الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الدرس على وجوب إقامة العرس على الوجه الشرعي باعتباره عبادة لله، ويندد بما شاع في الأعراس المعاصرة من مخالفات كالحفلات الغنائية وآلات اللهو واختلاط الرجال بالنساء والتصوير غير المحتشم. ويستدل المحاضر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن استحلال المعازف لتحريم هذه المظاهر المنكرة.
يحذر المقطع بشدة من تصوير النساء في الأعراس بالفيديو أو الصور لخطر تسربها وانتهاك خصوصيتهن، مستشهداً بتحريم ابن عثيمين لذلك. ويبين أن المخالفات الشرعية في اللباس والاحتفالات تحت ذريعة "ليلة العمر" تنزع البركة وتؤدي إلى الطلاق السريع، بينما الزواج القائم على الطاعة يجلب الاستقرار.
يستعرض المقطع آداب عقد النكاح والوليمة والدعاء المشروع عند الدخول بالزوجة، مشيراً إلى هدي السلف في ذلك. ويقارن بين زواج السلف الذي دام لعقود لالتزامهم باليسر والسنة، وكثرة مشاكل الزواج المعاصر الناتجة عن مخالفة الشرع.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى قواعد أخرى ستُذكر لاحقاً لفهم الحياة الزوجية على الوجه الصحيح. ويسأل الله النفع بما قيل في المجلس، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي درس الظهر، إخواني في الله، كانت الإشارة في شروعنا في الدخول في صلب الموضوع في ذكر الوسائل والسبل التي بها ومن خلالها يسعد الزوجان بحياة سعيدة بعيدة عن المشاكل والأزمات والإرهاصات. وذكرنا أن من أعظم ما نبتدئ به ما يكون من الاستعداد قبل الزواج، وذلك بأمور ثلاثة: المسألة الأولى: بالنية الصالحة، والمسألة الثانية: بحسن الاختيار لشريك الحياة، والمسألة الثالثة: من خلال النظرة الشرعية. وتحت كل مسألة مسائل جاء ذكرها في الدرس السابق. هنا نذكر كذلك مسألة رابعة، وهي مما ينبغي أن يكون قبل الزواج، وهي من تهيئة العدة لهذا الأمر العظيم، وهو ما يكون من إقامة العرس لهذا الزواج، الإقامة الشرعية التي يريدها الله من عباده المسلمين. فنحن معاشر المسلمين، إخواني في الله، كما أننا وطنّا أنفسنا بأن نجعل طاعاتنا وعباداتنا لله جل في علاه، كذلك ينبغي أن نجعل جميع تصرفاتنا لله، ما يكون من أفراحنا وأحزاننا، وما يكون من سائر شؤون حياتنا لله، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. فكذلكم موضوع الأعراس، ما ينبغي أن يبعد عن المضلة الشرعية، فهي عبادة كما مضى معنا في درس الظهر، عبادة شرعية منيفة عظيمة شريفة محفوفة بالخير. فإذن لا بد أن نمتثل فيها بشرع الله جل في علاه. وإن الناظر في أحوال أعراسنا ليرى ما يكلم القلب، وما يندى له الجبين، من عظيم المخالفات التي يفعلها العرسان في هذه الليلة التي يحتفلون بها بهذه الظاهرة، ظاهرة الزواج. مساء الكثيرة منها -على سبيل المثال- ما يكون من إقامة الحفلات الغنائية، وما يصحبها من الغناء والموسيقى، واستخدام آلات اللهو والطرب. وهذه المساء قد جاء النص بمنعها والتحذير منها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». يستحلون، أي: كأنّه حلال. وهذا الظاهر، الناس يستسيغونها كأنها حلال، ولا يعرجون فيها على الحرمة، فيستخدمون كل وسيلة فيها شيء من آلات اللهو والطرب. كذلك ما يكون من مسألة الاختلاط، اختلاط الرجال بالنساء، واختلاط النساء بالرجال. فحسبك أن تعلم أن ما يكون من مراسيم بعض أنواع الأعراس أن الرجل يدخل على زوجته، ليس لوحدها أو مع أمها، لا، يدخل عليها في مجمع النساء وهن ينظرن إليه. ماذا عسى أن يفعل؟ منهم من يقوم بإطعامها، ومنهم من يقوم بالرقص معها. هذا قد حاصل. اسأل يا عبد الله عما يقع خلف الكواليس، لا يتمالكك العجب. أهذا من فعل أهل هذه البلاد وتلك البلاد التي قامت على الحشمة؟ ترقص مع امرأة أمام محضر النساء، أين نحن؟ وهكذا قيل في قضية التصوير، وما أدراك ما التصوير، الذي فتح الباب، وخاصة بين النساء. بينهن البين. تخيل في العرس الذي المرأة فيه تتجمل على أحسن زينة، ثم تُلتقط لها الصورة لنفسها، أو مع صواحباتها، أو مع العروسة، أو العروسة مع أحد من محارمها، مع أمها، مع خالاتها. ثم هذه الصور أين تذهب؟ الله أعلم. قد تحتفظ عند النسوة، وهؤلاء النسوة لربما مرّرن الصورة إلى بعض الأزواج، فأصبحت هذه الصورة تتقلب بين أبصار الرجال، أو تكون محفوظة في الجوال، وهي قادرة أو جاهزة للاختراق، بأن يؤخذ هذا الجوال عند بعض المهندسين. ولا أقول كل، لا، بعض المهندسين، للأسف، لربما يعبث ببعض الجوالات، فيستخرج الصور، فينظر إلى هذا الكم من هذه الصور التي فيها صور للبنات والنساء، وهن بكامل زينتهن. والأمر يفحش إذا كان التصوير بالفيديو، هذا أفحش وأغلظ وأعظم. حتى أن ابن عثيمين رحمه الله تعالى، لما ذكرت له هذه المسألة، تصوير أعراس النساء بالفيديو، قال: «هذا أمر منكر، ينكره كل ذو عقل سليم، وكل ذي دين مستقيم، ينكره من كان له دين، وإن كان له عقل، ينكر هذا». ثم قال: «ولا أتخيل أن يستسيغه من كان عنده حياة أو إيمان». هكذا قال: «ما أتخيل أن أحدًا يأتي ويصور النساء». أقول: الرجال، النساء، وهن بكامل صورتهن، بل منهم لربما تتراقص، وظهر شيء من مفاتنها، وتصور، تصور لمن؟ هذا كما قال ابن عثيمين رحمه الله: «وهذا أمر منكر، ما ينبغي». وهكذا قصة، يا عبد الله، إن تكلمنا حول اللباس، وما يقع من التحرر الفضيع. تجد من بعض النساء من لربما تأتي في الأعراس وقد خرجت عن الحشمة، ألبسة ذاك الذي يكشف عن الصدر، وذاك الذي يكشف عن البطن، وذاك الذي يكشف عن الفخذ. ما هذا من ألبسة أهل البلاد الذي تربى أهلها على العفة وعلى الحشمة؟ نحن لا ننكر الزواج، نعم، الإنسان يتجمل، لكن بالضابط الشرعي، لا يكون حاله فيه التشبه بالفاسقات، أو التشبه بالفاجرات. هذا لا يجوز، ولا ينبغي للمؤمنات العفيفات. وهكذا قصة، يا عبد الله، في حق الرجال. الشاهد، لو تكلمنا حول المخالفات التي تقام في الأعراس، لوجدنا أننا أمام بحر لا ساحل له من المخالفات العظيمة التي يقيمها الرجال والنساء في هذا اليوم، تحت حجة أنها ليلة العمر. وهل ليلة العمر، يا عبد الله، تعامل بهذه المعاملة؟ هذه ليلة العمر التي وفقك الله إليها، تقابل بالحمد، بالشكر، بالثناء لله جل فعله، أن يسر وأنعم. في حين أن بعضك ما استطاع أن يصل إلى هذا الحال. أحمد ربك، وأقم الإقامة الشرعية، من دون الدخول في الموبقات والمنكرات التي تجلب عليك سخط رب الأرض والسماوات. لهذا اعتبر، يا عبد الله، اعتبر بحال من فعل هذه الموبقات. وأنا أذكر عن شخص أعرفه، أقام زواجه بهذه المعايير من المخالفات، فطول الليل إلى الفجر، وهو من فرقة إلى أخرى، من فرقة غنائية إلى نوع من أنواع المعازف، تحت أنه ليلة العمر، وما خلا ولا بقي، كما يقال، بهجة ومخالفة بعد مخالفة، وفرقة بعد فرقة. انتهت هذه الليلة، ودخل على زوجته، فوالله، والله، ما هي إلا أشهر، ودبت الخلافات، دبت الخلافات، ما مرت السنة إلا تم الطلاق. أخي، هذه منزوعة البركة، وهذا الذي نجده الآن من كثرة المشاكل الأسرية، والحيوات التعيسة بين الأزواج، لأن الأساس لم يكن صحيحًا. والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا، لا يخرج إلا نكدًا. لكن تأمل، يا عبد الله، إلى الشريعة الإسلامية. قد ذكرنا كيف أنها جعلت الزواج علاقة تعبدية، رابطة شريفة، ليس فقط كاعتقاد، بل حتى في حل التصرف فيها، تجد أنها محفوفة بالطاعات. بدءًا من العقد، أول ما يتم العقد بماذا؟ بخطبة الحاجة: «إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره...» يقوم المأذون بتلاوة الآيات والأحاديث، حتى تستجلب البركة على هذا العقد المبارك. ثم بعد، طبعًا، وليس من شرط أن يكون في المساجد، كما يظن كثير من الناس، لا، ليس هذا شرطه، بل يكون العقد في أي مكان، كما كان عليه سلفنا الصالح، في أي مكان ينفع ويحل، لكن بخطبة الحاجة، محفوفًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. ثم شرع للزوج، إن كان على قدرة، بإقامة وليمة، وليمة يدعو الأقارب والأرحام والأصحاب، ويجتمعون على هذا الطعام، ويدعونهم بالبركة، ويباركون بالبركة: «بارك الله لك، وبارك عليك». وتأتي هذه الدعوات الطيبات، والثناء الحسن، لعل الله استجاب دعوة أحدهم، فيبارك لك في زواجك. ثم إذا دخلت على زوجتك، فإنه مما يشرع، كما في صحيح السنة، أنك تأخذ بناصية أهلك، وتدعو لهم: «اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها، ومن شر ما جبلتها عليه». تدعو الله لها بالخيرية والبركة. بل إن من الفقهاء من يرى، من يرى استحباب أن تصلي وإياها ركعتين، هذا من بعض الفقهاء، من باب أن تتنزل البركة على هذا المكان، وعلى هذه الليلة، فتأتي بركعتين، إذا كان ذلك مستساغًا عند بعض الفقهاء. ثم إذا أردت أن تأتي أهلك، تأتي بهذا الدعاء: «اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا». تأمن من أول العقد إلى نهاية، إلى الدخول، كل بين طاعة وعبادة وذكر. لماذا؟ حتى تأتي بالخيرية لنفسك. لنا عبرة، إخواني في الله، ولنا عبرة، يا أيها الأجيال، لنا عبرة بزواج من مضى من آبائنا وأجدادنا وأسلافنا، كيف كانت؟ كيف كانت؟ تأمل فيها بعض الزواجات من الآباء والأجداد، لا زالت قائمة، مضى عليها كم؟ أتدري كم؟ بعضها مضى عليه أربعون سنة، خمسون سنة من الزواجات، لربما ما فرق بينهم إلا الموت، ما فرق بينهما إلا الموت، إما يموت هذا أو يموت هذا، ويبقى الثاني حتى يلحقوا بعد ذلك بفترة. وما عرفوا طلاقًا، وما عرفوا فسخًا، ولا خلعًا. حتى أن المشاكل ما تكاد تعرف بينهم، ما تكاد، لا تعرف المحاكم، ولا استدعى أحد يدخل بينهم. إن كانت هناك من مشاكل، قد ذكرناها في بداية الدروس، مشاكل ربما يسيرة، قائمة على سوء فهم، أو على سوء تصرف، سرعان ما يكون فيها الحل، وتذوب، وتنقضي الحياة. وانظر إلى آبائنا، وانظر إلى أجدادنا. لكن تعال إلى هذه الزواجات المعاصرة، يأدوب تمر سنتان، ثم تأتي النزاعات، والشحناء، والبغضاء، واستدعاء هذا حكما من أهلها، وحكما من أهلها، لربما تنفر إلى بيت أهلها. من أين جاءت هذه الأسس؟ الأسس، إخواني في الله، عندما تكون مع الله، يكون الله معك. عندما كان الزواج من كان مضى من آبائنا، قائمًا على السهولة، على اليسر، على التيسير، بعيدا عما يعفون الحفلات الغنائية، ولا يعفون هذه الأنواع الخنى من الفساد، ولا عندهم هذا التسفل في اللباس، ما عندهم شيء من ذلك. يأدوب يعقد، ثم يأتي بزامل مع أهل حارته، زامل، يدخلون على زوجته، شيء ميسر يؤدي الغرض، ووليمة إن تيسر الله بشيء خفيف. ثم تنظر في الحياة، تنطلق السنة بعد السنة، السنة بعد السنة، سنوات، أربعون سنة، تنظر بركة، البركة من الله، ليس، يا عبد الله، بمخالفة شرع الله عز وجل. فالشاهد، إخواني في الله، ولا أطيل الحديث، هذه المسألة الرابعة هي تتم لما مضى من المسائل الثلاث. هذه من الأسس العظيمة، هي أسس صحيحة، على المرء أن يستعد بها من الآن، قبل أن يدخل على أهله، ويعاشر ويماشل. هذه الأسس راعيها. فإذا أتممت، يا عبد الله، على أحسن حال، فحينما بعدها أيسر، بإذن الله. لكن إن تعثرت فيها، فهذا الذي يخشى أن تتعثر فيما بعده. وسنأتي معنا، بإذن الله، القواعد الأخرى التي ينبغي كذلك أن نستعد في فهمها، حتى ننعم بهذه الحياة التي نسأل الله عز وجل أن يديمها بين الأزواج. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.