوا الوضوء»، الإسباغ هنا المراد به الإتمام. لكن قد جاء الإسباغ والمراد به الكمال، والمراد به الكمال، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أسبغوا الوضوء على المكاره، أسبغوا الوضوء على المكاره». فأي إتمام؟ إكماله، إتمامه وإكماله على المكاره، على الأشياء التي تكره النفوس عنها: يتوضأ بالماء الحار في وقت الحر، يتوضأ بالماء البارد في وقت البرد، فيسبغ الوضوء، بمعنى: لا يغسل شيئا يسيرا بل يسبغ الوضوء. فلهذا فالإسباغ يأتي بمعنى الإتمام ويأتي بمعنى الإكمال ويأتي بمعنيهما: معنى إتمام وإكمال. فلهذا فلابد لمن أراد أن يغسل مرة واحدة أن تكون هذه الغسلة سابغة، أن تكون هذه الغسلة سابغة، سابغة: يغسل العضو كله، لا يترك شيء من العضو، لأنه لو ترك شيئا ولو يسيرا فوضوؤه غير صحيح. فلهذا إذا توضأ مرة مرة فإنه يسبغ الوضوء، مثلا: يأخذ الماء لوجهه فيغسل وجهه كله، لا يترك شيئا منها، فهذه غسلة، كما قلنا فتعتبر غسلة، وهكذا اليد. لكن لو مثلا ترك شيء من الوجه لم يصبه الماء ثم غسله مرة أخرى فأكمله، فهذه تعتبر واحدة، كلها تعتبر واحدة، ولو ثلاث مرات فالمرة هي مرة واحدة، غسل العضو مرة واحدة هو المرة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وأما حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده الذي أخرجه أبو داود، وفيه: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا الوضوء أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم». معنا الآن الإشكال في شيء في قوله: «أو نقص»، معنا: نقص على الثلاث. لكن قال العلماء: إن هذه الكلمة خطأ وجدت في بعض الروايات، أن هذه الكلمة وجدت خطأ في بعض الروايات، وإلا في الروايات الصحيحة لم يذكر فيها «أو نقص»، وإنما قال: «من زاد فقد أساء وتعدى وظلم»، لأن الذي ينقص فهو لم يسيء ولم يتعدَ، لم يسيء ولم يتعدَ. فلهذا فهذه الكلمة كما قال بعض أئمة الحديث والفقه: أنها زائدة، أنها زائدة، أو أنها خطأ من بعض الروايات زادها. فلهذا من توضأ مرتين مرتين فإن وضوءه صحيح، ومن توضأ مرة مرة فوضوؤه صحيح، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فوضوؤه أكمل. ويجوز أيضا أن يجعل بعض الأعضاء ثلاثا وبعض الأعضاء مرتين، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد في رواية مالك عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد الأنصاري أنه قال: توضأ النبي عليه الصلاة والسلام، فغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين، ثم غسل يديه مرتين، وجهه غسله ثلاثا ويديه غسلها مرتين. هذا في رواية مالك، ومالك يعتبر من أفضل المتثبتين في الحديث، كان متقنا جدا لا يكاد أحد يفوق مالك في الإتقان، فلهذا فهي رواية صحيحة. فيجوز أنه يغسل ثلاثا واثنتين، يغسل بعض الأعضاء ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا، والأفضل أن يغسل الأعضاء التي فيها الثلاثة يغسلها ثلاثا. وأما الرأس فالصحيح كما ذكرنا قبل أنه يمسح مرة واحدة. قال: الوضوء مرتين مرتين. عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين، وهذا في البخاري. الوضوء ثلاثا ثلاثا لكل عضو من حديث عثمان المتفق عليه المتقدم، في غسل اليدين كان يغسل الأعضاء ثلاث مرات. من هذه الأحاديث يتبين لنا كما هو معروف عند جمهور العلماء أن الغسل مرة واحدة، أو أن الغسل مرة واحدة هو فعل الوضوء، أن الغسل مرة واحدة واجبة، والثانية والثالثة سنة، الأولى والثانية سنة، والثالثة سنة، إتماما بهما اتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام. فخلاصة الأمر أن هذه الأشياء: الوضوء مرة هو الواجب، المرتين سنة، والثلاث سنة وهو الأكمل. قال الحافظ في استحباب الوضوء لكل صلاة: قال الحافظ في الفتح في مسألة الوضوء من غير حدث عن أنس قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث، أو ما لم يحدث. قال: إن هذا الحديث المذكور يدل على أن المراد في الغالب صلاة الفريضة. قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة ثم نسخ، أي على النبي صلى الله عليه وسلم أنه واجب عليه أنه يتوضأ لكل صلاة ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة، يعني الذي يخرجه مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، وأن عمر سأله فقال صلى الله عليه وسلم: «عمدا فعلته». أن عمر رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيء لم يفعله دائما: أنه توض