الدرس في شرح نواقض الإسلام 1، نبذة عن المؤلف والكتاب . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ودعوته الإصلاحية في الحجاز والتحديات التي واجهها. يبرز المقطع مجهودات الشيخ في إصلاح الدعوة السلفية.
يتناول الرد على ادعاء الصوفية بأن الكفر والشرك لا يقع في أمة الإسلام مستدلين بحديث "يأس الشيطان". يبين المقطع ضعف هذا الاستدلال وردود العلماء عليه.
يفسر حديث "يأس الشيطان من عبادة المصلين" ويعرض أربعة أوجه لتفسيره. يشير إلى أن الحديث يعني استحالة استبدال الإيمان بالكفر في جزيرة العرب.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّنَا نَعْتَذِرُ عَنْ الْبِدَايَةِ الْمُرَتَّبَةِ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَمِنْ هَذَا الْيَوْمِ لِانْشِغَالِنَا بِبَعْضِ الْأُمُورِ، لَكِنْ لَمَّا أَنَّ الْإِخْوَانَ قَدْ حَضَرُوا، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ نَسْتَغِلُّ الْوَقْتَ وَنَذْكُرُ مَسَائِلَ سَرِيعَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْمَوْضُوعِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي أَلَفَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ وَهِيَ «نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ». وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَوْضِ فِيهَا، وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، نَهَدُ أَنْ نُلْفِتَ الِانْتِبَاهَ إلَى بَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نُصْرَ أَعْيُنِنَا حِينَ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ. فَمِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ هَذَا الْمُؤَلِّفَ، وَهُوَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَهُوَ الْمُجَدِّدُ لِلدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ بَعْدَ زَمَنٍ ضَعُفَ فِيهِ الشِّرْكُ وَالْوَسَنِيَةُ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ، بَلْ كَانَ يُذْكَرُ فِي زَمَانِهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ مَا مِنْ قَرْيَةٍ وَمَا مِنْ بَلَدَةٍ إلَّا وَكَانَ فِيهَا وَسَنٌ، إلَّا وَكَانَ فِيهَا وَسَنٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فَنَصَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وَقَامَ بِهِ الشِّرْكُ، وَرُفِعَ السِّلاحُ وَالْبَيَانُ بَعْدَمَا خَفِيَ الْعِلْمُ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ وَالْمُحَجَّةَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ تَعَاطَفَتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ وَالتَّقَالِيدُ مَا بَالَوْا بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إلَّا أَنْ رَفَعُوا السِّلاحَ عَلَيْهِ. وَالشَّاهِدُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِلْإِمَامِ حَافِلَةٌ بِكَثِيرٍ مِنْ الْفَوَائِدِ وَالْمَسَائِلِ، لَكِنَّنَا نُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَعْظَمُ مَا رُمِيَ بِهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- التُّهْمَةُ بِالتَّكْفِيرِ، التُّهْمَةُ بِالتَّكْفِيرِ. حَتَّى لَوْ أَنَّكَ جَالَسْتَ أَحَدًا مِنْ أَعْدَاءِ التَّوْحِيدِ وَمِنْ أَعْدَاءِ الدَّعْوَةِ، لَقَالَ لَكَ: «أَنْتُمْ تَتْبَعُونَ هَذَا الْوَاهِبِيَّ الْمُكَفِّرَ، هَذَا الْوَاهِبِيَّ الْمُكَفِّرَ»، ثُمَّ يَأْتُونَ لَكُمْ بِالْقَصَصِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَفَعَ السِّلاحَ عَلَى أَقْوَامٍ وَعَلَى قُرًى. لَقَالَ: «هَذَا حَقٌّ كَوْنُهُ رَفَعَ السِّلاحَ وَرَفَعَ يَعْنِي وَحَمَلَ بِرِجْلِهِ وَبِخَيْلِهِ عَلَى بَعْضِ الْقُرَى هَذَا حَقٌّ، لَكِنَّهُ هَلْ قَامَ ذَلِكَ عَلَى عَفْوِهِ أَمْ قَامَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ وَعَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ؟». وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي التَّرَاجِمِ الَّتِي تُرْجِمَتْ فِي الْمَرْحَلَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي عَاشَ فِيهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، يَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْعِنَادِ، كَانُوا