الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 75، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر المقطع أن من أعمال الملائكة غير المذكورة ملكاً موكلاً بالجبال كما في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع ملك الجبال في العقبة. كما أن ملائكة تحرس أنقاب المدينة ومكة فتحول دون دخول الدجال والطاعون وتخرج المنافقين عند محاولة الدجال دخول المدينة.
يذكر المقطع نوعين من الملائكة: ملائكة سياحون يبلغون النبي صلى الله عليه وسلم سلام أمته أينما كانوا. وملائكة تجلس على أبواب المساجد يوم الجمعة لتسجيل المصلين الأوائل حتى صعود الإمام المنبر ثم تطوي صحفها.
يحث المتحدث على التبكير لصلاة الجمعة لأن الملائكة تسجل الحضور بالأولوية، ويبين أن الخطيب يحصل على أجر المبكرين لجواز حضوره مع الخطبة. كما أن الدعوة إلى الهدى والعلم النافع من الأعمال الباقية بعد الموت، ومعرفة أعمال الملائكة كحمل السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تدفع المسلم للمبادرة بالطاعات.
يذكر المقطع أن الملائكة تحرس مكة والمدينة، مما يجعل السكن فيهما مستحباً للنجاة من فتنة الدجال الذي لا يدخلهما. ويحث العلماء على الإقامة في هذين الحرمين للاستفادة من حراستهما الإلهية، ومن تيسر له ذلك فلا يحرم نفسه هذا الفضل.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: كما وعدنا قلنا: إن أعمال الملائكة وهكذا أنواعهم باعتبار ما هيأهم الله له ووكلهم به، هذه أعمال كثيرة جداً، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في خاتمة هذا الجواب: ﴿ وَمِنْهُمْ غَيْرُ مَا ذُكِرْ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾. فمما لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أعمال الملائكة: هناك ملائكة موكلة بالجبال، وهذا يدل عليه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل مر بك يوم هو أشد عليك من يوم أحد؟» قالت رضي الله عنها: فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فنظرت إلى السماء فإذا في جبريل، فقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما أجابوك، وإن الله قد بعث معي ملك الجبال لتأمره بأمرك وما أردت». فسلم عليه ملك الجبال وقال له: «إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». فهذا الحديث دل على أن هناك ملكاً موكلاً بالجبال، لقول جبريل: «وإن الله قد بعث معي ملك الجبال». وأيضاً من أعمال الملائكة: هناك ملائكة على أنقاب المدينة ومكة يحرسونهما، فلا يدخلها الدجال ولا يدخلها الطاعون، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال». والمراد بأنقاب المدينة: طرقها وأفجاجها ومداخلها، فالملائكة عليها حراس. وعلى مكة والمدينة حراس، لا يستطيع الدجال إذا خرج أن يدخلها. وقد جاء في حديث آخر وهو كذلك في الصحيح: أن الدجال يريد أن يدخل المدينة، فيصل إلى مكان بالقرب منها، فترجف المدينة رجفة شديدة، فيخرج إليه المنافقون، يخرج إلى الدجال المنافقون، ولا يستطيع أن يدخلها، فتبقى المدينة محمية، وكذلك خالية من أهل النفاق. وهكذا من هؤلاء الملائكة: ملائكة سياحون في الأرض يبلغون نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم سلام أمته، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغونني من أمتي السلام». فإذا سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كنت من مكان بعيد، ولو كنت بالأندلس أو بما هو أبعد من ذلك، فسلامك يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن طريق هؤلاء الملائكة، نعم، الذين جعلهم الله عز وجل يبلغون نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم سلام أمته. والحديث رواه أحمد والنسائي، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وهكذا هناك ملائكة تجلس يوم الجمعة على الأبواب، أبواب المساجد، يكتبون الأول فالأول: جاء أول واحد، رقم