الدرس في من صحيح القصص النبوي 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أرسل النبي ﷺ بسيسة بن عمرو رضي الله عنه يتجسس على قافلة أبي سفيان، ثم نادى الصحابة للخروج فاعترضوا طريق القافلة بمن تيسر من المهاجرين والأنصار. نجا أبو سفيان بالقافلة عبر طريق آخر، لكن قريشاً أصرت على الخروج لقتال المسلمين رغم سلامة تجارتها.
استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل القتال، فتكلم المقداد بن عمرو باسم المهاجرين مبايعاً على الطاعة المطلقة، وتكلم سعد بن معاذ باسم الأنصار مؤكداً نصرتهم في كل مكان. سر النبي صلى الله عليه وسلم بتأييدهم الكامل واطمأن إلى وحدة الصف.
تضرع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بدر حتى بدا بياض إبطيه، وبشر أصحابه بالنصر ووعدهم بالجنة، فاندفع عمير بن الحمام قاتلاً حتى استشهد مستعجلاً لقاء ربه. انتصر المسلمون وقتلوا سبعين من المشركين وأسروا مثلهم، وسماها الله يوم الفرقان لعظم أثرها.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى كثرة الفوائد والعبر في الغزوة والحديث المذكورين، ويؤجل تفصيلها للدرس القادم مراعاة للوقت. يختم بالدعاء بطلب العلم النافع والعمل به، والصلاة على النبي ﷺ.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن صحيح القصص النبوي ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله، قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا». فجعل رجال، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، إلا من كان ظهره حاضراً». قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبق المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه». فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». يقول عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال عمير: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» قال عمير: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنك من أهلها». فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال عمير: «لئن أنا حييت حتى آكل تمرات هذه إنها لحياة طويلة». قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل. هذا الحديث فيه طرف من أحداث غزوة بدر، وغزوة بدر الكبرى كانت في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وكما هو ظاهر في هذا الحديث أن سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر إنما هو اعتراض قافلة لقريش، ما كان يريد القتال، فأرسل بسيسة، وبسيسة هذا يعني يقال له بسيس بن عمر ويقال ابن بشر، وهو من الأنصار، فبعثه عيناً، ومعنى عيناً أي متجسساً ورقيبا على العدو على هذه القافلة. فجاء هذا الرجل بخبر قدوم قافلة لقريش، والقافلة هي الركاب المحملة بالتجارة والبضائع من أرض الشام، فكان مرورها بالقرب من بدر، وكان قائد تلك القافلة قافلة قريش أبو سفيان قبل أن يسلم، لأنه سيأتي معنا أنه أسلم في الفتح، وقيل قبل الفتح لكن كان متسترا بإسلامه في مكة. ف جاء هذا بسيسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول أنس: وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله، كان الأمر فيه سرية، وأنس كان خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: لا أدري ما استثنى بعض نساء، يعني هل يوجد بعض نسائه في البيت أو لا، فإنه لم يستثنِ. فجاء أبو سيسة هذا وحدث النبي صلى الله عليه وسلم، أخبره بشيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة من المهاجرين والأنصار فتكلم معهم، وقال: «إن لنا طالبة»، ومعنى طالبة أي شيء نطلبه، شيء نطلبه ونذهب لطلبه وللبحث عنه، «فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا»، ومعنى من كان ظهره حاضرا أي من كانت دابته التي تركب جاهزة وموجودة الآن فليركب معنا ويأتي معنا، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الصحابة بالخروج في هذا الخروج لأنه ما أراد القتال، إنما أراد اعتراض القافلة، أراد اعتراض القافلة، فخير الصحابة: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة، قالوا: نحن معنا يعني ركاب وإبل جاهزة لكنها بعيدة منا في أعالي المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، لا نحتاج لمن كان بعيدا، إلا من كان ظهره حاضرا الآن موجود وجاهز». طال فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بمن كان ظهره حاضرا، وقد جاء في كتب السير أن عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، قيل ثلاثمائة وخمسة عشر، قيل ثلاثمائة وسبعة عشر، وقيل ما بين ذلك. فسبقوا إلى بدر من أجل اعتراض القافلة، لكن أبو سفيان لخبرته ومعرفته بالطريق ووصول خبر إليه بخروج النبي صلى الله عليه وسلم لاعتراض القافلة، أرسل إلى قريش: «أن أدركوا قافلتكم، أن أدركوا قافلتكم»، فتجهز المشركون. فبينما هم يتجهزون إذ جاء خبر من أبي سفيان أن لا حاجة لقدومكم، فإن القافلة قد نجت، أي أن أبا سفيان اتخذ طريقا آخر ونجى بالقافلة من أن يعترضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فلما وصل الخبر إلى المشركين فإنهم أصروا على الخروج، قالوا: هذا يعترض قافلتنا، لا بد أن نخرج لقتالهم، لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكما وصفهم الله: ﴿خرجوا بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾. حتى قال أبو جهل: قال والله لا نرجع حتى نبلغ بدرا ونقيم فيها ثلاثا، ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا. فأصر على الخروج، فخرج المشركون، وكان عددهم قرابة الألف. كما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض كتب السير: بعث من يستقصي عدد المشركين من العيون، فقال له: كم ينحرون في اليوم؟ قال: قدر عشر من الإبل، فقدر الواحدة يأكل منها المئة، الواحدة يأكل منها المئة، فقال: عددهم نحو الألف، نحو الألف، وهو عدد مضاعف لعدد المسلمين، المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر، والمشركون ألف. ولكن الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾، والله مع الصابرين، والله مع الصابرين. المهم، لما علم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقدوم المشركين بعددهم وعدتهم وبكذلك كبرهم وبطرهم، استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على قتالهم: هل نقاتلهم أو نرجع؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هو عليه الصلاة والسلام أكثر الخلق إصابة ومعرفة وعلما، ولكنه عليه الصلاة والسلام يمتثل أمر ربه القائل له: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يشاور أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم الصحابة، فقام المقداد بن عمرو رضي الله تعالى عنه، وهو مهاجر من المهاجرين، فقال كلمته عن المهاجرين، فقال رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، امض لما أمرت به، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾، ﴿إنا هاهنا قاعدون﴾. ثم قال له هذا، ما زال الكلام للمقداد بن عمرو: قال: فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه. وبرك الغماد هذا موضع بعيد من المدينة، يضرب فيه المثل في بعد الشيء، في بعد الشيء. نحن الآن، نحن الآن مثلا واحد يريد أن يضرب مثالا لبعد الشيء، يقول: سألاحقك، سألاحقك حتى إلى أمريكا، يعني دليل على أن أمريكا تبعد عنا كثيرا، يعني تبعد عنا كثيرا. وهكذا العرب من أهل المدينة كانوا يضربون المثل عن بعد الشيء بهذا الموضع يسمى برك الغماد. فهذا الصحابي الجليل مقداد بن عمرو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لو حتى تريدنا أن نذهب إلى هذا الموضع البعيد لجالدنا معه، بمعنى تحملنا كل عناء وكل مشقة حتى نبلغ هذا المكان، لجالدنا معك دونه حتى تبلغه، أي حتى تصل إليه. فانتهى المقداد بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها الناس»، لأنه يعني من الآن يعني الأنصار، يريد أن يعرف رأي ومشورة وكلمة، وكلمة الأنصار. فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا علي أيها الناس». ففهم، ففهم الأنصار ذلك، وقالوا: إنما يريدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقام مندوبا عن الأنصار وهو سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وألقى، وألقى كلمته، فقال سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: «إني لأقول نحن الأنصار»، قال سعد بن معاذ: «إني لأقول عن الأنصار، إني لأقول عن الأنصار»، يعني أنا كلامي كلام كل أنصاري، فأنا مندوب عنهم. «إني لأقول عن الأنصار: صل حبل من شئت»، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا فيه تابع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك». فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك. الله أكبر، انظر إلى التفاني وكذلك المحبة لهذا الدين ولنصرة هذا الدين من قبل الأنصار رضي الله تعالى عنهم، والأمر كما وصفهم الله عز وجل في كتابه، قال سبحانه وتعالى: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. فرضي الله تعالى عنهم. فهذا سعد بن معاذ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا واحد، ما تخلف منا واحد. سبحان الله. ثم قال له: وما نكره أن نلقى عدونا غدا، يعني ليس بنا كراهة، ليس بنا جزع أو خوف من أن نلقى العدو غدا. ثم قال له: إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك. والأمر كما ذكر، وصدق رضي الله تعالى عنه، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار ما قرت به عينه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول الأنصار، لأنه ظن عليه الصلاة والسلام إنما بايعوه على أن يمنعوا أنفسهم وأموالهم في بلدهم، وهو الآن خارج بلدهم، فأكدوا له رضي الله تعالى عنهم أن منعهم له ونصرته في كل مكان وفي كل آن. فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وسر بقول سعد بن معاذ حتى استنار وجهه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين». وفسرت الطائفتين: إما بنيل القافلة والتمكن منها، وإما بالنصر على المشركين، فالأولى فاتت، فبقيت الثانية وهي النصر على المشركين. فقال لهم: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم». وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير إلى بعض الأماكن ويقول: «هذا مصرع فلان»، أي من الكفار، «هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان»، يحدد أماكنهم عليه الصلاة والسلام. