الدرس في من صحيح القصص النبوي 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي الحديث عن رجل تصدق ثلاث مرات فوقع ماله في يد سارق وزانية وغني، فحمد الله في كل مرة ولم يعترض. فأُخبر في المنام أن صدقته على السارق قد تدفعه لترك السرقة، وعلى الزانية قد تعفها عن الزنا، وعلى الغني قد تذكره بالإنفاق من مال الله، مبيناً حكمة الله في قضاءه وقدره.
توضح الصدقة أنها قد تكون سبباً لكف السارق عن السرقة واستعفاف الزانية عن الزنا، كما قد تحفز الغني على الإنفاق. وإذا وقعت الصدقة أو الزكاة في غير مستحقيها بعد التحري والاجتهاد، فإن أجرها مكتوب للمتصدق ولا يضره الخطأ، مع اختلاف العلماء في إجزاء الزكاة الواجبة في هذه الحالة.
يبيّن المقطع أن الزكاة تجزئ إن وقعت بالخطأ بعد التحري والاجتهاد لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، ويؤكد وجوب التحري في المستحقين لاختلاط الحال. ويستعرض فوائد الحديث: الحكم بالظاهر، التسليم للقضاء، إعادة الصدقة استحباباً لا وجوباً، تفضيل أهل الصلاح، وجواز الصدقة على العاصي بشرط ألا تعينه على معصية، وأن نفع الصدقة يتعدى إلى الغني فيعتبر فينفق مما آتاه الله.
توضح الفقرة أن الصدقة تعود بالنفع على المتصدق والمتصدق عليه، وأنها ذات أثر حتى لو كانت للمحتاج الغني حيث تُعتبر إنفاقاً في سبيل الله واعتباراً. ويختتم المتحدث بأن هذا ما جمعه الله تحت الحديث المذكور.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن القصص النبوي ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل: لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق! على سارق! فقال المتصدق: اللهم لك الحمد. لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على زانية! فقال المتصدق: اللهم لك الحمد على زانية. لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على غني! فقال المتصدق: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني. فأُتي، فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله». نأخذ معنى هذا الحديث وما فيه من الفوائد. يخبر النبي صلى الله عليه وسلم - وظاهر هذا الحديث عن رجل من بني إسرائيل من الأمم السابقة - أن هذا الرجل لفضل الصدقة ولعظيم أجرها نوى أن يتصدق بصدقة، فأخذ هذه الصدقة يبحث عن أحد يعطيه هذه الصدقة، وكأنه يريد أن تكون هذه الصدقة صدقة خفية لا يعلم بها أحد. فرأى رجلاً فأعطاه هذه الصدقة، فإذا بهذا الرجل سارق مشهور بالسرقة، ولا يعلم - أي المتصدق - أعطاه هذه الصدقة وهو لا يعلم أنه سارق. فعلم الناس أن هذا السارق تصدق عليه، ولا يدرون من هذا المتصدق، فأصبحوا يتحدثون - مثل ما يقال يعني حديث المجالس - قالوا: سمعتم البارح السارق فلان في أحد تصدق عليه. يعتبرون هذا يعني شيء غير صحيح: كيف سارق ويتصدق عليه وهو سارق فاجر فاسق؟ فعلم هذا الرجل المتصدق أن صدقته ذهبت إلى سارق، فمن حرصه على الصدقة وكذلك لعله أن يوفق إلى مستحق لها قال: لأتصدقن بصدقة ثانية. فخرج بهذه الصدقة فوجد امرأة فأعطاها هذه الصدقة، فإذا بهذه المرأة مشهورة عند الناس أنها ماذا؟ أنها زانية. عرف الناس أنه الليلة تصدق على زانية، فتحدثوا بذلك في الصباح، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على زانية. فعلم هذا الرجل فقال: اللهم لك الحمد. وقوله: اللهم لك الحمد، أي أن الأمر لله عز وجل، فأنا أكره أن تقع صدقتي في يد سارق أو في يد زانية أو في يد غني، أكره ذلك لأنهم لا يستحقونها، فهو يحمد الله على كل حال لأن ذلك بما أراد الله، فإن إرادة الله كلها جميلة. ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم - وذكر ذلك الحافظ في الفتح - أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئاً لم يعجبه قال: «الحمد لله على كل حال». إنسان يحمد الله على الزين والشين كما يقال: الزين والشين، لأن من الله، لأن هذا كله من الله سبحانه وتعالى. فقوله: الحمد لله، يعني أن هذا أمر أراده الله، فله الحمد على قضائه وعلى تقديره سبحانه وتعالى، لا اعتراض للعبد على إرادة الله سبحانه وتعالى. هذا هو مراده بقوله: اللهم لك الحمد. المهم، لما علم أنه تصدق على زانية، يعني مصر أنه يوصل هذه الصدقة لمستحق، فتصدق للمرة الثالثة، فقال: لأتصدقن بصدقة. فخرج فوجد رجلاً فأعطاه هذه الصدقة، فإذا بهذا الرجل - هو لا يعلم، متصدق لا يعلم - فإذا بهذا الرجل غني، ما هو محتاج لهذه الصدقة وليس من أهل الصدقة، غني. فتحدث الناس، عرفوا أن اليوم الليلة تصدق على غني، قالوا: تصدق الليلة على غني. فعلم هذا الرجل المتصدق فقال: الحمد لله على سارق وعلى زانية وعلى غني. ثلاث مرات لم يوفق في إيصال هذه الصدقة لمستحقها، فأُتي، قيل: أُتي، أي في المنام أتاه آت في المنام، فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، يعني لا تأسى ولا تحزن أن هذه الصدقة وقعت في يد سارق، فالصدقة نفعها متعد، ومن نفعها المتعد أن هذا السارق لربما دعاه إلى السرقة فقره وقلة ذات يده، فهو سرق من أجل أن يتحصل على شيء يدفع به الفقر، فلما تصدق عليه يقول هذا السارق: الله أغناني، الله ما عد أحتاج أن أسرق، فتكون هذه الصدقة سبباً لكف هذا الرجل عن السرقة، وكذلك ترك هذه الجريمة وهذه الكبيرة وهي السرقة. فإذا صدقتك لها فائدة ولها نفع فلا تحزن ولا تأسى. هذا بالنسبة للسارق. وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، لأن المرأة لربما ما تلجأ إلى هذا الأمر، وإن كان هذا ليس مبرراً لها، ولو أكلت التراب لا يجوز لها أن تبيع عرضها، ولكن ربما لضعف إيمان بعض النساء تلجأ إلى ذلك، كما في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، ماذا قال الثاني؟ قال: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها أشد ما يحب الرجال النساء، وكنت أراودها عن نفسها فتأبى بعفتها وخوفها من الله، قال: حتى ألمت بها سنة - يعني ألمت بها حاجة فقر حاجة - قال: فراودتها عن نفسها على أن أعطيها مئة وعشرين درهماً فوافقت، قال: فلما جلست منها مجلس الرجل من زوجته، وفي لفظ: فلما جلست بين شعبها الأربع، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فتركتها وتركت لها المال، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه». فالشاهد من هذا أن النساء ربما تلجأها الضرورة، وإن كان هذا ليس مبرراً لها، بل يجوز لها حينئذ أن تسأل الناس إذا اضطرت، تسأل الناس ولا تبيع عرضها، لكن لضعف إيمانها لربما تقع في ذلك، فلما يتصدق عليها لربما هذه الصدقة تكون سبباً في تركها للزنا، في تركها للزنا، لأن الأمر الذي تريده قد أتاها بالحلال وهو المال، وهو