شرح السنة للإمام البربهاري 115

شرح السنة للإمام البربهاري 115

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 115، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من ابتداع الحيل في الرد على أهل البدع

ينبه المؤلف على خطر ابتداع حيل للرد على أهل البدع ويشدد على أهمية الاكتفاء بالاستدلال من الكتاب والسنة. يُشير إلى أن الابتداع في الرد يعد خطورة على الدين.

خطورة الابتداع في قواعد الرد على المخالفين ومخالطتهم

يناقش المقطع خطورة ابتداع قواعد جديدة في الرد على المخالفين وضرورة الالتزام بالأصول الشرعية. يحذر من مخالطة أهل البدع والجلوس معهم ويشير إلى أن السكوت عنهم هو السبيل للابتعاد عن البدع.

الابتعاد عن مجالسة أهل البدع والمخالفين

يُنبه الشيخ على خطورة مجالسة أهل البدع والمخالفين ويُشدّد على أهمية الابتعاد عنهم وتجنب المناظرة إلا للعلماء الراسخين وبضوابط شرعية. يُوضح أن مجالستهم قد تؤدي إلى التأثر بشبههم.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع، فإنك أمرت بالسكوت عنهم ولا تمكنهم من نفسك، أما علمت أن محمد بن سيرين في فضله لم يجب رجلًا من أهل البدع في مسألة واحدة، ولا سمع منه آية من كتاب الله عز وجل، فقيل له: لم؟ فقال: أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء». هذه الفقرة، إخواني في الله، أوردها المؤلف رحمه الله تعالى، وهو لا يزال في هذا الباب، في الفصل الأخير من الرسالة، يذكر مسائل كثيرة متنوعة متناثرة حول التعامل مع أهل الأهواء. وهذه الفقرة قال رحمه الله تعالى: «ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع» إلى آخر كلامه. من تأمل في هذه الفقرة يرى أن المؤلف رحمه الله تعالى نبه على أمرين اثنين، وهذا الأمران الذي نبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى يعتبران من أعظم الأبواب التي يزل فيها من كان على السنة، يزل بها فيقع في البدعة من حيث يشعر أو لا يشعر، وهي مسائل عظيمة، وهذا يدل على فطنة المؤلف رحمه الله تعالى وعلى قوة استنباطه ومعرفته بأحوال الناس في زمنه. المسألة الأولى، والتي هي تعتبر من أعظم المزالق التي ينزلق بها من كان على السنة ثم ينحرف عن الصراط، قوله رحمه الله تعالى: «ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع». طلب الحيلة بعض الناس، إخواني في الله، لربما يرى من نفسه أنه على قدرة على أن يحدث شيئًا، وبهذا الإحداث يرد على المخالفين، يرد على الخصوم من أهل الأهواء، من أهل الملل، من أهل الأديان الأخرى، فيفتكر أمورًا يظنها أنها توصله إلى هذه المحمدة. ما هي المحمدة؟ الرد على الخصوم وإظهار أهل الباطل. لكن هل هذا الباب على إطلاقه بأنه يبتكر شيئًا من الأمور أو من المصادر فيجعل ويناط الأمر إليه يفعل ما شاء وكيف شاء؟ لا، المؤلف رحمه الله تعالى نبه على هذه المسألة، وأن هذا الباب ليس على إطلاقه، فقال رحمه الله تعالى: «ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع، فإنك أمرت بالسكوت». فسيئة ما يتعلق بالسكوت، فالأول طلب الحيلة أنك لا تبحث وأنك لا تخترع أشياء يا عبد الله بحجة أنها تعينك على فضح الخصوم. وما أجمل ما ذكر ابن بطة رحمه الله تعالى بعبارة جميلة لطيفة تحتوي على ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة، إذ قال رحمه الله تعالى: «وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة، من الصحابة والتابعين، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإياك والتكلف لما لا تعرفه، وتحمل الرأي، والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك بدعة، وإن كنت تريد به السنة». ننظر رحمه الله إلى كلام ابن بطة رحمه الله تعالى، أن الذي ينبغي ترشد إليه وتطلع عليه المخالف مأخوذ من الكتاب والسنة، قال: ومن الآثار الصحيحة من علماء الأمة، ومن الصحابة والتابعين، هذا المرجع. ثم بين الطريقة، طريقة العرض على المخالف، أن يكون بالموعظة، لا بالعنف، لا بالتنفير، لا بالتلكيع الذي ليس منه إلا التنفير، لكن بالموعظة تكون معك هذه المصادر الشرعية من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة، تعرض على المخالف بموعظة حسنة وبالتي هي أحسن. قال: «وإياك والتكلف لما لا تعرفه وتحمل الرأي والغوص على دقيق الكلام»، أي: لا تتخذ هذه الأساليب أسلوبًا في النقاش والحوار مع المخالف. أراد ابن بطة رحمه الله تعالى أنك لا تأتي بأشياء غريبة جديدة، التعمق في الكلام، الغوص في الآراء، تتكلف بشيء أنت لا تعرفه، كل ذلك بحجة ماذا؟ أنك تريد إظهار السنة. هذا ما ينفع، عندما تبدأ عبد الله أنت ألزمت نفسك، وطنت نفسك، هيأت نفسك للدخول مع نقاش مع حوار مع المخالف، فليكن عندك استدلال شرعي من الكتاب والسنة وآثار صحيحة بأسلوب حسن. أما لا هذا ولا ذاك، وإنما عندك أقاويل وعندك كلمات وعندك أشياء ما أثرت عن سلفنا الصالح. فقال مؤلف رحمه الله: «وإياك لا تتخذ هذه الطريقة الجديدة المحدثة طريقة في دعوة الناس أو المخالف». قال: «والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك بدعة». هذا الصنع منك ما عليه طريقة سلفنا الصالح. قال: «إن كنت تريد به السنة»، أنت في نقاشك وطرحك لهذه الأشياء أردت بها السنة، لكن الطريقة غلط، فقد يصل بك إلى حد البدعة. وهذه، أخواني، يذكرنا بأشياء وقعت كذلك من بعض المحب للسنة، لو ربما يريد أن يرد على المخالف، يرد على الخصوم، فيتكر أشياء، فهذه أشياء يراها أنها تنصره، تناصره وتذب عن الدين والسنة، لكن تأول الأمور على عكس ذلك. مثال ما حدث قديمًا عند بعض المتأخرين أنهم سموا لنا ما يسمى «الفلسفة الإسلامية». الفلسفة الإسلامية رأوا أنهم خصوم كثر من المتكلمة، من الزنادقة، من اليونان، من الفلاسفة، ومن بعض أهل الكلام من علماء الكلام من المعتزلة، فأدخلوا بعض ما يسمى الفلسفة الإسلامية، فلسفة جعلها صبغة إسلامية، تدرس هذه المادة وتعرف ما عليه من المصطلحات، ثم تستغل في الرد على الخصوم. هل هذا ينفع؟ هذا ما ينفع؟ بل هذه من بدعة، هذا ما قد طريقة تبعدك عن الكتاب والسنة وعن فهم سلف الأمة، بل تجعلك في واد آخر. وكل من خاض في هذا المضمار هلك. وقد مر معنا في دروس قديمة عن بعض من خاض في هذا الباب وتعمق في مثل هذه الأسرار، فوصل به الحال إلى الهلاك. وبعض قد تغمده الله برحمته. فماذا تهاب قبل هلاكه؟ أعني توبته ورجوعه عما كان عليه من باطل. وكذلك في العصر الحالي وجدنا جماعة من الناس كانوا على السنة وكانوا على خير، ونصبوا أنفسهم في الرد على المخالف، لكن ما الذي حدث؟ أنهم أحدثوا لنا قواعد، قننوا قواعد، أتوا بما يسمونها ضوابط شرعية، قننوها، جعلوها دستورًا لأهل السنة، وألزموا أنفسهم وغيرهم بالخوض فيها والدخول فيها. وعند النظر في هذه القواعد، هو يرى أنها تدافع، وأنها تردع الخصوم، وأنها فيها منافع عن السنة، لكن في حقيقة الأمر الواضحة تجد أن هذه القواعد التي أحدثت والتي سطرت أن ترجع لمنهج السنة بالتعطيل، بالتجهيل، بالتناقض، بالاضطراب. وكم سمعنا من أمثالها، ومن المعاصرين من بعض الدعاة مما كانوا على خير، كانوا على سنة، وأحدثوا هذه القواعد، القاعدة تلو القاعدة، القاعدة تلو القاعدة، وأرادوا أن تكون دستورًا للسنة، إذ بهذه القواعد منتقضة، بل كما قد ترجع إلى قواعد عامة عند أهل السنة والجماعة بالتناقض. فأصبح هذا يشيذ بقواعده دون الإشادة بقواعد أهل السنة والجماعة، ولهذا فتح علينا أبوابًا كثيرة، كالمنهج الأفيح، ودخول الجماعات، وعدم الرد على المخالف، قواعد كثيرة سطرت، كلها تنافح وعن ماذا؟ ليست في ظهر عن سنة، بل أصبحت ماذا؟ لصالح المبتدعة. هذا لماذا؟ خروج عن المصادر الشرعية. فنحن في غناء، نحن في غناء يا عبد الله، عن تأتي بشيء جديد عن منهج أهل السنة والجماعة. عندنا الكتاب والسنة وآثار السلف، هذه الأشياء العلمية الشرعية هي التي تكون مصدرك يا عبد الله، إذا أردت ماذا؟ أن تناقش بعض المخالفين أو تتخذها حجة في الرد على المخالف. فهذه مسألة أولى، الذي ماذا ينبغي التفطن لها من أراد أن يرد عن المخالف، فعليه بالأصول الشرعية، لا إحداث، لا ابتكارات، لمثل هذه المصادر الغريبة، لا فلسفة عندنا إسلامية، ولا عندنا قواعد مستحدثة حديثة، كل ذلك ليس من ديننا، بل يخشى على صاحبها من الابتداع، كما قال ابن بطة رحمه الله تعالى. المسألة الثانية، والذي نبغ عليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهي قوله: «فإنك أمرت بالسكوت عنهم ولا تمكنهم من نفسك». لا تمكنهم من نفسك، لا تكثر يا عبد الله الجلوس مع أهل أهواء، ولو كان قصدك المنافحة والنقاش والجدال والرد عليهم، حتى بهذه النية، ابتعد يا عبد الله قدر الإمكان، ابتعد، لا تمكن أهل البدع من نفسك. لأنك في كثرة الجلوس معهم، هم لن يصبروا عليك، لا يجعلونك يكون حوار من طرف واحد. تأتي إلى مجالسهم، تدخل عليهم في اجتماعاتهم أو تتوالى على مجالسهم، ثم تحدث وتنكر، ثم تذهب، المرة الأولى لك، الثانية لك، أكثر، تسمع الرأي والرأي الآخر، نقاش، نقاش، أدب، تسمع وأسمع منك، فيدلون ما عندهم من حجج. كثرة سماع ما عند أهل البدع هذا سيؤثر. ولهذا كانت كلمة العلماء أهل السنة والجماعة على عدم الجلوس، ولو حتى للرد، ولو حتى للرد. يعني قد بينا أن الجلوس هكذا، هذا بل أوصل العلماء أن من جالسهم قد يصل به إلى البدعة، إنهم يكون متدع إذا جالسهم، مناطفة ومباسطة. لكن حتى لو جالستهم من باب الرد عليهم، في هذا الباب المنع، منعوا هذا، وهذا ذي أشار إليه مؤلف رحمه الله تعالى. قال: «فإنك أمرت بالسكوت عنهم ولا تمكنهم من نفسك». ثم استدل بأثر ابن سيرين رحمه الله تعالى، وهو من هو في فضله وعلمه ومع ذلك ما مكن المبتدع من أن يلقي كلامًا عليه رحمه الله تعالى. وعلى هذه أقوال العلماء، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «ليس السنة عندنا أن ترد على أهل الأهواء، لكن السنة عندنا أن لا تكلم