الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستهل المحاضر سلسلة الدروس ببيان دواعي طرح ظاهرة الانفصال بين الأزواج لانتشارها وخطورتها وغفلة الناس عن الاحتكام للشريعة، موضحاً أن السلسلة تركز على المشاكل المستعصية المؤدية للطلاق لا المشاكل العابرة، مستشهداً بخلاف وقع بين علي وفاطمة رضي الله عنهما.
يفصل المحاضر أحكام الطلاق الخمسة (واجب، مستحب، مباح، مكروه، محرم)، مبيناً أن الطلاق ليس محرماً دائماً بل قد يكون حلاً سليماً وعلاجاً عندما تستحيل العشرة بين المتناقضين، وقد أقره القرآن الكريم لمعالجة المشاكل المتفاقمة.
يؤكد المقطع أن الطلاق والخلع حلان شرعيان مشروعان عند تعذر الاستمرار مستدلاً بآية ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ وأمثلة نبوية، ويندد بالظلم الاجتماعي والاتهامات الباطلة التي تلحق بالمطلقين، محذراً من الطلاق العبطي والخلع المستعجل بغير سبب.
يختتم الشيخ الدرس العلمي بالتنبيه على نقطتين مهمتين تلخصان المقاصد، ثم يدعو الله أن يعين الجميع على إكمال سلسلة الدروس والاستفادة منها، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي درس الظهر، إخواني في الله، أشرنا بأننا بإذن الله في صدد سلسلة من الدروس التوعوية المتعلقة بظاهرة الانفصال بين الأزواج. وأشرنا إلى أن هذا المبحث إنما يطرق لعدة أسباب: منها ما كان من كثرة هذه الظاهرة، وخاصة في هذه الآونة. وأيضًا كذلك لخطورتها، إذ أنها تؤثر سلبًا على الأسرة، وهي نواة المجتمع، والذي باستقرارها تستقر المجتمعات، وباضطرابها تضطرب المجتمعات. والأمر الثالث لأجله تطرقنا لهذا الموضوع: ما فيه الغفلة من كثير من الناس إذا ابتلوا بمثل هذه المشاكل، لأنهم لا يلجؤون إلى الشريعة، إلى الكتاب والسنة، والتي فيها النصوص الكثيرة التي ما إن تمسك بها الناس كفاهم الله عز وجل شر هذه النزاعات والاختلافات والفراق من خلع وطلاق. والأمر الرابع الذي لأجله تطرقنا لهذا الموضوع، كما أشرنا في درس الظهر: أن من خلال هذه الدروس ستنفتح لنا الآفاق في الاستفادة من كيفية توطيد العلاقة بين الأزواج، في تطبيقها في مقامات أخرى كتوطيد العلاقة بين الأقارب والأرحام، وبين الإخوان، وبين الجيران، لأن في الحقيقة هذه السلسلة عبارة عن قواعد، قواعد تستفاد هنا وتستفاد أيضًا هناك. وأخيرًا قلنا من أهمية طرق هذا الموضوع: هو يعتبر علاجًا لمن ابتلي ببعض المشاكل الزوجية وأراد أن يجد الحل المناسب لها، فذاك. وأيضًا هو وقاية، وقاية لنا جميعًا، ممن كان يعيش في حياة، فيتمسك بهذه السبل وهذه الأمور تحسبًا لما سيأتي، فيكون على خبرة وعلى برهان ومعرفة في كيفية أن يحل الأمور متى ما تقع، إذا قدر الله لها الوقوع. هذا الذي كان حديثنا في الظهر. مواصل، إخواني في الله، وقبل الشروع في صلب الموضوع، كذلك أحب أن أنبه على مسألتين متعلقتين بهذا الموضوع، وهي كذلك المقدمة الثانية. التنبيه الأول: إخواني في الله، حديثي بهذه السلسلة حول كيف الوفاق في حل المشاكل بين الأزواج قبل الخلع والافتراق، إنما أتحدث عن نوعية خاصة من المشاكل، ولا أعني ولا أعني أنني بصدد ذكر دروس تمحو المشاكل بالكلية. هذا يا عبد الله يعد أمرًا مستحيلًا، مستحيل أنك توجد بيتًا خاليًا مئة بالمئة من عدم تعكير المزاج بين الأزواج. لا يكاد هذا يوجد، بل حتى الأسرة السعيدة التي يضرب بها المثل في السعادة هي كذلك يعتريها بين الفينة والأخرى شيء من المشاكل، ولو بعد حين، ولو بعد حين. ففي الصحيحين مثلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة، فسأل عن علي، عن زوجها: أين علي؟ فقالت فاطمة رضي الله تعالى عنها: دار بيني وبينه كلام، فغاضبني، أي غضب عليها، فخرج ولم يقل عندي، يقل أي: ما ملقيلول عندي. سبحان الله! هذا من هؤلاء هم أسلافنا، هؤلاء هم بيت النبوة، علي وفاطمة، هؤلاء هم أهل الجنة، رضي الله تعالى عنهم. واسمع ما الذي صار بينهما: غاضبني، غضب عليها، وخرج، خرج من البيت، ولم يقل عندي، ما نام عندي من غضبه، والحديث في الصحيح. فالشاهد يا عبد الله أن الأسر أحيانًا قد تعتريها مثل هذه المشاكل، وخاصة نحن نتحدث عن عشرة تدوم إلى سنوات، ثلاثين سنة، أربعين سنة، بل أكثر من هذا. فالطبيعة البشرية أحيانًا قد يقع فيها التباين في وجهات الأنظار، إما من سوء فهم، أو اجتهاد في تصرف، يقع التباين في الإصابة، في التصويب والتخطئة. تقع هنا وهنا المشاكل. لكن هذه المشاكل في الحقيقة يا عبد الله، وإن كانت تقع أحيانًا، فهي تزول، تزول، ما تدوم، تأخذ برهة من الزمن فتتلاشى، تضمحل، فتعود الأمور إلى مجاريها وكأن شيئًا ما صار. هذه المشاكل أنا لست بصدد الحديث عنها، لا، ما سنتكلم عن هذا، لأن كما ذكرنا هي مسائل تأتي أحيانًا في الندرة، وأيضًا وإن حدثت فهي لا تؤثر على العلاقة الزوجية. وإنما حديثنا في مثل هذه السلسلة العلمية التوعوية إنما نتحدث عن المشاكل التي تتتابع، والتي تتفاقم، حتى يصل أصحابها إلى قطع العلاقة، إلى طلاق، إلى خلع، إلى فراق، إلى فسخ. هنا يأتي دور هذه السلسلة في بابها. هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني: حين أن نتكلم عن مسائل الطلاق والخلع والفراق، نأتيها دائمًا بصورة الذنب، نأتيها بصورة الذنب لخطورتها وضررها إلى آخر ذلك. لكن أيضًا ننبه: إذا كان هذا الباب، وهو باب الانفصال وقطع العلاقة بين الأزواج، كان بشيء من الظلم، هنا ينبغي لكل واحد أن يقف عند حده، وأن يتقي الله في الآخر. لماذا أقول هذا؟ لأن أحيانًا، أحيانًا الطلاق يكون حلًا. هذا لا بد أن يعرف. الطلاق يكون حلًا. العلماء الفقهاء قسموا عندما يتحدثون عن حكم الطلاق، قالوا: الطلاق خمسة أحكام: يكون مباحًا، يكون محرمًا، يكون مكروهًا، يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا. يصل الطلاق إلى حد الوجوب، ويصل أيضًا إلى حد الاستحباب. فلا تظن يا عبد الله أن الطلاق أن الطلاق يذهب إلى منزلة معينة وهي الدائرة السوداء. لا، أحيانًا تجد أن العلاقة الزوجية استدامتها ما تكون، ما تكون من نظر إلى هذه الحياة، إلى هذا البيت، من البيت الزوجية، يجد أن الاستدامة ما ستدوم أبدًا، هي عبارة عن جمع بين المتناقضين، بين المتضادات التي ما تجتمع بحال، تختلف الطبائع، ما قدر الله عز وجل أن هذا يفهم هذا ولا هي تفهم ذاك. فتجد أن الحل السلمي الصحيح أن يفترق، أن يفترق. هذا هو الحل السلمي. بل قال العلماء: إذا تدخل الصلحاء والحكمان، ورأيا رأي أن نهاية المطاف أن يذهب هذا في سبيله وهذه في سبيلها، وجب، واجب أن يقع الطلاق، ولا أحد يعرج على حكمهما، إذا كان من الأثبات، إذا كان من الأثبات. وربنا عز وجل قد ذكر