المال. فإذن هذا نفع الصدقة، لا تيأس إذا تصدقت ولا تدري، ولم تتحر ما تحريت ولا كذا، أو تحريت لكن بششت ووقعت صدقتك في من لا يستحقها، فلا حرج عليك، أجرك على الله، أجرك على الله، لأنك بذلت وسعك وجهدك في إيصالها لمستحقها. وأما الغني، قيل له: وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله، عنده مال ولكن لا يخرج هذا المال ولا يتصدق به، فلما يعطى من الزكاة أو من الصدقة يقول: سبحان الله، أنا من أهل الأموال والغنى، ويتصدق عليه، فلربما هذا يكون دافعاً وحافزاً له على الاعتبار وينفق في سبيل الله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذا الحديث، والحديث فيه فوائد كثيرة: منها: فيه دليل على أن الإنسان إذا نوى الخير وسعى فيه وأخطأ، فإنه يكتب له ولا يضره، لا سيما مع الاجتهاد وكذلك التحري، فإذا وقع بعد ذلك في خطأ فلا يضره ذلك، فأجره على الله. مثال: بعض الناس يسأل، يقول: مثلا يأتيني سائل يقول: أنا محتاج، ما أدري هل هو محتاج أو لا، فأعطيه، ثم يتبين أنه نصاب، كما وقع في كثير المساجد، بعض الناس يأتون يسألون، وربما يقلد أنه أعرج أو أنه مكسور الرجل أو أنه أعمى، ثم يتبين بعد متابعته أنه ليس فيه أي عاهة ولا أي مرض، وإنما هو التلصص، فالناس قد أعطوه، كيف الآن حكم هذه الصدقات؟ حكم هذه الصدقات أنها تكتب لأصحابها، يجدون عليها من الأجر لأنهم أنفقوا بنية الصدق، وكذلك النفع وهذا وقع في نيتهم، فلا يضرهم بعد ذلك ما وقع من خطأ. وكذلك مثلاً: إنسان يخرج الزكاة ولا يدري، فهل إذا وقعت هذه الزكاة في يدي من لا يستحقها يلزمه أن يخرج زكاة أخرى؟ أنت الآن تزكي، طيب لتحريت، رأيت أن فلاناً فقير أو محتاج فأعطيته، ثم قال لك الناس: هذا عنده أموال، هذا رجل غني. لكن بعض الناس عندهم جشع وعندهم طمع، فلا يتحرون في أمره قبول الزكوات، ربما يقبل أي شيء ولو كان لا يستحق. طيب، لو وقعت زكاتك على إنسان لا يستحق بعد التحري وبعد كذلك السؤال ونحو ذلك، هنا اختلف العلماء: هل تجزي هذه الزكاة الواجبة أو لا تجزي؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها لا تجزي، لأن الحديث ورد، قالوا: هذا الحديث ورد في صدقة التطوع. وبعض أهل العلم قال: بل تجزي، لأن الحديث عام وليس صريح أنه في صدقة التطوع، ما في هناك يعني دليل على أنه في صدقة التطوع، وإنما الأعمال بالنيات. وهذا الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، وهو الأقرب، إلا إذا كان من باب يعني الصدقات الزائدة أو من باب كذلك أنه يريد أن يبعد عن نفسه الخلاف الوارد بين أهل العلم، فإذا أعاد فلا ينكر عليه أحد، إذا أعاد الزكاة لا ينكر عليه أحد إذا كان من هذا الباب. أما من ناحية الإجزاء فإن شاء الله تعالى يجزئ، لهذا الحديث ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». أنت نيتك أن تعطيها مستحقها، فإذا وقعت بعد التحري وبعد الاجتهاد وبعد التبين فأخطأت في ذلك، فلا حرج عليك إن شاء الله، وزكاتك صحيحة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه، فأنت تحكم بالظاهر. لكن الآن في أمر الزكوات وفي أمر الصدقات لاختلاط الحابل بالنابل، ولي سؤال من لا يستحقها لها، فالواجب على المتصدق أن يسأل وأن يتحرى، وأن يتحرى، وأن يعطيها من هو متأكد من فاقته وفقره وحاجته، ولا يعطيها من لم يعرفه أو