الدرس في كتاب البيوع 23، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام كما ورد في حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويشرح الحكمة من وراء هذا التحريم.
يناقش هذا الفصل تحريم بيع الميتة وأجزائها، ويستعرض آراء ابن القيم وتفسيره لحديث النبي حول تحريم بيع الشحم، مع مناقشة اختلاف العلماء في فهم الحديث.
يتناول هذا الفصل حكم الانتفاع والبيع بالنجاسات، ويناقش آراء الفقهاء في بيع جلود الميتة بعد دباغها وعظامها، مع استعراض أدلة الجواز والمنع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع، من باب العرايا وغيره: وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو بمكة عام الفتح: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطل بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: «لا، هو حرام». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه». قال الإمام عبدالغني: «جملوه» أي أذابوه. وتحريم هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث مما أجمع العلماء عليه. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير وشرائها، واختلفوا في الانتفاع بسعر الخمر. فمنعه بن سيرين والحكم ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق، ورخص فيه الحسن البصري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف. قوله رحمه الله تعالى: «حرم بيع الخمر»، الخمر معروف، والميتة والخنزير والأصنام. قوله: «والأصنام»، قيل: هي الأوثان، وقيل: الصنم غير الوثان. وعلى هذا: الصنم ما كان مصورًا من حجر أو نحاس أو غيرهما. العلامة مختلفون في الصنم: هل هو الوثان أم أنه غيره؟ فمنهم من قال: إن الصنم هو الوثان، ومنهم من فرق بينهما. فما هو الفرق؟ قالوا: الصنم ما كان مصورًا من حجر أو نحاس أو غيرهما، والوثان ما كان غير مصور. وقيل: الوثان ما كان جثة من خشب أو حجر أو جوهر أو ذهب أو فضة ونحو ذلك، سواء كان مصورًا أو غير مصور. وصنم: صورة بلا جثة. وذكر هذا الإمام النووي رحمه الله في "المجموع". وقال في يوم في "مصباح المنير": الصنم يقال هو الوثان المتخذ من الحجارة أو الخشب. ويروى عن ابن عباس: يقال الصنم المتخذ من الجواهر المعدنية التي تذوب، والوثان هو المتخذ من حجر أو خشب. وقال ابن فارس: الصنم ما يتخذ من خشب أو نحاس أو فضة. قال: والجمع أصنام. وقال ابن عبدالبر في "التمهيد": الصنم هو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التماثيل، وكل ما يعبد من دون الله فوثان، وكل ما يعبد من دون الله فوثان، فوثان صنمًا كان أو غير صنم. وكان العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع مثل ذلك. قوله: «فجملوه» كما ذكر الإمام عبدالغني، أي أذابوا الشحم، واستخرجوا ذهنه. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد": فاجتمعت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول، ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاءً خبيثًا، وأعيان تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك. يعني الأول: مشارب الخمر، والثاني: المطاعم الخنزير والميتة، والثالث: التي تفسد الأديان الأصنام. فجاء الشرع في النهي عن هذه الأمور الثلاثة والأجناس الثلاثة. وهذا من جوامع الكلم من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها، وهو الخمر؛ لأنه يفسد العقل، فيجعل الإنسان أشبه ما يكون بالمجنون. قال: وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها، يعني سواء كان الخنزير أو كانت الميتة. قال: والغذاء الخبيث شبيه بالمقتل؛ يعني الإنسان يتغذى بشيء، أثر ذلك الشيء فيه. وهذا كما هو معلوم. ولعله عندكم أعلم وأكثر ممن يكون في بلاد الغرب ممن يأكل الخنزير، قالوا: يكون مبتلى بالدياثة؛ بسبب أن الخنزير ماذا؟ ديوث. فيبتلى بالدياثة، والعياذ بالله. وهذا فيه دلالة واضحة إلى أن الله جل وعلا لا ينهى إلا لحكمة سبحانه وتعالى، لا ينهى عن أشياء إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فهو ينهى لحكمة ولمصلحة عظيمة وجليلة. ولكن من الناس من يعقل ذلك عن ربه جل وعلا فينتفع، ومنهم من يعقل ولا ينتفع، ومنهم من لا يعقل ولا ينتفع. قالوا: بالثالث الأديان عما يوضع لإفسادها، وهي الأصنام. قال: فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان؛ بقيت الأبدان والأموال. قال رحمه الله: فأما تحريم بيع الخمر فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر، مائعًا كان أو جامدًا، عصيرًا أو مطبوخًا. فيدخل فيه عصير العنب وخمر الزبيب والتمر والذرة والشعير. والعسر والحنطة واللقمة الملعونة؛ لقمة الفسق. فإن هذا كله خمر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه؛ إذ صح عنه قوله: «كل مسكر خمر، كل مسكر خمر». قوله رحمه الله تعالى: «واللقمة الملعونة»، الله أعلم أنها كانت في زمنه رحمه الله تعالى شيء يؤذي إلى الإسكار، شيء مطعوم، لكنهم يسببون الإسكار وذهاب العقل. وكأنه أشبه ما يكون في هذه الأيام بالمخدر، المخدرات. سواء كانت الحشيشة، الحشيشة كانت معلومة عندهم، وتكلم عليها الشيخ السلام الرتيمية، وتكلم عليها كذلك الإمام ابن دقيق العيد وغيرهم، تكلموا عن الحشيشة وعلى حرمتها؛ أنها محرمة لأنها تذهب العقول، وكذلك المخدرات؛ لأن المعنى فيها موجود كالمعنى في الخمر، بل أشد. أي أن المخدرات عند من علم المخدرات أو سمع بها وقرأ عنها يرى أنها تفسد خلق الإنسان تمامًا، بل ربما رمته في مستنقعات الرذيلة، والعياذ بالله، فيصير كالبهيمة، بل يصير أشد وأشد. البهيمة ربما تنزهت عن أشياء، أما هو فيصير بسبب ذلك المخدر لا يدري بنفسه، كل يوم هو في شأن من الشر والفساد والرذيلة، والعياذ بالله. فالحاصل أن المعنى فيه موجود، فيلحق فيه بالحكم، يلحق فيه بالحكم، بل هو أشد وأضر، لذا التعدي في المخدرات والشر في المخدرات أشد من الخمر. ومع هذا عندنا النص العام كما قال رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، كل مسكر خمر». قال رحمه الله: «وكل مسكر خامر»، هو كما في مسلم من حديث ابن عمر، جاء بنحوه من حديث عائشة أيضًا عند مسلم، وجاء كذلك من حديث أبي موسى وجابر بنحوه. هذا اللفظ: «كل مسكر خامر، وكل خامر حرام». قال: وصح عن أصحابه رضي الله عنهم، الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أن الخمر ما خامر العقل. ما هو الخمر؟ قال: أن الخمر ما خامر العقل. قال: وأنه إذا لم يتناوله لفظه، أي على سبيل الفرض، يعني كما يقول العلماء: أن الخمر ما خامر العقل على سبيل النشوة، وعلى سبيل الطرب. قال رحمه الله تعالى: قال: وأنه إذا لم يتناوله لفظه، أي على سبيل الفرض. ذاك لو كان «كل مسكر خمر» لا يتناول على سبيل الفرض، وإلا فإن كل من ألفاظ العموم، لكن يقول: على سبيل الفرض. يقول: لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكمًا بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشرب؛ فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه. أي: لو فرض أن ليس ثم حديث نص في المسألة بأن كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر، لكان القياس الصحيح ماذا يدل عليه؟ ويأخذ حكم الخمر بالقياس الصحيح الذي استوى فيه العلة، وطابقت العلة؛ يعني في الفرع العلة في الأصل. قال رحمه الله تعالى: يعني من جميع الوجوه. فكما ذكر رحمه الله تعالى: يعني على ما ذكر رحمه الله تعالى في أن العلة الإسكار، وما أسكر قليله فكثيره حرام. فيدخل فيه كل ما فيه مادة السكر، وكل ما أسكر كثيره، فيكون قليله ماذا؟ يكون قليله حرام. فيدخل ذلك كل ما كان فيه هذا المعنى من الأدوية، وكذلك من العطور. من الأدوية ومن العطور؛ إذا لم تستحل إلى مادة غيرها، وكان كثيرها يسكر. يعني بهذا القيود: يعني تكون مثل الأدوية التي فيها مادة الكحول كما يقولون، أو مادة المسكر. تكون محرمة بأمور أو بشروط. الأمر أو الشرط الأول: أن يبقى ذلك الشيء المسكر فيه؛ إذا تناول كثيره صار مسكرًا. أما إذا لم يسكر لا كثيره ولا قليله، فإنه ليس بمسكر. الأمر الثاني: أنه إذا كانت النسبة ضئيلة جدًا، بحيث أنها تتلاشى ولا يكون لها أثر، تتلاشى ولا يكون لها أثر، كذلك لا تكون معتبرة؛ بسبب تلاشيها، وبسبب عدم ظهور أثر فيها. وهو ما يعبر عنه العلماء رحمهم الله تعالى بمسألة الاستحالة: أن النجاسة إذا استحالت فإنها تكون طاهرة. الشيء إذا أصابته نجاسة واستحال؛ بمعنى تحلل وتغير وخرجت النجاسة أو ذهبت عين النجاسة، فإنه يكون طاهرًا. والله تعالى أعلى وأعلم. وكما ذكر: جاء في الحديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، كما في حديث جابر بن عبدالله عند البيهقي وغيره. وبهذا المعنى أفتت اللجنة الدائمة؛ اللجنة الدائمة أفتت بهذا المعنى، أي في الأدوية أو كذلك العطور التي فيها شيء من الكحول والمسكر؛ إذا بقيت على ما هي عليه، فلم تتلاشَ، وأسكر كثيرها، فإنها تحرم، ويشملها حكم الخمر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة، سواء مات حتى أنفه أو ذكي ذكاه لا تفيد حله. ويدخل فيه أبعاضها أيضًا. يعني الآن ابن القيم يتكلم عن ميتة: من هي الميتة أو ما هي الميتة؟ يقول رحمه الله تعالى: وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة. يقول: سواء مات حتى أنفه -وهو المعلوم من طبع الذهن- مات بغير تذكية، أو ذكي ذكاه لا تفيد حله. ذكي ذكاه لا تفيد حله؛ وذلك له صور: إما أن يذكى من مذكى غير معتبر، من مذكى غير معتبر؛ كأن يذبح مثلا الشاة بسكين ويسمي الله، ولكن من مشرك، ولكن من مشرك، فهي تكون ميتة. أو يكون التذكية في شيء لا تنفعه التذكية؛ كالسباع مثلا يمسك سبعًا فيذبحه، ويقول: بسم الله، ما حكم هذا؟ يكون كذلك ميتة. لذا قال رحمه الله: «ذكي ذكاه لا تفيد حله»؛ لا تفيد حله، أي وإن ذكي؛ فإن التذكية لا تنفعه، ولا تخرجه عن كونه ميتة. قال: ويدخل فيه أبعاضها أيضًا. ويدخل في الميتة كذلك أبعاضها. وقول: «ويدخل فيه أبعاضها»، أي أن بعض الميتة يدخل في جملة الميتة. وقد يراد به: ويدخل فيه أبعاضها؛ أبعاضها بأن يقال: بأن ما قطع من البهيمة وهي حي فهو ميت؛ بمعنى رجل قطع من البهيمة كما كان العرب يفعلون، ربما قطعوا سنامًا أو قطعوا شيء من البهيمة فأكلوه، فما حكم هذا؟ الجواب: أنه ما قطع من البهيمة فهو ميت. قال رحمه الله: ولهذا استشكل الصحابة رضي الله عنهم تحريم بيع الشحم؛ الصحابة كما جاء في الحديث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت شحومها؟» فيقول: «لا هو حرام». قال ابن القيم: لهذا استشكل الصحابة رضي الله عنهم تحريم بيع الخمر؛ مع ما لهم فيه من المنفعة. كما ذكروا: فإن نفعل ونفعل فيه. قال: فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرام؛ أنه حرام، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة. وإن ذكروا ما فيه من المنفعة. قال: وهذا موضع اختلف الناس فيه؛ لاختلاف في فهم مراده صلى الله عليه وسلم. يعني اختلف العلماء في فهم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا هو حرام»: هل هو عائد إلى البيع أو عائد إلى الأفعال التي سألوه عنها؟ أي: هل هو عائد إلى البيع أو عائد إلى الانتفاع بها؟ إلى البيع أو إلى الانتفاع بها؟ قال ابن القيم رحمه الله: فقال شيخنا -أي ابن تيمية-: قال: هو راجع إلى البيع؛ هو راجع إلى البيع؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة، قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا، يعنون: فهل ذلك مصوغ لبيعها؟ فقال: «لا هو حرام». فقال: «لا هو حرام». قال ابن القيم رحمه الله: كأنهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز؛ أي في جواز البيع، لا في جواز الانتفاع. قال: كما طلب العباس رضي الله عنه تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز، فلم يجبهم إلى ذلك. فقال: «لا هو حرام»، أي البيع. وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها. وقال: هو حرام، ولم يقل: «هي». وقال: هو حرام، ولم يقل: «هي»، أي لم يقل: «هي حرام»، ولكن قال: «هو حرام». قالوا: لأنه أراد المذكور جميعه. الآن كأن هؤلاء يشكل عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا هو حرام»؛ لأن «لا هو حرام» مشعر بأنه عائد إلى البيع، إلى البيع. فقالوا: لم يقل: «هي حرام»؛ لأنه أراد المذكور جميعه، أراد المذكور، ولم يرد البيع، ولكن أراد المذكور جميعه؛ أي لم يرد منفعة دون منفعة. قالوا: ويرجح قولهم: عودة ضمير إلى أقرب مذكور. قالوا: ويرجح من جهة المعنى: أن إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها. واضح. وذكر أيضًا مرجحات أخرى. وذكر أيضًا مرجحات أخرى. وفي الأخير قال: ومن رجح الأول: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما حرم من الميتة أكلها». إنما حرم من الميتة أكلها. قال: وهذا صريح في أنه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل؛ كالوقيد، وسد البثوق، ونحوهما. والحديث بهذا اللفظ رواه الدارقطني وغيره عن ابن عباس، ورواه مسلم بلفظ: «إنما حرم أكلها»، أي في حديث شاة ميمونة. في حديث شاة ميمونة؛ حينما قال لهم صلى الله عليه وسلم: «هل أخذتم إهابها؟ فدبقتموه؟» قالوا: «إنها ميتة». فقال: «إنما حرم أكلها». قالوا أيضًا: والخبيث إنما تحرم ملابسته باطنًا وظاهرًا؛ كالأكل واللبس. وأما الانتفاع به من غير ملابسة؛ فلأي شيء يحرم؟ قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر: علم أن السؤال إنما كان منهم عن البيع؛ وأنهم طلبوا منه -أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن يرخص لهم في بيع الشحوم؛ لما فيها من المنافع، فأبى عليهم، وقال: «هو حرام». واختار ابن القيم قول شيخ الإسلام أيضًا؛ رجح قول شيخه رحمه الله. وهذا أيضًا هذا الترجيح والاختيار هو كذلك اختيار الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى جميعًا. الشيخ محمد بن صالح العثيمين يقول: وهو الأظهر؛ يعني اختاره، والأظهر هو ما ذكره، والأظهر هو ما ذكره؛ أنه إنما هو عن البيع؛ لماذا؟ ذكر صريحًا وواضحًا في حديث ابن عباس في قصة شاة ميمونة: «ألا لانتفعتم بإهابها؟» قال: «إنما حرم أكلها». ومعناه مفهومه: أنه ماذا؟ أما الانتفاع به فجائز؛ أما الانتفاع بها فجائز. ذكر هاهنا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فائدة أو قاعدة؛ قال: وهي أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع؛ فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به. بل لا تلازم بينهما؛ فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع؛ كما دلت على هذه الدلالة الكثيرة في دباغ جلود الميتة؛ يعني جوز النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بها، ولكنه حرم البيع. وها هنا مسائل: وها هنا مسألة؛ وهي: ما كان من النجاسات ينتفع بها؛ ما كان من النجاسات ينتفع بها؛ كالسرقين -أي السمد- نسميه السمد. تعرفون السمد؟ السمد هو ما يستخدم من روث الحيوان؛ أبقار وما شابه ذلك في الأرض، يسمى السمد. فالآن مسألة: ما كان من النجاسات ينتفع بها؛ كالسرقين -أي السمد النجس- كعذرة الإنسان ونحوه من النجاسات؛ فهل يجوز الانتفاع بها أو بيعها؟ أم لا؟ ذهب الجمهور إلى جواز الانتفاع بها. الجمهور ذهب إلى جواز الانتفاع بها. وهل يجوز بيعها؟ ذهب إلى جواز بيعها بعض أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة. وممن صرح بذلك: ابن الماجشون وابن القاسم. وأما أشهب -أي من المالكية-: فقال: في الزبل المشتري أعذر فيه من البائع؛ مشتري أعذر فيه من البائع؛ يعني يعني في ماذا؟ في اشترائه. المشتري معذور، لكن البائع ليش يبيعه؟ كان يقول: فالإثم على البائع دون المشتري. قال: وذهب ابن عبدالحكم إلى منع البيع مطلقًا؛ وأنه حرام. قال ابن القيم رحمه الله: وهذا هو الصواب؛ أنه لا يجوز بيعه مطلقًا؛ لأنه نجس. قال: وأن بيع ذلك حرام؛ وهذا هو الصواب؛ وأن بيع ذلك حرام. قال: وإن جاز الانتفاع به؛ يقول: فالانتفاع به شيء، وبيعه شيء آخر. وهذا كذلك ترجيح لعلامة محمد بن صالح العثيمين؛ كما في كتاب "الشرح الممتع". وهذا مبنى على ما ذكر القاعدة المذكورة: أن ما حرم بيعه جاز الانتفاع به. أو بمعنى آخر: أن الانتفاع باب الانتفاع أوسع من باب البيع؛ أوسع من باب البيع. يعني هذا شيء، وهذا شيء آخر. يعني ذكر أي: ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كتتمة القاعدة المذكورة وتوضيح القاعدة المذكورة سابقًا؛ قال رحمه الله تعالى: المقصود أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها؛ في غير ما حرم الله انتفاع بها؛ في غير ما حرم الله ورسوله منها؛ كالوقيد، وإطعام الصقور، والبزاه وغير ذلك. وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد؛ وعلى جواز عمل الصابون منه؛ وعلى جواز عمل الصابون؛ أي من هذه النجاسات؛ أي يجوز الانتفاع بها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ويدخل في تحريم بيع الميتة: بيع أجزائها التي تحلها الحياة؛ تحلها الحياة وتفارقها بالموت؛ كاللحم والشحم والعصب. قال: وأما الشعر والوبر والصوف؛ فلا يدخل في ذلك؛ لأنه ليس بميتة؛ لأنه ليس بميتة. قال: فلا يدخل في ذلك؛ لأنه ليس بميتة؛ ولا تحلها الحياة. إذن ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الكلام يفرق بين أجزاء ما كان محرمًا؛ بين أجزائه التي تدخلها الحياة؛ وبين أجزائه التي لا تسري فيها الحياة. قال: وكذلك قال الجمهور من أهل العلم: إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة؛ إذا كانت من حيوان طاهر. قال: هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والثوري وداود وابن المنذر والمزني. ومن التابعين: الحسن، ومن سيرين، وأصحاب عبدالله بن مسعود. قال: وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها؛ واحتج له بأن اسم الميتة يتناولها؛ كما يتناول سائر أجزائها. واستدل الجمهور بأدلة؛ منها ما رواه أحمد بإسناد الصحيح عن ابن عباس؛ قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة ميتة، فقال: ألن تفعتم بإهابها؟» قال: «وكيف هي ميتة؟» قال: «إنما حرم لحمها». وقد تقدم أن هذا في صحيح مسلم. قال ابن القيم: وهذا ظاهر جدًا في إباحة ما سوى اللحم؛ في إباحة ما سوى اللحم والشحم والكبد والطحال والإلية كلها. قال: داخلة والإلية كلها داخلة في اللحم؛ كما دخلت في تحريم لحم الخنزير. قال: ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن والضفر والحافر؛ فإن الصحيح طهارته؛ كما سنقرره؛ لماذا؟ لما تقدم من أن أجزاء منفردة لا تدخلها الحياة. طيب مسألة: هل يدخل في تحريم بيعها في تحريم بيعها بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدباغ؟ لشمول اسم الميتة لذلك. قال ابن القيم رحمه الله: الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله واستعماله؛ كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». وهذا الحديث رواه أحمد وغيره؛ أحمد وأبو داود وابن حبان من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح. وفي اللفظ الآخر: قال: «إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». وهذا كذلك رواه أحمد وغيره عن ابن عباس، وإسناده صحيح. قال: فنبه على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله؛ على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله. قال: وأما الجلد إذا دبغ؛ فقد صار عينًا طاهرة ينتفع به؛ في اللبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال؛ فلا يمتنع جواز بيعه. قال: وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه يجوز بيعه. واختلف أصحابه؛ فمنهم من قال: إنه يطهر طهارة ظاهره دون باطنه. وقال بعضهم: لا يجوز بيعه وإن طهر ظاهره وباطنه على قول الجديد. وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو إحالة؛ يعني الدبغ إذا دبغ الإهاب؛ فقد طهر. هل الدبغ إزالة للنجاسة؟ إزالة للنجاسة. أو إحالة؛ أي يستحيل من شيء إلى آخر؟ قالوا: فإن قلنا: إحالة؛ أي استحال الجلد من جلد إلى شيء آخر. قالوا: جاز بيعه؛ لأنه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى. وإن قلنا: إزالة؛ أي إزالة النجاسة بالدباغة. قال: لم يجوز بيعه؛ لماذا؟ قالوا: لأن وصف الميتة هو المحرم لبيعه؛ واضح؛ لأنه ميتة. وإن زالت النجاسة، ولكنه لأنه ميتة؛ فيدخل في عموم الحديث: «نهى عن بيع الميتة». قال: وذلك باجتهاد لم يستحل. قال: وبنوا على هذا الخلاف: جواز أكله؛ جواز أكله. ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقًا، وتحريمه مطلقًا، والتفصيل بين جلد المأكل وغير المأكل. إن أكله مطلقًا إذا قالوا: استحالة. وتحريمه مطلقًا إذا قالوا: إزالة. والتفصيل بين جلد المأكل وغير المأكل على ما ذكر: هل جلد المأكل طاهر أو ليس بطاهر؟ وغير المأكل هل نجس أم لا؟ المهم على المسائل المتعلقة فيه: ما تقدم في مسألة ما كان متصلًا بالطاهر؛ بالمأكل وغير المأكل. قال ابن القيم رحمه الله: والقول بجواز أكله باطل؛ مخالف لصريح السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الميتة؛ فيدخل فيه جميع أجزاء الميتة. قال: وكون الدبغ إحالة باطل حسن؛ فإن الجلد لم يستحذ ذاته وأجزاءه وحقيقته بالدبغ؛ بل هو باق على أنه جلد؛ فيقال: هذا جلد هذه الميتة أو هذه البهيمة. لا يقال: أنه غيره؛ أنه تغير من شيء إلى آخر؛ صار شيئًا آخر. قال: وعن مالك روايتان: أحدهما يطهر ظاهره وباطنه بالدبغ. وبها قال ابن وهب. وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه؛ جوز أصحابه بيعه؛ أي بيع الجلد. والثاني -وهي أشهر رواية عنه-: أنه يطهر طهارة مخصوصة؛ يجوز معها استعماله في اليابسات؛ استعماله في اليابسات؛ يعني فرشًا أو ما شابه ذلك. قال: وفي الماء وحده دون سائر المائعات؛ أيضًا سائر المائعات؛ مثلا في اللبن؛ في ما شابه ذلك؛ يقول: لا. قال: أصحابه على هذه الرواية: لا يجوز بيعه؛ ولا الصلاة فيه؛ ولا الصلاة عليه؛ لماذا؟ لما ذكر من أن طهارته وإنما هي طهارة ظاهرة دون باطن؛ ليست باطنة؛ ففي معنى النجاسة باطنًا؛ فلم يجوز بيعه لهذا المعنى. قال: وأما مذهب أحمد: فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان؛ قبل الدبغ يقول: لا يجوز. بعد الدبغ له روايتان. قال ابن القيم: وهما مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ؛ يعني بعد الدباغ: هل يطهر أم لا؟ فالرواية التي تطهر؛ يقول: يجوز بيعه. التي لا تطهر؛ يقول: لا يجوز بيعه. قال: وأما أصحاب أبي حنيفة: فجوزوا بيع السرقين النجس؛ إذا كان تبعًا لغيره. ومنعوه إذا كان مفردًا؛ إذا كان تبعًا لغيره؛ بمعنى اختلط بغيره؛ مثلا: روس أغنام أو بعر أغنام وبقر وما شابه ذلك. ودخل فيه حق الإنسان؛ يقول: لا يجوز. تبعًا لما لا يجوز؛ استغلال خارج مع غيره. خارج مع غيره. أما إذا كان مفردًا؛ يقول: لا يجوز. طيب قال رحمه الله: وأما عظمها -يعني كما تقدمنا-: الراجح ما هو؟ جواز بيعه بعد الدباغة؛ جواز بيعه بعد الدباغة. قال: وأما عظمها؛ فمن لم ينجسه بالموت -كأبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد واختيار ابن واحد من أصحاب مالك-؛ فيجوز بيعه عندهم؛ العظم. وإن اختلف ما أخذ الطهارة؛ يعني قد يقول إنسان: إيش العظم؟ لكن نحن نمثل بمثال: عظم أو قرن؛ يعني الفيل: هل يجوز أم لا؟ هذا يدخل فيه هذه المسألة. قال ابن القيم رحمه الله: فما أخذ الطهارة: أن سبب تنجيس الميتة منتف في العظام؛ فلم يحكم بنجاستها. ولا يصح قياسها على اللحم؛ لأن احتقان الرطوبات الخبيثة يختص به دون العظام؛ أي: فيه اللحم دون العظام. قال: كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت؛ وهو حيوان كامل؛ يعني كالحيوانات أو هذه الحشرات؛ لها ما لا نفس لها سائلة؛ أي لا دم لها؛ ما عندها دم؛ فليست نجسة لهذا المعنى؛ لعدم سبب التنجيس فيهم. قال: فالعظم أولى. قال: وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول. وعلى هذا: فيجوز بيع عظام الميتة؛ إذا كانت من حيوان طاهر العين. وهذا اختيار كذلك؛ يعني انتهى كلامه. وهذا اختيار الشيخ الإسلام رحمه الله. وقال: وذلك لأن الأصل فيها الطهارة؛ ولا دليل على النجاسة؛ يعني الإمام الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى جوز. وذكر التعليل بالتجويز: أنه قال ماذا؟ قال: وذلك لأن الأصل فيها الطهارة؛ بمعنى أن لو قلنا: بأنها مشكوك فيها؛ فالأصل ما هو؟ يعني الشك جعل ماذا؟ إلى الأصل. ما هو الأصل؟ الطهارة. طيب قال: ولا دليل على النجاسة؛ أي: ما هناك دليل يدل على أنها نجسة؛ حتى نقوي بنجاستها؛ وأنها لا تحل في البيع. طيب قال ابن القيم رحمه الله: وأما من رأى نجاستها؛ فإنه لا يجوز بيعها؛ إذ نجاستها عينية. قال ابن القاسم -أي من أصحاب مالك-: قال مالك: «لا أرى أن تشترى عظام الميتة؛ ولا تباع؛ ولا أنياب الفيل؛ ولا يتجر فيها؛ ولا يمتشط؛ ولا يمتشط بأمشاطها؛ ولا يدهن بمداهنها». وكيف يجعل الدهن في الميتة؟ ويمشط لحيته الميتة؛ وهي مبلولة. وكره أن يطبخ بعظام الميتة. قاله: وأجاز مطرف وابن الماجشون -وهم من أصحاب مالك- بيع أنياب الفيل مطلقًا. وأجازه ابن وهب وأصبغ: إن غليت وسلقت؛ إن غليت وملس وسلقت؛ وجعل ذلك دباغًا لها؛ وجعل ذلك دباغًا لها. وقد تقدم أن الراجح من هذه الأقوال ما هو؟ أنها طاهرة؛ وأنه يجوز بيعها. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.