الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 740، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث ابن عمر رضي الله عنهما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند أخذ مضجعه، ويبين طرق تخريجه وتصحيحه على شرط البخاري. كما يشير إلى أن هذه الصيغة تشمل نوم الليل والنهار.
يفسر المقطع معنى «أخذت مضجعك» في الأذكار مبيناً أنه عام لنوم الليل والنهار، ويستعرض دعاء الحمد لله على الكفاية والإيواء والطعام والشراب. ويربط ذلك بفضل قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة وأنهما تكفيان القارئ من كل شر.
يبيّن المقطع أن الغنى الحقيقي يتمثل في الأمن والسكن والقوت والعافية كما ورد في حديث اليحصبي، ويوضح آداب الحمد عند النعمة وعند المكروه. ويذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتراف بربوبية الله وملكيته لكل شيء والتعوذ من النار عند النوم.
كان النبي ﷺ يدعو عند أخذ مضجعه: «باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وهذا الدعاء يُعد من الأذكار النبوية عند النوم يطلب فيه الرحمة والحفظ من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: داود سليمان بن الأشعث بن بشير السِّجِسْتَانِي. قال: حدثنا علي بن مسلم، قال: أخبرنا عبد الصمد، قال: حدثني أبي - ابن الصمد بن عبد الوارث التنوري، عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التنوري - قال: حدثني أبي، وهو عبد الوارث، وهو من حفاظ أهل البصرة إلا أنه تُهِم بالقدر، لِقَوْلِ القَدَر. وعبد الصمد ينفي عن أبيه أنه كان يقول بالقدر. قال: حدثني حسين، وهو المعلم حسين بن ذكوان المعلم، قال: عن ابن بريدة، وهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب، كان قاضياً في خراسان، قال: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الحمد لله الذي كفاني وآواني، وأطعمني وسقاني، والذي منَّ عليَّ فأفضل، والذي أعطاني فأجزل. الحمد لله على كل حال. اللهم رب كل شيء، ومليكه، وإله كل شيء، أعوذ بك من النار». قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. والحديث أخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حسين - يعني المعلم - به. وهذا كما ذكر الشيخ: صحيح على شرط البخاري. قال: وأخرجه أبو يعلى، فقال: حدثنا أبو خيثمة، والزبير بن حرب - أو النسائي - قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حسين به. فهذا الحديث فيه ذكر من أذكار النوم، والذي قد يكون أهمله كثير ممن ألف في الأذكار. فهذا الحديث يقول ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا أخذ مضجعه. وأن إذا أراد أن ينام. وهذه الصيغة استدل بها بعض العلماء على أن ما جاء بهذه الصيغة يقال في نوم الليل ونوم النهار؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أطلقه، فقال: «إذا أخذت مضجعك»، مثل ما قال البراء: «إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك» إلى آخر الحديث. فقوله هنا: «أخذت مضجعك»، أو «أخذ مضجعه»، المراد به: إذا أراد أن ينام، ولم يذكر هل هو نوم الليل أو نوم النهار. فمثل هذه الأشياء إذا جاءت مطلقةً بلا تقييد فإنها تحمل على العموم. ومنها من العلماء من قال: إنه يحمل على نوم الليل؛ لأنه الأصل، والذهن يتبادر أول ما يقال «مضجعك» إلى نوم الليل؛ لأنه الأصل. لكن الأفضل كما قلنا، وقد قاله النووي وغيره: على أنه عام، على أن هذا عام سواء كان نوم الليل أو نوم النهار. وهذا يدل عليه لفظ «مضجع»؛ لأن الإنسان يضطجع في الليل أو في النهار. كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الحمد لله الذي كفاني». ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم: «أن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فقد كُفِيَ»، أو «إذا قرأها في ليلة فقد كُفِيَ». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقد كُفِيَ». ومعنى «كُفِيَ»: أي أنه كُفِيَ من الشر. لكن من أي شر؟ قالوا: إنه عام، كُفِيَ من كل شر. بل بعض العلماء يقول: إنها عام من هذا أنها تكفي، أي: ورده بالليل تكفي في ورده بالليل، قراءته بالليل، وتكفي أيضاً قيامه، وتكفي أيضاً كل ما كان عليه؛ يكفيه أنه يقرأ آيتين من آيات من آخر آية من آخر سورة البقرة، أو الآيتين اللتين من آخر سورة البقرة: «آمن الرسول بما أنزل إليه...». فقال: «الحمد لله الذي كفاني وآواني». وقد جاء في صحيح مسلم أنه قال: «لما قال: وآواني، وكم من إنسان غير مكفي ولا مأوى». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «أنا كم من إنسان لا... ليس بمكفي، بل الشر واقع فيه، وليس أيضاً له مأوى يأوي إليه؛ إما أنه منقطع، وإما أنه جاء عن فقير فليس له مأوى يأوي إليه، أو أنه مثلاً مسجون في مكان، أسير أو غير ذلك، فهو لم يجد مأوى». قال: «الحمد لله الذي كفاني وآواني وأطعمني وسقاني». فهذا أيضاً من شكر الله عز وجل، أو شكر العبد لربه جل وعلا. نبي صلى الله عليه وسلم يشكر الله عز وجل على هذه النعم: الكفاية، والإيواء، والإطعام، والإسقاء. هذا الذي يريده العبد في الدنيا، هذا الذي يريده العبد في الدنيا: أن يجد كفايته، يكفيه الله عز وجل من كل شر، ويجد مأوى، ويجد مطعم، ويجد سقاء. فهذا من أعظم ما يجده من النعمة. ولهذا لما قال ذلك الرجل المهاجري لعبد الله بن عمر: «إن عندي بيتاً، وعندي... إن عندي بيتاً وزوجة»، قال: «أنت من الأغنياء». قال: «وعندي خادم»، قال: «أنت من الملوك». ما في الصحيح المسلم: «قال: أنت من الملوك». مادام أن هناك عندك خادم يخدمك. وقد شكا إليه هذا المهاجري الفقر وأنه لا يجد المال وكذا، فأخبره عبد الله بن عمر أن هذا غنى: الذي يجد السكن، ويجد الطعام والشراب، ويجد المأوى، ويطمئن في ذلك في بلده. فهذا نعمة عظيمة. في حديث اليحصبي: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصبح آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». فهذه الأشياء إذا كانت عنده فهذا خير عظيم: أنه عنده قوت يومه، وهو آمن في بلده أو في المكان الذي هو فيه، وكذلك معافى في جسده، ليس عنده أمراض وابتلاء. فهذا نعمة عظيمة. قال: «والذي منَّ عليَّ فأفضل». أنا بعد هذه النعم أيضاً الله عز وجل يمنّ على عباده بأشياء أعظم من هذا، وهي من الإيمان والهداية إلى الصراط المستقيم وغير ذلك. قال: «والذي أعطاني فأجزل»: أن أعطاني أشياء كثيرة. «الحمد لله على كل حال». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا إذا أعطي شيئاً لم يسر؛ فإذا كان شيء يسر قال: «الحمد لله»، وإذا لم يسر قال: «الحمد لله على كل حال». قال: «اللهم رب كل شيء ومليكه». وهذه العبارة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث؛ لأن هذا اعتراف من العبد أن الله عز وجل مالك كل شيء، وكل شيء بأمره، وكل شيء تحت تقديره سبحانه وتحت مشيئته، فهو مالك الأشياء حقيقة. وقد جاء في صحيح مسلم أيضاً أنه كان يقول مثل هذا في دعائه عند النوم. حديث أبي هريرة: قالوا: «إله كل شيء، فأعوذ بك من النار». يتعوذ من النار؛ لأن النائم ممكن أن تذهب نفسه، ويمسك الله عز وجل نفسه، وهو قد تعوذ والتجأ إلى الله عز وجل من النار. «الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى». كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». فهذا من الأدعية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها إذا أخذ مضجعه. صلوات الله وسلام عليه. هذا ما يُذكر، والله تعالى أعلم.