التعليقات على كتاب الأدب المفرد 92

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

جواز مناداة الصغير بـ يا بني

استدل الإمام البخاري بفعل ابن عمر على جواز قول الرجل للصغير: يا بني، وإن لم يكن ولده، من باب الرحمة والشفقة. وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الرحمة في حديثه: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل».

أهمية الرحمة بالناس وتطبيقاتها

يؤكد الحديث على أهمية الرحمة بالناس، مشيرًا إلى أن من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ويشمل ذلك مختلف الفئات من صغار وكبار ومسلمين وكفار، مع تقديم أمثلة على كيفية تطبيق الرحمة في التعامل معهم وفقًا للشرع. كما يبين أن الرحمة لا تتعارض مع التأديب عند الحاجة.

الرحمة في الإسلام ومعاملة غير المسلمين

يشرح المقطع أهمية الرحمة في الإسلام حتى مع الكفار، ويبين أن إظهار الإسلام بصورة مشوهة من خلال أفعال دعاة التكفير يؤثر سلبا على صورة الإسلام، ويشير إلى أحاديث نبوية تؤكد أن الرحمة تؤدي إلى الرحمة من الله.

الرحمة في ذبح الأضحية والإحسان إليها

يوصي المقطع بالإحسان في ذبح الأضحية ليكون ذلك رحمة لها، ويشير إلى أهمية الرحمة في هذا الفعل. يختتم المقطع بالتأكيد على أهمية هذا الفعل ويعد بمتابعة الموضوع في درس لاحق.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قول الرجل الصغير: يا بني. قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الملك بن حميد بن أبي أنيسة، عن أبيه، عن أبي العجلان المحاربي، قال: كنت في جيش من الزبير، فتوفي ابن عم لي، وأوصى بجمل له في سبيل الله، فقلت لابنه: ادفع إلي الجمل، فإني في جيش من الزبير، فقال: اذهب بنا إلى ابن عمر حتى نسأله، فأتينا ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن والدي توفي، وأوصى بجمل له في سبيل الله، وهذا ابن عمي، وهو في جيش من الزبير، أدفع إليه الجمل؟ قال ابن عمر: يا بني، إن سبيل الله كل عمل صالح، فإن كان والدك إنما أوصى بجمله في سبيل الله عز وجل، فإذا رأيت قوما مسلمين يغزون قوما من المشركين، فادفع إليهم الجمل، فإن هذا وأصحابه في سبيل غلمان قوم، أيهم يضع الطابع والأثر. حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وقول أبي عجلان هنا: كنت في جيش من الزبير، أي في الفتنة التي حصلت في زمن الحجاج، حين بويع لعبد الله بن الزبير، ودان له الكثير من البلدان، ونزلوا تحت إمرته وبايعوه، حتى بقي مروان من الحكم، وعزم على أن يبايعه، ثم غره من غره بعدم المبايعة، وحصل ما حصل من هجومهم على ابن الزبير ومن معه في الحرم حتى قتل، رضي الله تعالى عنه. وكان بعض الصحابة لم يبايعوا ابن الزبير، منهم ابن عمر، لم يبايع ابن الزبير على الخلافة، ولم يوافقوا على ما فعل. فلما سأله هذا الرجل، وأن أباه قد أوصى بجمل له في سبيل الله - أوصى بجمل وجعله في سبيل الله - يعني في كل عمل يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، يستعمل فيه هذا الجمل، فجاء ولده إلى ابن عمر يسأله: هل يستخدم هذا الجمل في القتال مع ابن الزبير؟ فقال ابن عمر: يا بني، إن سبيل الله كل عمل صالح، فإن كان والدك إنما أوصى بجمله في سبيل الله، فإذا رأيت قوما مسلمين يغزون قوما من المشركين، فادفع إليهم الجمل. ويريد أن الجهاد في سبيل الله إذا كان القتال بين المسلمين والكفار، ويريد المسلمون إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. وأما هذا القتال الدائر، فهو قتال بين المسلمين على الملك والرئاسة، فلهذا قال: فإن هذا وأصحابه - ويريد به ابن الزبير، رضي الله تعالى عنه - في سبيل غلمان قوم، أيهم يضع الطابع، أي أيهم يكون هو الرئيس وأيهم يكون هو الخليفة. مع أن ابن الزبير، رضي الله