واحد فلان بن فلان، رقم اثنين فلان بن فلان، وهكذا. إذا دخل المسجد ألف مصلي يكتبون هؤلاء، بشرط أن يكون دخولهم قبل صعود الإمام على المنبر. فإذا صعد الإمام على المنبر وجلس، طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر. فمن جاء بعد ذلك لا يكون في هذه السجلات، لا يكون في هذه السجلات، حرم نفسه الأجر والفضل. ولا شك أن الأجر والفضل يكون بحسب تبكير هذا الداخل إلى المسجد، فالأول له أجر عظيم، كما جاء أيضاً في طرق بعض هذا الحديث وهو في صحيح البخاري: «من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» أو كما جاء في الحديث. فشاهدون من هذا الحديث أن هناك ملائكة تجلس على أبواب المساجد، وهذا جاء في صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول». قال العلماء: وهؤلاء الملائكة غير الملائكة الكتبة، هؤلاء خاصون بهذا العمل، أما الملائكة الكتبة فهم يكتبون كل شيء، لكن هذا عمل خاص كلفوا به وأمروا به. فهذا يدعو معاشر الإخوة طلاب العلم جميعاً أن نبكر لصلاة الجمعة. نبهني بعض الإخوة أن هذا المسجد مسجد طيبة، لربما تأتي الساعة الحادية عشرة ولا يكمل الصف الأول، لا يكمل الصف الأول، الطلاب وأهل البيوت، القليل من يبكر إلى المسجد، وهذا خلاف السنة، هذا خلاف السنة، وأنتم أهل سنة وأهل كذلك علم وأهل حرص على تعلم العلم، فلا بد من العمل، فباكروا إلى صلاة الجمعة، ففيها هذا الفضل العظيم، ولا تحرموا أنفسكم مثل هذه الأجور العظيمة. وكما تقدم معنا أنه في معرفة وفي كذلك التعرف على أعمال الملائكة فوائد كثيرة، ومنها مثل ما ذكرنا الآن: إذا علمت أن هناك ملائكة تسجل الأول فالأول، ألا تحب أن تكون من الأوائل؟ ما تحب أن تسجل من أول الناس؟ هؤلاء الملائكة يسجلونك من الأوائل ممن يحظون بالأجور العظيمة. فهذا لا شك أن من عرف مثل ذلك، ومن استشعر مثل هذه الأعمال، هذه المعرفة تدعوه وتشجعه وتحثه على التبكير إلى المسجد في يوم الجمعة، إذا لم يكن خطيباً. أما إذا كان خطيباً فالسنة، كما هو من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه يأتي مع الخطبة فيصعد المنبر، هذه السنة في حق الإمام، السنة في حق الإمام. قد يقول قائل، وقد سئل بعض أهل العلم هذا السؤال: هل يتحصل الخطيب على أجر المبكر؟ نعم، يتحصل على أجر المبكر، لماذا؟ لأن الشرع أباح له وأجاز له أن يأتي إلى المسجد مع الخطبة، وفضل الله واسع، فلا شك أن الخطيب أجره عظيم. ومن أجر الخطيب أنه يدعو الناس إلى الخير وإلى الهدى وإلى الإيمان، وهذا لا شك أن فيه فضل عظيم: «من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً»، والدال على الخير كفاعله. وكذلك هذا من العلم، التذكير، وكذلك الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا من العلم الذي ينتفع به صاحبه بعد موته، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها علم ينتفع به». فأشهد من هذا أن معرفة مثل هذه الأعمال تجعل المسلم يعمل مثل هذه الأعمال ويحرص عليها. مثلاً الحديث الذي في أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغون أمتي السلام، فتكثر من السلام على النبي عليه الصلاة والسلام حتى يبلغ سلامك إلى حبيبك عليه الصلاة والسلام. انظروا إلى أثر معرفة مثل هذه الأعمال للملائكة. كذلك إذا علمت أن هناك ملائكة حراساً على مكة والمدينة، تحرص على السكن فيها، ولذلك استحب العلماء السكن في مكة أو في المدينة لهذه الأحاديث ولغيرها من فضائل مكة والمدينة. فإذا خرج الدجال كنت في مأمن من فتنته، لأنه لا يدخل مكة ولا المدينة، لا يدخلهما، فتكون في مأمن بحراسة الملائكة لهما. فهذا لا شك أنه يدعوك إلى مثل هذه الأعمال، إن تيسرت لك. إنسان تيسر له السكن في مكة أو في المدينة والعيش في تلك الأماكن الطيبة، فلا يعني يحرم نفسه ذلك، لا يحرم نفسه ذلك، فهذا من أثر معرفة مثل هذه الأعمال التي يقوم بها الملائكة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله أعلم.