من لم يتبين في أمره، هذا هو الأضمن في وقوع الصدقة موقعها. ومن فوائد هذا الحديث: فيه التسليم والرضا بالقضاء، وحمد الله، وتفويض الأمور لله عز وجل. انظر إلى هذا الرجل تقع صدقته في غير موضعها وهو يقول: الحمد لله، رضا وتسليماً بما قدر الله عز وجل. وكما مر معنا، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى شيئاً لم يعجبه قال: «الحمد لله على كل حال». في السراء والضراء، في الزينة والشينة، في كل أمور العبد يجب عليه أن يحمد الله، لماذا؟ لأن الله عز وجل هو الذي يقدر له ذلك ويقضي له ذلك، وأنت مؤمن ترضى بقضاء الله وقدره، وأنت تقول في دعائك: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فمن الرضا بالله رباً أن ترضى بجميع قدره، وهو ركن من أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره، خيره وشره، حلوه ومره. فهذا أيضاً من فوائد هذا الحديث. وفيه أيضاً: إعادة الصدقة إذا لم تقع موقعها، وهذا قلنا من باب الأفضلية وليس من باب الوجوب، على الصحيح من أقوال أهل العلم، على الصحيح من أقوال أهل العلم. فهذا الرجل ما هدأ له بال، تصدق المرة الأولى والثانية والثالثة حتى أُنس بهذه الرؤية التي تبين له أنه على نيته، وأن له أجر صدقته، وأن له أجر صدقته. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: يدل على حرصهم على وضع الصدقة في يد أهل الخير لا في يد الفساق والفجار، ويؤخذ ذلك من تكراره للصدقة، لما تصدق أولاً على سارق أراد أن يتصدق على غيره من أهل الصلاح، السارق ربما يكون من أهل الحاجة، من أهل الحاجة، لكن غيره ممن هو من أهل التقوى والصلاح يستعين بهذا المال على الطاعة، فهو أحرى وأحق بالصدقة، بالصدقة، إن كان هذا الذي من أهل الخير والصلاح مستحقاً. نعم، وفي هذا الحديث أيضاً: تجوز الصدقة على العاصي، تجوز الصدقة على العاصي إن كان مستحقاً فقيراً، لكن اشترط العلماء شرطاً في إعطائه للصدقة أو للزكاة، ما هو هذا الشرط؟ ألا تكون هذه الصدقة عوناً له على المعصية، ألا تكون هذه الصدقة عوناً له على المعصية. مثلاً: إنسان أسرة تعرف أن أباهم يخزن قاتاً في اليوم بخمس آلاف أو بأربع آلاف، فإذا أعطيته، أعطيته هذه الصدقة، أخذ هذا المال وذهب سوق القات واشترى قاتاً، هذا لا يجوز أن تعطيه. طيب، قد يقول قائل: إذن أيش؟ هو محتاج، أهله يشتكون، فيقال: أعطي زوجته أو أحد من أقاربه العقلاء، عمها وأخوها وكذا، قل له: هذه صدقة حق فلان، شوف لكم صدقة، ما نريده يعني يشتري بها قاتاً أو يخزن بها، لا نريده أن يؤكل أهله وأن يضعها في شيء نافع، فلا بأس بهذا، فلا بأس بهذا. ولا شك أن الصدقة على أهل الخير والصلاح مضمونة، يضمن المتصدق أن هذا ما سيستخدمها إلا في الخير، إلا في الخير. وفي هذا الحديث أيضاً: أثر الصدقة المتعد، انظر حتى الغني لما يتصدق عليه ينتفع بهذه الصدقة، كيف ينتفع بهذه الصدقة؟ كما جاء في الحديث قال: فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله. والصدقة فيها منافع كثيرة، فيها منافع كثيرة للمتصدق وللمتصدق عليه، ومن ذلك حتى لو كانت الصدقة على الغني ففيها نفع، وفيها أثر، وفيها أثر وهو الاعتبار، الاعتبار فينفق في سبيل الله سبحانه وتعالى. هذا ما يسر الله عز وجل جمعه تحت هذا الحديث، وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.