تعالى عنه، هو المحق، رضي الله تعالى عنه، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله. وذلك كما ذكرنا؛ لأن الناس قد بايعوه ودانوا له، ثم حصل ما حصل بعد ذلك من الخروج عليه، وكذلك أيضا من تمرد ومن تمرد عليه ولم يبايعه حتى حصلت هذه الفتنة. وأشاهد قوله: يا بني، قول ابن عمر لهذا الولد: يا بني، مع أنه ليس بابنه، ليس بولده، فاستدل به الإمام البخاري رحمه الله على جواز قول الرجل للصغير: يا بني، وإن لم يكن ولده، من باب الرحمة، من باب الرحمة والشفقة، أنك تقول للصبي: يا بني، وإن لم يكن ولدك، فهذا جائز، وهو أيضا من الرحمة التي تعامل بها مع الصغار. قال: وحدثنا عمرو بن حفص، قال: حدثنا أبي - أو حفص بن غياث - قال: حدثنا الأعمش سليمان بن مهران، قال: حدثني زيد بن وهب، قال: سمعت جريرا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام: أن من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، والناس لفظ عام يشمل كل الناس، الصغير والكبير والمسلم والكافر. وكل رحمة تكون بحسب ما أذن فيه الشرع، تكون بقدر ما أذن به الشرع. فالصغير له رحمة، ومر معنا من رحمة الصغير: المس على رأسه، وتقبيله، ومعانقته، وهكذا أيضا إعطاؤه الشيء إذا كان عنده أشياء، ثمرة ونحو ذلك، فتعطى للأصغر رحمة به. وهكذا كذلك عدم رفع الصوت عليه أو معاملته بالقسوة والشدة، فذلك من الرحمة. وهكذا أيضا تكون الرحمة مع الأولاد، يرحمهم، وكذلك يحبهم، ويعاملهم بالمعاملة التي فيها الشفقة والرحمة. ومن الرحمة مع الأولاد أن يأمرهم بما أمرهم الله سبحانه وتعالى، يأمرهم بالصلاة وهم أبناء سبع، ويضربهم عليها وهم أبناء عشر، وهذا من الرحمة، رحمة بهم حتى ينشأوا على الطاعة وينشأوا على الاستقامة. وهكذا أيضا يجنبهم المحرمات، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل مع الصبيان. أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «كخ كخ، ارم بها، ألا تعلم أن لا نأكل الصدقة». في رواية: «أنها لا تحل لنا الصدقة»، وهو صغير، لكن يعلمه عليه الصلاة والسلام. وهكذا عمر بن سلمة حين طاشت يده في الصحفة، قال: «يا غلام، بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، يعلمه آداب الطعام. وهكذا أيضا تكون الرحمة مع الصغار الأجانب، كما أنك ترحم أولادك، كذلك ترحم أولاد الناس، ترحم أولاد الناس بأن تعاملهم بمعاملة الرحمة والشفقة، بمعاملة الرحمة والشفقة. ولا ينافي ذلك استعمال التأديب أحيانا، من ضرب ونحو ذلك، بما يكون فيه التأديب، فهذا لا ينافي الرحمة. فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بضربهم على الصلاة إذا بلغوا العشر. وفي السن العاشر يكون الصبي مدركا للخطأ الذي يخطئ فيه، تضربه وهو يعلم أنه قد أخطأ، فيكون للضرب أثر، يكون للضرب عليه أثر، بخلاف ما كان دون ذلك، فلم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بضربه في السن السابع، وإنما أمر بالأمر فقط، أن تأمره ولا تضربه حتى يبلغ السن العاشر، فحينئذ يضرب حتى يستقيم ويتعود على الطاعة؛ لأن وقت البلوغ قريب، وقت البلوغ قريب، وسيكون مكلفا ومكتوب عليه القلم، فلهذا حث عليه الصلاة والسلام وأمر بضربه حتى يستقيم. وهكذا كذلك أيضا الرحمة مع الكافر، الرحمة مع الكافر كما قلنا بما أذن به الشرع، كالكافر الذمي، فإن من الرحمة أن تحفظ ما له من الذمة، فلا تعتدي عليه في عهده وأمانه. وهكذا الكافر الحربي إذا دخل بأمان، فإنه يحفظ له هذا الأمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم»، يسعى بذمتهم أدناهم. فالذي يعطي العهد والأمان لرجل من الكفار، فإن هذا الأمان يجري على جميع المسلمين، ويكون هذا العهد على الجميع، فلا يجوز لأحد أن يعتدي عليه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، من