الطلاق مقرًا له: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، هذا إقرار للطلاق. بل قال ربنا عز وجل في حق الزوجين إذا وصل بهم الباب إلى قطع العلاقة: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾. علق الإمام السعدي رحمه الله عند هذه الآية: «إن يتفرقا»، قال: وهذه الحالة عند الأزواج إذا لم يكن هناك اتفاق فليكن افتراق، فليكن افتراق. ثم ذكر رحمه الله: والافتراق يكون بطلاق أو بفسخ أو بخلع أو بغيرها. فإذا حصل هذا قال ربنا: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾. ما يحرم هذا ولا يترك هذا، هذا يعوض المرأة بالزوج الكفء، ويعوض الرجل بالمرأة الصالحة، يعوض الله كل من سعته. وبهذا نعلم إخواني في الله الخطأ الذي نجده في مجتمعاتنا: العجلة في رمي المتطلقين. فإذا وجدوا أن رجلًا طلق مثلًا، سرعان ما أسقطوه من العيون، وناولوه بالألسن، قالوا: فلان هذا الله مجرم ظالم، ما عنده رحمة، هذا رجل متعجرف، هذا رجل لعاب، ويأتون له بالسلب والنقص والثلب. وبالمقابل المرأة إذا طلقت أو خلعت، خالعت زوجها، كذلك رماها من رماها بأنها امرأة فاشلة في حياتها، ما تستطيع، وليست أهل أن تقيم بيت الزوجية، وتسقط من عيون الناس، فيعزفون عنها الناس. هذا ظلم أعمى، لا، لا تجعل هذا دائمًا.حيانًا يكون الفراق لأسباب شرعية، لأسباب شرعية، الشرع أيدها. وأن حالها حال الحياة الزوجية كحالك أنت يا عبد الله مع صاحب لك، تسير معه فترة من الزمن، ثم بعد ذلك يحصل تغير، إما منك وإما منه، فتجد أن السلامة تبتعد عنه. هل هذا يضرك أو يضره؟ لا. وهكذا الأزواج، أحيانًا يصل الأمر إلى هذا الحال. بدليل أن حالات الطلاق وحالات الخلع وقعت متى؟ في زمنه، في زمنه عليه الصلاة والسلام. أتدري أن ابن عمر، ومن أعبد الصحابة، طلق، طلق في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأمر بأن يراجع، ثم أن يطلق إن شاء، في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام. هل كان في ذلك منقصة في حقه، وأن ينال بالألسن؟ حاشا، لأنه ما طلق إلا بأمر شرعي. وكذلكم الخلع، وقع الخلع في زمنه عليه الصلاة والسلام، عندما قامت تلكم الصحابية وخلعت من زوجها، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بسبب شرعي طبعًا. ولهذا مسائل الطلاق والخلع تحتاج إلى الغوص، لمن يستطيع أن يتحرى أسباب ما جرى خلف الكواليس في هذه، مثل هذه المسائل التي نتحدث عنها. ما يتحدث عن هذا الطلاق الذي له أوجه شرعية، لا، لا نستني، نحن بصدد هذا. إنما حديثنا عن ما نجده في مجتمعاتنا من هذه الحالات الكثيرة من الطلاق العبطي، أقولها صراحة: العبطي، الجاهلي، أو كذلك حالات الخلع الذي فيه استعجال، وما هناك سبب شرعي أبدًا، وإنما هو استسهال وإشاعات وتخرصات وظلم واعتداء، أو كذلك كذب وبهتان وزور وغمز وطعن وقدح. لا، هذا ما يجوز، هذا حرام. الطلاق هنا يصل إلى حد التحريم، الخلع يصل إلى حد التحريم، كما قال العلماء. وهنا تأتي مثل هذه الدروس التوعوية في هذا المقام. فهذان التنبيهان، حفظكم الله، أحببت أن أنوه عليهما ونحن بصدد هذه الدروس العلمية التي أسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على إكمالها واستكمالها، وأن ينفع بها البلاد والعباد، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.