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، في تلك الليلة بات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متضرعا داعيا لربه سبحانه وتعالى، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها وخيلها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فلا يزال متضرعا إلى الله عز وجل حتى بالغ في رفع يديه، وهذه كيفية من كيفيات دعاء المضطر، حتى بدا بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام، وحتى سقط الرداء من على كتفيه من شدة رفع اليدين والتضرع. فشفق عليه صديقه الحميم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فيأخذ هذا الرداء ويمسح عليه التراب، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «كفاك يا رسول الله مناشدتك لربك». نعم. فيخرج النبي صلى الله عليه وعليه وسلم بعد ذلك إلى أصحابه، وقبل ذلك غفى غفوة عليه الصلاة والسلام، ثم استيقظ فرحا مسرورا، وأخذ كفا من تراب وقال: «شهت الوجوه»، فوقع هذا التراب في أعين المشركين فلم يروا شيئا، وجاءت الملائكة، نزلت الملائكة تقاتل مع المسلمين. وفي هذا الموقف قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه كما في هذا الحديث: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، أي من قاتل حتى قتل فإن جزاءه أن يدخل هذه الجنة العظيمة كما وصفها الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾، ﴿عرضها عرضها عرضها عرضها كعرض السماء والأرض﴾ الآية. ولما سمع هذا القول الصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري، قال مستغربا: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ شف على إيمان، انظر على إيمان ويقين، يسمعون هذه الأخبار من النبي صلى الله عليه وسلم حتى وكأنهم يرون ذلك بأعينهم من قوة يقينهم بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الصحابي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ فقال الرسول عليه وسلم: نعم. فقال عمير: بخ بخ، وهذه كلمة تقال لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير، وتعظيمه في الخير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمير: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» لماذا قلت هذا؟ فقال عمير: لا والله، يعني ليس لشيء، لشيء أنني لا أرغب في هذه الجنة أو أنني لا أصدق ما تقول، وإنما قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها، يعني إلا رجاء أن أكون من أهل هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض. فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من عمير قال: «فإنك من أهلها». الله أكبر، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بها. فأخرج تمرات من قرنه، يعني من ثوبه، نعم، فجعل يأكل منه استعدادا للقاء العدو وتقويا للجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. ثم قال عمير: الآن معه مجموعة من التمر يأكلها، أكل بعضها، ثم قال في نفسه: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة»، كم ستأخذ مني هذه التمرات من وقت؟ خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، يعني أنتظر حتى يمر هذا الوقت، لصارت هذه الحياة طويلة مقابل ما سألقى عند الله عز وجل من تلك الحياة الأبدية، الحياة السرمدية، ألا وهي دخول الجنة ونيل هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض. هذا معنى كلامه. فرمى بما كان معه من التمر، رمى بها، ثم قاتلهم حتى قتل. فقاتل المسلمون المشركين، ونصر الله عز وجل أهل الإسلام، فقتل من المشركين سبعون رجلا منهم، قتل من المشركين سبعون رجلا، وأسر سبعون، وفر البقية مدبرين، أذل صغار، نعم، أذل حقيرين، وأعز الله عز وجل أهل الإسلام. وسمّى الله سبحانه وتعالى هذه الغزوة بيوم الفرقان، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾، المراد به هذه الغزوة، كما في تفسير، كما في تفسير هذه الآية. لماذا سماها يوم الفرقان؟ لأن هذه أول غزوة حاسمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والطغيان، فلما انتصر المسلمون صار لأهل الإسلام هيبة، بل ومن كان في نفسه شك أو تردد في الإيمان من أهل المدينة كانت هذه الغزوة سببا في إسلامه، وفي كذلك يقينه بما وعد الله سبحانه وتعالى. فصارت هذه الغزوة نصرا عظيما لأهل الإسلام. وهذه الغزوة وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة وعبر عظيمة وعظات كثيرة، لعلنا في الدرس القادم نأخذ هذه العظات والعبر، لانتهاء الوقت، ولا نحب أن نشق عليكم، لعل بعضكم يحب أن يقرأ القرآن، فنكتفي بهذا اليوم. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.