قتل معاهدا - يعني كافرا له عهد في عهده - لم يرح رائحة الجنة، هذا عقاب له؛ لأنه ما رحم هذا الكافر الذي له عهد وله أمان، وربما في عهده وأمانه يكون ذلك سببا في إسلامه، لما يرى من تعامل أهل الإسلام، وما عليه أهل الإسلام من حسن الأخلاق والتعامل، فيسلم، فتأتي أنت وتقتله وتسفك دمه فلا ترحمه، فلا يرحمك الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». وهذا من رحمة هذا الدين العظيم حتى مع الكفار، حتى مع الكفار، حتى يكون ذلك مرغبا لهم في الإسلام، يعلم أنه إذا له عهد وله أمان لا يعتدي عليه أحد، فينظر ما عليه أهل الإسلام، يسمع للقرآن، وهكذا أيضا ينظر إلى حال المسلمين، فيكون ذلك عونا له على الدخول في هذا الدين العظيم. وهكذا أيضا لو فعل بخلاف ذلك لكان في ذلك إظهار الإسلام بصورة مشوهة، كما هو الحاصل مما يفعله دعاة التكفير الذين يقومون بعمليات التفجير، ويقتلون بعض الكفار الذين لهم أمان وعهد، بل ربما لا يسلم كذلك من هذا القتل بعض المسلمين، ويكون لهذا الفعل الأثر السيء العظيم على المسلمين، يظهر صورة الإسلام بأنه دين العنف ودين الإرهاب، إلى آخر ذلك من التشويهات التي يشوه بها هذا الدين العظيم، مع أن الإسلام بريء من أفعال هؤلاء المجرمين. قال: وحدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الملك، قال: سمعت قبيصة بن جابر، قال: سمعت عمر، أنه قال: «من لا يرحم لا يرحم، ولا يغفر لمن لا يغفر، ولا يعفى عن من لم يعفو، ولا يوقع من لا يتوقع». والحديث حسن، وعلامة الألباني رحمه الله. فعمر رضي الله تعالى عنه يقول: من لا يرحم لا يرحم، وهذا كما مر في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». ولا يغفر لمن لا يغفر، وهو أيضا بمعنى ما قبله، فالذي لا يغفر لغيره لا يغفر له، الذي يعامل الناس بالانتقام للنفس، وكذلك أيضا تكون المعاملة في أخذ الحظوظ الأنفس ونحو ذلك، فلا يغفر لمن يسيء إليه ولا يحسن، فإنه كذلك لا يغفر له، ويعامل بمثل معاملته. لا يعفى عن من لم يعفو، لا يعفى عن من لم يعفو، الذي لا يعفو عن الآخرين، فإنه كذلك لا يعفى عنه، بمثل معاملته للناس، يعامل كما يقال: كما تدين تدان. ولا يوقع من لا يتوقع، أي لا يصان ولا يحفظ من لم يحفظ نفسه من المعاصي والذنوب، لا يوقع من لا يتوقع، الذي لا يتوقع من المعاصي ويحذر منها، فإنه كذلك لا يوقع، أي لا يحفظ ولا يصان، فإنه إذا ارتكب المعاصي فإن ذلك سببا لعقوبة الله سبحانه وتعالى له؛ لأنه لم يتخذ الوقاية التي تقيه من عذاب الله عز وجل. لا يوقع من لا يتوقع وقع، وإذا اتخذ الوقاية وجعل بينه وبين المعاصي حاجزا كان ذلك سببا في نجاته من عذاب الله سبحانه وتعالى، والحذر من عقوبة الله جل وعلا. قال: وحدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة فأرحمها - أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها - قال: «والشاة إن رحمتها رحمك الله - مرتين -». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال رجل: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة فأرحمها - يعني أرحمها عند الذبح - أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال عليه الصلاة والسلام: «والشاة إن رحمتها رحمك الله». هذه البهيمة إذا رحمتها رحمك الله سبحانه وتعالى. وليس معنى الرحمة أنك تترك ذبحها، تقول: أنا سأرحمها وما سأذبحها، ليس هذا من الكمال. فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من الرحمة، كان يذبح بيده وينحر بيده. لكن من الرحمة بهذه الشاة والبهيمة أن تحسن ذبحها، بأن تحد الشفرة، وأن تريح الذبيحة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». هذا من الرحمة أنك تحسن ذبحها، فيكون في ذلك رحمة لها. طيب، نقف هنا، ونكمل في درس آخر، الله تعالى أعلم.