الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع حديث البخاري عن استراق الجن للسمع عند قضاء الله الأمر، وكيف ترميهم الشهب فتحرق من تصيب، فيلقى الناجي الخبر إلى الكهان الذين يخلطون الحق بمائة كذبة فيصدقهم الناس.
يستعرض المقطع توقيت استراق السمع قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها ورمي الشياطين بالشهب، ثم يبين سماع الملائكة لكلام الله عند القضاء ويرد على الجهمية النافين لسماع كلام الله مستدلاً بسماع موسى وكلام الملائكة.
يؤكد المقطع أن كلام الله غير مخلوق ومن قال بخلقه فقد كفر، وتخضع الملائكة لسماعه خضوعاً عظيماً، ويوضح كيفية خدمة الجن للسحرة والكهان مقابل الشرك والكفر، مختتماً بذكر ظاهرة في المآذن ودعوة للاشتراك.
الحمد لله، والعالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين». قال: حدثنا علي بن عبد الله المديني، أبو الحسن رحمه الله، إمام العلم، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، وهو ابن خالد المخزومي، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصلى. يبلغ به النبي، أي: يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. هناك عبارات استخدمها الصحابة رضي الله عنها، منها هذه الكلمة: «يبلغ به» أو «يرفعه». فقال: إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو «يبلغ به النبي عليه الصلاة والسلام»، أنه قال: «إذا قضى الله بأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كالسلسلة على صفوان». قال علي: وقال غير صفوان: ينفذهم ذلك. والصفوان هو حجارة المنساة، كأنه على حجارة منساة. السلسلة على صفوان: مثل السلسلة تسقط عن الصفوان. قال: «فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير». قال: «فيستمع مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا: واحد فوق واحد». وصف سفيان -رحمه الله- ووصف سفيان بيده، وفرجى أصابع يده، ونصبها مع بعض، وخوق بعضه في بعض، هكذا: كل واحد فوق الثاني. مسترقو السمع: أي من الجن. قال: «فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه». وهذا من حكمة الله، جنى جنى، أيضاً كذلك تدبيره سبحانه وتعالى لخلقه. ولما يحفر في هذا القوم، ممكن أن شهاباً يقع في الجن فيحرقه قبل أن يرميها إلى صاحبه، وممكن أنه لا يقع فيه إلا بعد أن يرمي هذه الكلمة إلى صاحبه. قال: «وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يرموها، وحتى ينهوها إلى الأرض». وربما قال سفيان: «حتى تنتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق، أو يصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا؟ فوجدناه حقاً». يعني: يضرون إلى هذا، لا يضرون للكذب الذي وضعوه فيه. أحياناً مثلاً يقول: السحر في المكان الفلاني، هذا الذي معه، ثم بعد ذلك يضعها في أناس يريد أن يفتن بينهم، فيقول مثلاً: هذا السحر وضعه فلان، وجاء به فلان، وآذاه فلان، فيضروا ناساً لأجل أن يوقع بينهم الفتنة. وغالباً أول الناس الذين يبتدرهم يكونون من أهله، لأجل أن يوقع بينهم الفتنة. فلذلك تجد أن الناس يصدقون بالكلمة الصحيحة التي سمعوها: ألم يقل لنا يوم كذا، وأن السحر موجود في مكان كذا وهكذا؟ قال: للكلمة التي سمعت من السماء. وحدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: «إذا قضى الله الأمر»، وزاد: «هو الكاهن». وحدثنا سفيان، فقال: قال عمرو: سمعك عكرمة، قال: حدثنا أبو هريرة. أنا كأن حاضنا سفيان، أو علي المديني، سمع سفيان في عدة مجالس، قال: «إذا قضى الله الأمر»، وقال: «على فم الساحر». أنا في رواية قال: «على فم الكاهن». قلت لسفيان: أنت سمعت عمرو؟ قال: سمعت عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة، قال: نعم. قلت لسفيان: إن إنساناً روى عن عكرمة، عن أبي هريرة، ويرفعه، أنه قرأ: «فزع» أو «فزع فزع»؟ أنا بهي التخصيص. قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، ولا أدري سمعه هكذا أم لا. قال سفيان: وهي قراءة قراءتنا، أي قراءة أهل الحجاز. فهذا الحديث في استراق السمع: «إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين». فاستراق السمع من هؤلاء الشياطين والجن، كما وصف في هذا الحديث، وبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يأخذون الكلمة التي يسمعون من السماء. وقد كان الناس، أو كانت الجن، تطوف في كل مكان وتستمع لحفظ السماء، ولا يلقى عليهم شهاب. فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رُموا بالشهب، كما قال الله عز وجل على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾. فكان قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تفلتوا من الشهب، ولا يرمون بالشهب، وإنما صار الآن، فبعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع ذلك إلا أن هؤلاء الجن لم ييأسوا. وانظر إلى جدهم في الباطل، لم ييأس الجن، بل أنهم استمروا على فعلهم. أي هؤلاء شياطين، أتباع إبليس، فإنهم لم ييأسوا، ولم يخافوا أن يقع فيهم إحراق فوق هذا، إلا أنهم استمروا على عملهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قضى الله الأمر في السماء»، أمر الله عز وجل بأمره، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله. وهذا معنى ذلك: أن الملائكة تسمع كلام الله جل وعلا. هذا فيه رد على أهل البدع، الجهمية وغيره، الذين يقولون: أن كلام الله نفسه لا يسمع، ولا تسمعه الملائكة ولا غيرهم. وإنما قالوا: أن الله عز وجل يخلقه في الهواء، ومنهم من قال: هذا كلام مريدية، ومنهم من قال: أن الله يلقنه على قلوبهم. وهكذا من هذا الهذيان، ولا دليل واضح في سماع الملائكة لكلام الله، وسماع موسى نبي الله لكلام الله جل وعلا. ولهذا ضربوا في كلام موسى، لما كلمه الله عز وجل، يسمع كلام الله. فمنهم من قال: أنه إنما سمع كلام الشجر، أو أن الله عز وجل خلق الكلام فيه. منهم من قال: خلقه الشجر، ومنهم من قال: أن الشجر هي التي تكلمت. ومن هذا الكلام الباطل: هل الشجر ستقول: يا موسى، إنني أنا الله؟ وهل الهوى سيكون هذا؟ أو هل الملائكة سيكون مثل هذا الكلام؟ فلا شك أنه لا يستطيع أحد أن يكون مثل هذا الكلام إلا الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. لهذا أثر عن السلف، ذكر الإمام البخاري في خلق أفعال العباد، عدة آثار عن السلف، من حماد بن زيد، وعن سفيان الثوري، وقبلهم كذلك أتباع التابعين، قالوا: من قال: أن قوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مخلوق، فهو كافر. أن الذي يقول هذا: أن هذا الكلام مخلوق، هذا لا شك في كفره، وتكذيبه للقرآن، ونسب نسبة مثل هذا الكلام إلى غير الله، هذا كلام باطل. فلذلك لما تكلم الله عز وجل، تسمعه الملائكة، وتخضع بأجنحتها. وهذا يدل على أن الملائكة لهم أجنحة، مثل ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل، له ست مائة جناح، قد سد الأفق، كما جاء في صحيح البخاري في حديث جابر. قال: «خضعاناً لقوله، كالسلسلة على الصفوان». الصفوان، كما قلنا، هو الحجارة الملساء. عندما تضع حجارة، أو سلسلة على حجارة الإنساء، كلها تسرع بسرعة. وأكد الملائكة: إذا سمعت كلام الله، خرّت إلى الأرض. قالوا: قال غير السلسلة: ينفذهم ذلك. «حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير». فهذا الكلام الذي يلقى في السماء، تسمعه، أو تسترق الجن، مثل هذا الكلام. فإن رمي أحدهم بالشهاب، فيموت قبل أن يلقيه إلى صاحبه، وإن لم يدركه إلا بعد ذلك، فذلك أيضاً يلقيه إلى صاحبه، حتى تصل للأرض، تصل إلى فم الساحر أو الكاهن. ثم يتوارد الجن بينهم وبين، أو ما أتى إلى الذي يريده، فيقع. وهذا أيضاً في تعاون الجن والإنس، واستمتاع بعضهم ببعض: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. قال: أن أفضل، وخالدين، فهم استمتاع بعضهم ببعض، وانتفع بعضهم ببعض. ولهذا الجن غالباً لا يخدم إنسياً إلا إذا له كل ما من المسلم، فلا يخدم إنسياً إلا إذا خدمه المسلم. إما أنه يجعله يشرك بالله، أو يجعله يعبد، أو يجعله لأن يكذبه في أشياء، أو يجعله يكفر بالله، لا يصلي، ولا يصوم، وأيضاً يفعل أشياء كفرية من الإلحاد، أو غير من هذه الأشياء التي أرادها إبليس من هذا الإنسان. ثم تجد أنه يخدمه. فلذلك السحرة تجد أنهم غالباً لا يصلون، ومن صلى منهم تجده يصلي ويقف، وغالباً أيضاً في ذلك إذا صلى، إنما يصلي مع الناس لأجل الناس، لكنه في ما بينه وبين هذا الشيطان فإنه يكفر بالله جل وعلا، ويفعل الأشياء الكفرية. بدون علم أن بعض الناس جهلة، يبتلى جاء، لكنه جاحد بدين الله، تجده يصلي، يذهب إلى المسجد ويصلي، لكن مع شيطان يأتي بالكفر، ويسب، وسب دين الله، ويأتي بالكفر. هذه الأفعال التي تكفر، رضا لهذا الجن، ويأتي ويأتي. تجده مثلاً في بعض المآذن، تجده في بعض المآذن وغيرها، فكل ذلك إغضاء لأصحاب من الجن. طيب، إن شاء الله تعالى، هذا ما يذكر في هذا الحديث. الله تعالى، اشتركوا في القناة.