أحدًا منهم». هذه السنة. ليس الشأن يا عبد الله كل شأنك ترد، وأنك تصد، لا، الشأن كل شأنك تبتعد، أنك لا تصافهم، لا تجالسهم، لا تلتقي بهم، كما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو». هؤلاء عدو، لا تتمنى لقاءهم، بل استئصلا أن يكفيك الله شرهم، وإياك وقربهم وغشيانهم. وعلى هذا، كما قال أيب السختياني رحمه الله تعالى: «لست برد عليهم أشد من السكوت عنهم». رد وأعظم رد على المبتدع أنك تسكت عنهم، تسكت عنهم، لا تبالي بهم، ولا ترفع لهم رأسًا، ولا تلقي لهم بالا، اجعلهم نكرات، اجعلهم نكرات، هذا الأصل. وقد مر معنا كيف كان من صنيع علماء السلف رحمه الله تعالى أنهم كانوا ماذا؟ يهمشون أهل البدع، يأتي الواحد يا إمام، اسمع مني كلمة، يقول: يا نصف كلمة، يا الله، ابتعد منها، يذله، يجعله في أرض هوان، وأرض مذلة، لا يمكنه من سمعه، ولا من نفسه، ولا يجعله مكانًا عليًا بأنه يلقي الكلام لغيره. لا، المبتدع إما يستمع لغيره أو يسكت، أما أنك تتكلم وتلقي كلامًا وشبهات وحجج على أهل السنة، فهذا ليس لأهل بدع أبدًا. فأُفيد في هذا، أخواني في الله، لماذا أهل السنة شددوا على أتباعهم وعلى طلابهم، بل على الناس كافة ألا ينصرفوا للمبتدع، يسير في هذا يا عبد الله؟ أن المبتدع عنده من الشبه ما لربما يستولي عليك، يستولي عليك، حتى لو كنت أنت من أنت في السنة، ولو كان عندك قوة في الرد، وفي المنافعة، لكن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. يقول كذلك ابن بطة رحمه الله تعالى في هذه المسألة: «لقد رأيت جماعة من الناس»، يعني أهل السنة، «يلعنونهم ويسبونهم، فيجالسونهم على سبيل الإنكار والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخف المكر حتى صبوا إليهم». انظر إلى النهاية، بداية: سب، يلعنونهم، يسبونهم، شدة في السنة، صلابة على الدين. قال: «فجالسوهم، لماذا؟ جالسوا، بداية الرد، للرد عليهم والإنكار عليهم، لكن كثرة الجلوس، كثرة الجلوس». كما قال: «ومن جالس جانس». كثرة الجلوس، يوم بعد يوم، يوم بعد يوم، كما يقولون: هم ما يتركونك في المجال، تسب، ثم تذهب، لا، سبنا، واسمع منا، رد الأول، رد الثاني، شبهة الأولى، شبهة ثانية. فكثرة الشبه التي تتوالى على هذا السن، الذي كان قد أنكر عليهم، تتوالى على قلبه حتى يغشاه الران. وما تظن عبد الله إلا بماذا؟ قد صب، وأصبح منهم وإليهم. حتى كما قال بعض السلف: «نقل أبو حاتم عن محمد بن السائب رحمه الله قال: كان يقول لنا: قوموا، قوموا إلى المرجئة، نسمع منهم». قال: «فما رجع حتى تعلق في قلبه منهم شيء». ذهب مستنكرًا عليهم، فما رجع إلا وقد تعلق في قلبه منهم شيء من شبههم. فحذار يا عبد الله، لن يكون هذا حالك، ابتعد، كفاك الله شر المبتدع، فلا تجالسهم حتى للرد، دع الرد للراسخين من أهل العلم، يردون كيف شاءوا، متى ما شاءوا، على ضوابط شرعية. وكم من أناس دخلوا كما قال بطة: «دخلوا مع هؤلاء، كان الشديد في السنة، لكن كثرة المجالسة والاستماع، رد، واستماع، رد، واستماع، فإذا به ماذا؟ ينقدع في قلبه ما لا يظن أن ينقدع». جهل من صفوان. كما ذكر ذلك الذهبي عن جهم، رأس الضلالة، في بداية أمره كان على خير، كان على خير، فسمعه بفرقة تسمى «السمانية» أو «السمنية»، وهي فرقة من فلاسفة الهند، من الهند، وكانوا ماديين، وكانوا لا يعبدون الله جل وعلا، وكانوا يتعبون عقيدتهم في التعبد أنهم لا يؤمنون إلا بالمادي، شيء مادي، شيء له جوهر، له يعرف، فهذا موجود، يرى، أشياء بالحواس، يعرف، هذا الذي يعبدونه. فأراد جهم أن يناقش، وأن يجادل، وإلا هو في غنى عنهم، في غنى عن هؤلاء، لا يجالسهم، ولا يمكنهم من سمعه، لكن دخل في الذي نهى عنه، فبدأ بالنقاش في إثبات وجود الله جل وعلا، فإذا بها أولى أعطاه من الشبه: قالوا: «يا جهم، ربك الذي تعبده يُسمع؟» قال: «لا، ربي لا يسمع». قالوا: «يا جهم، ربك الذي تعبده يُرى؟» قال: «لا، ربي لا يُرى». قالوا: «يا جهم، ربك الذي تعبده يُلمس؟» قال: «لا، ربي لا يُلمس». قالوا: «يا جهم، ربك الذي تعبده يُشم؟» قال: «لا، ربي لا يُشم». قالوا: «يا جهم، أنت لا تعبد ربًا، أنت تعبد عدمًا». هذا عدم عندنا، عدم، لا يُرى، لا يُشم، لا يُلمس. انظر لهذه الفكرة الخبيثة ماذا قال الذهبي: قال: «خرج جهم من هذه المناقشة والحوار، فجلس أربعين يومًا لا يصلي لله، شكا في وجود الله». هذه الأمور، أخواني في الله، تمكن سمعك، كما تمكن قلبك لأهل الأهواء وأهل المِلل، لا ما يجوز. ولهذا قد ذكرنا، أخواني، ولهذا من هذا الباب ذهب من ذهب من أهل السنة إلى عدم المناظرة، وقد مرت هذه المسألة معنا قريبًا، عدم المناظرة لأهل المِلل، لماذا؟ لأنك ستمكن سمعك منهم، لا يجوز المناظرة أبدًا، إنما يتركون. جاءك مسترشد، حيَّثه، لا، أما مناظرة فلا، لا تناظر. ولكن بعض علماء أهل السنة الذي أجاز المناظرة أجازها بضوابط، أن تكون هناك مصلحة عظمى، هناك مصلحة كبرى، وأن يكون على رجل على علم وعلى دراية، وأن يكون الذي يناظر عنده مصالح، ضيقوا، أما يجعل بابًا هكذا يأتي بعض الناس، يسمع هناك مخالف، يأخذ بدعة، فيذهب: سأناقش هؤلاء، ما هي المصلحة؟ ما هي المصلحة؟ أني دخلت المجلس الأول قد وضح، ما الذي وضح؟ أنت تدلي، وهم يدلون، وأنت الإشكال، ما الذي فاز؟ لا فاز، بل مع الاستمرار هذا الكلام الذي لا يراه مصلحة عظمى. ولأنت، كم يقال لك: لست بعين، وهو لهم ليس رؤوسًا، أما أذناب، تجالس وتجالس وتجالس، كم يقال معهم؟ ليس هناك مصلحة، بل يخشى عليهم المضرة، يتبع ذلك أنه ينقض في قلبك، بل قد رأينا من بعض إخواننا ممن كان يسمون، وهذا معظمنا بأهل المنهج وأصحاب المنهج، ابتلوا بهذه المناقشات وبهذه الحوارات وبهذه الجلوس، يبحثون بحثًا عن المخالفين، حتى ماذا؟ يتسنى أن يأخذ من حججهم. فإذا به يعطي ويعطي ويعطي، ويسمع، يعطي ويسمع، ما هي السنوات، قلاقل، حتى سمع من هؤلاء، إن حرف، وذاك ضل السبيل، وذاك اعتنق الفكرة التي سبها دهرًا من الزمن، اعتنقها وأصبح من أهلها. فحذاري، عباد الله. وكم يقال: التنبه من كلا المؤلف على أمرين اثنين: عدم تحديث وتقعيد وإتيان بشيء ما عليه سلفنا الصالح، والأمر الآخر أن لا تمكن نفسك يا عبد الله من الجلوس مع أهل الأهواء. فمن أمن، أمن من تلى، كما وقع لبعض علمائنا، فإن ذلك بقواعد، وذلك بشرود. ومن قال بالمناظرة، كم مرة؟ بقواعد وقيدات، بقواعد وضوابط ضيقة، ما تكون لأفراد الناس، وأحد الناس ينبر لهذه المسألة الكبيرة، أما يترك المجال لكل أحد يجالس المخالف، فيستمع، فيضل عن سواء السبيل، فلا يا عبد الله، فهذا ليس لك. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.