أَهْلَ الْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَكَانُوا يَدْعُونَ بِأَنَّهُمْ عَلَى الشِّرْكِ وَبِأَنَّهُمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ. فَلَيْسَ أَمَامَ شُفْعَةِ السَّلَامِ حَلٌّ إلَّا أَنْ يُرْفَعَ السِّلاحُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُكَفِّرُونَهُمْ، أَمَّا الرَّمْيُ لِأَنَّ شُفْعَةَ السَّلَامِ كَفَّرَ هَؤُلَاءِ جُمْلةً وَتَفْصِيلًا، وَدُونَ تَحْذِيرٍ وَدُونَ بَيَانٍ وَدُونَ شُرُوطٍ وَلَا قُيُودٍ، فَهَذَا كَالِافْتِرَاءِ. فَإِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي فَتَاوَاهُ وَفِي أَسْئِلَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَجْوِبَةِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي فِيهَا بَيَانٌ أَنَّهُ دَافَعَ وَنَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَذَكَرَ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنْ كُنْتُ لَا أُكَفِّرُ مَنْ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ، فَكَيْفَ أُكَفِّرُ بِالَّذِي لَمْ يَهَاجِرْ إلَيْهِ؟». وَكَانَ يُتَّهَمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: «هَؤُلَاءِ الْمُمْتَدِعَةُ وَالضُّلَّالُ يَقُولُونَ هَذَا الْوَاهِبِيُّ يَفْتِي بِأَنَّ الَّذِي لَا يَهَاجِرُ إلَيْهِ وَإِلَى بَلَدَتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ». فَأَثَرُ رِسَالَةٍ إلَى أَهْلِ زَمَانِهِ يُبَيِّنُ لَهُمْ هَذِهِ الْكَذِبَةَ، وَقَالَ: «إذَا أَنَا مَا أُكَفِّرُ الرَّجُلَ الَّذِي هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ، وَأَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ مَعْرُوفٌ قَبْرُهُ عِنْدَ أَهْلِ مِصْرَ، وَهُوَ -كَمَا يُقَالُ- مِنْ أَشْهَرِ الْأَوْثَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ». وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَعْضِ الْمَقَامَاتِ حَالَ هَذَا الْبَدَوِيِّ حَتَّى يُذْكَرُ أَنَّهُ فِي إحْدَى السِّنِينَ بَلَغَ الَّذِينَ يَزُورُونَ قَبْرَ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ ثَلَاثَةَ مَلَايِينِ زَائِرٍ، عَدَدُ الَّذِينَ يَزُورُونَ هَذَا الْقَبْرِ -يَعْنِي زِيَارَةً بِغَيْرِ نِيَّةٍ- مِنْ طَوَافٍ حَوْلَ قَبْرِهِ، مِنْ تَمَسُّحٍ بِهِ، بَلْ مِنْ دَعَاءٍ وَاسْتِنْجَاجٍ بِهِ، بَلَغَ عَدَدُ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ مِلْيُونَ نَسَمَةٍ مِمَّنْ يَطُوفُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ بِأَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ. وَهَذَا الرَّجُلُ بَاطِنِيٌّ بَاطِنِيٌّ، لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ، بَلْ -كَمَا يُقَالُ- بَلْ دِينُهُ يُشَكُّ فِيهِ، هُوَ وَالشَّاذِلِيُّ وَهَؤُلَاءِ وَلَهُمْ تَرَاجِمُ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ، لَيْسُوا مِنْ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ. وَمَعَ ذَلِكَ ذَكَرَ السُّخَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ «أَبُو الِالْمَعِ» عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: «أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ عِلْمٌ وَلَا عِبَادَةٌ وَلَا وَرَعٌ إلَّا أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبَالَ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ»، هَذَا أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ. وَالشَّاهِدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ لَهُ عِنْدَمَا مَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةً، وَلَهُ مَسْجِدٌ وَضَرِيحٌ، فَكَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ نَفْسِهِ: «إذَا كُنْتُ أَنَا مَا أُكَفِّرُ الَّذِي عِنْدَ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ، فَكَيْفَ أُكَفِّرُ الَّذِي لَمْ يَهَاجِرْ إلَيْهِ؟». وَأَرَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مَا يُكَفِّرُ بِالْعُمُومِ، مَا يُكَفِّرُ بِالْعُمُومِ، بَلْ لَابُدَّ مِنْ شُرُوطٍ، لَابُدَّ مِنْ عِلْمٍ، مِنْ إقَامَةِ حُجَّةٍ، مِنْ رَفْعِ الْجَهْلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الضَّوَابِطِ وَالْقُيُودِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِي الرَّجُلِ حَتَّى مَاذَا يُكَفَّرُ أَوْ يُفَسَّقُ أَوْ يُبَدَّعُ. فَكَانَ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَمْشِي عَلَى قَوَاعِدَ فِي تَكْفِيرِهِ وَفِي تَبْدِيعِهِ وَفِي قِتَالِهِ، لَكِنَّهُ يُعَمِّمُهُ الْكَثِيرُونَ مِنْ الضُّلَّالِ بِأَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْعُمُومِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَافَرَ بِالْعُمُومِ وَلَا يَرْحَمُ أَحَدًا. وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ، هَذَا الْكِتَابَ، ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ «نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ» لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي رَدِّهِ عَلَى فِرْقَةٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ، مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ، ظَهَرُوا فِي زَمَانِهِ، يَقُولُونَ بِأَنَّهُ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهَذَا يُحَرَّمُ دَمُهُ وَمَالُهُ فَقَطْ. قَالُوا: «مَنْ دَعَا وَمَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهَذَا يُحَرَّمُ دَمُهُ وَمَالُهُ مَهَمَا فَعَلَ مِنْ عَظَائِمِ وَمَهَمَا أَتَى مِنْ كَبَائِرِ»، فَقَامَ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَأَلَفَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ «نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ». وَهَذِهِ الشَرْحَةُ فِيهَا مِنْ دَاكِنِ مِنْ الزَّمَانِ وَإِلَى هَذَا الزَّمَانِ، وَمَنْ عَاشَ وَمَنْ عَاصَرَ وَمَنْ مَاشَى مَعَ الْمُتَفَرِّطَةِ مَعَ الْمُبْتَدِعَةِ، يَسْمَعُ مِنْهُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ الصُّوفِيَّةَ فِي هَذَا الْأَدْمَانِ يَدَنْدِنُونَ، يَقُولُونَ: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هَذَا خَلَاصٌ»، يَقُولُ الْمُسْلِمُ مَاذَا لَا يُبَاحُ دَمُهُ وَلَا مَالُهُ، وَيَكُونُ دَمُهُ وَحُرْمَتُهُ مَهَمَا فَعَلَ، لَا تُبَالِ بِأَفْعَالِهِ، لَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ هُوَ مُسْلِمٌ دَاخِلٌ فِي دَاخِلِ الْإِسْلَامِ بِمَا أَنَّهُ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَهَذَا دَاخِلٌ فِي دَاخِلِ الْإِسْلَامِ. وَلِهَذَا وَهُمْ يَهَاجِمُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَقُولُونَ: «هَؤُلَاءِ الْوَاهِبِيَّةُ يُكَفِّرُونَ النَّاسَ، لِمَاذَا يُكَفِّرُونَ النَّاسَ؟» قَالُوا: «اسْمَعُوا إلَى خُطَبِهِمْ يَقُولُونَ: فُلَانٌ كَافِرٌ، هُنَاكَ شِرْكٌ، هُنَاكَ وَثَنِيَّةٌ، هُنَاكَ جَاهِلِيَّةٌ»، فَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهَا عِبَارَاتٌ فِيهَا تَكْفِيرٌ فِيهَا تَكْفِيرٌ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَةَ مِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ، وَنُبَيِّنُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ، هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَةُ يَأْتُونَ بِأَحَادِيثَ يَأْتُونَ بِأَحَادِيثَ بِهَا يَتَدَلَّلُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَقَعُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَقُولُونَ بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَقَعُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَمِنْ أَقْوَى مَا يَتَدَلَّلُونَ بِهِ مَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، جَاءَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ». فَذَهَبَ الْمُبْتَدِعَةُ مِنْ الصُّوفِيَةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، قَالُوا: «هَذَا الْحَدِيثُ فَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ سَوْفَ لَنْ يُعْبَدَ وَلَنْ تَتَفَتَّحَ أَصْنَامٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ كُفْرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ شِرْكٌ»، فَقَالُوا: «إِذَنْ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُسْلِمٌ وَمَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهَذَا يَكُونُ مُسْلِمًا، مَا يُكَفَّرُ أَبَدًا»، هَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَدْرِعِينَ، وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي كُتُبِهِمْ وَمَوْجُودٌ فِي دَوَاوِينِهِمْ. وَقَامَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ أَوْجُهٍ، قَالُوا: «مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؟» مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ: «هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ»، أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ مَا يُعْبَدُ بِذَاتِهِ، مَا يُعْبَدُ بِذَاتِهِ، أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: «اعْبُدُونِي هَذَا مَا يَفْعَلُ»، فَهَذَا رَبُّنَا حَمَى الْجَزِيرَةَ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ، قَدْ يُكَفِّرُ رَجُلٌ صَحِيحٌ قَدْ يَقَعُ، لَكِنَّهُ مَا يَقَعُ كُفْرُ الْكَافِرِ لِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنْ قَدْ يُكَفِّرُ، إمَّا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَلْمَانِيٌّ أَوْ إلْحَادِيٌّ أَوْ لَا دِينِيٌّ، يُكَفِّرُ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ، أَمَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ يُكَفَّرُ لِأَنَّهُ يُعْبَدُ الشَّيْطَانَ، هَذَا مُحَالٌ وَاضِحِ الْمُثُلَةِ. فَهَذِهِ رِضَاعَةٌ صُوفِيَّةٌ، رِضَاعَةٌ صُوفِيَّةٌ لِأَنَّ صُوفِيَّةً قَالُوا: «مَعَ الْحَدِيثِ أَنَّ الشِّرْكَ مَا يَقَعُ، يَقَعُ لَا، هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرِ النَّصِّ»، ظَاهِرُ النَّصِّ قَالَ نَبِيُّنَا: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ»، يُعْبَدُ هَذَا لَا يُمْكِنُ، قَدْ تُعْبَدُ أَشْيَاءُ، قَدْ تُتَّخَذُ أَوْلِيَاءُ، يُتَّخَذُ أَقْطَابٌ، أَمَّا الشَّيْطَانُ يَظْهَرُ هَكَذَا أَوْ يُعْبَدُ هَذَا لَا يَكُونُ. هَذَا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. الْوَجْهُ الثَّانِيُ: أَنْ نَهْدِمَ هَذَا الْقَوْلَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ نَبِيُّنَا: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، أَيْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ أَنْ يُعْبَدَ الشَّيْطَانُ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَيَقَعُ فِي الْكُفْرِ، هَذَا لَا يَكُونُ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، قَالَ بِالصَّلَاةِ، بِخُشُوعِهَا، بِهَيْئَتِهَا، بِوَاجِبَاتِهَا، بِاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ، مِنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْرِزُهُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ، وَمِنْ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ، وَفِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ. قَالَ نَبِيُّنَا: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ»، مَفْهُومُ الْحَدِيثِ: «غَيْرُ الْمُصَلِّينَ قَدْ يُعْبَدُ الشَّيْطَانُ»، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَهُمْ عِبَادَةٌ، عِنْدَهُمْ صَلَاةٌ، عِنْدَهُمْ كَنِيسَةٌ، وَعِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَعِنْدَهُمْ كُفْرٌ، هَكَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى جَمَعُوا بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ. أَمَّا هَذَا مَا يَقَعُ فِي الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا، مُقْبِلًا عَلَى الصَّلَاةِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّ هَذَا مَا يَقَعُ فِي الشِّرْكِ، أَمَّا الَّذِي تَعَدَّى عَنْ الصَّلَاةِ، مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا قَدْ يَقَعُ فِي الشِّرْكِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يَئِسَ مِنْ الْمُصَلِّينَ، «إنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، فَهَذَا التَّوْجِيهُ الثَّانِي. وَالْتَوْجِيهُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْوَى الْعُلَمَاءِ فِي الرَّدِّ عَلَى الصُّوفِيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: «مَفْهُومُ الْحَدِيثِ: إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، قَالُوا: «أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَذَا الْإِيمَانِ كُفْرًا مُطْلَقًا»، شَيْطَانٌ يَئِسَ، الشَّيْطَانُ لَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَاسْتَوْلَى عَلَى عَرْشِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَأَصْبَحَ النَّجْدُ وَالْيَمَامَةُ وَالرِّيَاضُ وَجُدَّةُ وَالرِّيَاضُ كُلُّهُ كُفْرٌ، كُفْرٌ، كُفْرٌ. فَجَاءَ الْإِسْلَامُ، وَجَاءَتْ الْفُتُوحَاتُ، فَضْلُ الْإِسْلَامِ وَعِزُّ الْإِسْلَامِ، مَاذَا فَعَلَ الشَّيْطَانُ؟ وَضَلَ التَّوْحِيدُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَأَتَى الْوَحْيُ، عَلِمَ الشَّيْطَانُ أَنَّ ذَاكَ الْمَاضِي مَا سَيَرْجِعُ، ذَاكَ الْمَاضِي شِرْكٌ فِي كُلِّ الْجَزِيرَةِ، هَذَا مَا سَيَكُونُ، طَبْعًا؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ الْإِسْلَامُ وَالْوَحْيُ وَالْعُلَمَاءُ وَطَائِفَةُ الْمَنْصُورَةِ وَأَرْضُ الْحَرَمَيْنِ وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْكَعْبَةُ. فَكَمَا يُقَالُ: «الشَّيْطَانُ دَخَلَهُ الْيَأْسُ، وَيَأْسُ الشَّيْطَانِ أَنْ يَفْعَلَ مَاذَا؟ أَنْ يَسْتَبْدِلَ هَذَا الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ، هَذَا مَا يَقَعُ»، فَهَذَا الشَّيْطَانُ يَئِسَ مِنْهُ، أَمَّا أَنْ يَقَعَ الْكُفْرُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ طَائِفَةٍ وَطَائِفَةٍ فِي الْكُوَيْتِ أَوْ فِي أَطْرَافِ الْمَمْلَكَةِ أَوْ فِي أَطْرَافِ الْيَمَنِ أَوْ فِي أَطْرَافِ الْعِرَاقِ، هَذَا قَدْ يَقَعُ، أَطْرَافٌ يَقَعُ، أَمَّا كُفْرٌ مِنْ أَرْضِ الْمَمْلَكَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا كُلُّهَا كُفْرٌ، فَهَذَا لَا يَقَعُ. هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: «مَفْهُومُ الْحَدِيثِ: إنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ عَلِمَ عَلَى أَنَّهُ مَا يُمْكِنُهُ أَبَدًا مَهَمَا فَعَلَ أَنَّهُ مَاذَا؟ أَنْ يَنْزِعَ الْإِيمَانَ مِنْ الْأَرْضِ وَيَأْتِيَ بِالْكُفْرِ، هَذَا مَا يَقَعُ»، أَمَّا الْآنَ مَا سَيَقَعُ؟ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَوُجُودِ مَاذَا؟ أَسْبَابٍ تُجْعَلُ هَذَا الدِّينَ ظَاهِرًا وَاضِحًا، مِنْ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ وَطَائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ وَوُجُودِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. أَمَّا أَنْ يَقَعَ كُفْرٌ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَطَائِفَةٍ وَجَمَاعَةٍ، هَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَهَذَا رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَةِ لِيَفْهَمُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ فَهْمِ الْعُلَمَاءِ، الْعُلَمَاءِ فَهِمُوا هَذَا الْفَهْمَ مَعَ الْحَدِيثِ، أَنَّ الْكُفْرَ الَّذِي كَبُرَ يَسْتَوْلِي عَلَى الْجَزِيرَةِ هَذَا لَا يَكُونُ وَاضِحٌ، أَمَّا الْكُفْرُ يَقَعُ مِنْ أَشْخَاصٍ فَهَذَا مُتَوَقَّعٌ. هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ أَوْجُهِ الرُّدُودِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَهُوَ رَدٌّ وَجِيهٌ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: «هَذَا الْحَدِيثُ تَأَمَّلُوا إلَى مَعْنَاهُ»، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، فَوَانَ هَذَا الْيَأْسَ أَوْ هَذَا الْأَمْرَ، هَلْ هُوَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمْ هَذَا ظَنُّ شَيْطَانٍ؟ «إنَّ الشَّيْطَانَ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، هَلْ هَذَا الظَّنُّ أَوْ هَلْ هَذَا الْأَمْرُ يَقِينِيٌّ مِنْ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟ رَبُّنَا حَكَمَ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ مَا يُعْبَدُ، أَمْ هَذَا الظَّنُّ ظَنُّ شَيْطَانٍ؟ ظَنُّ شَيْطَانٍ، هَذَا ظَنُّ شَيْطَانٍ. الشَّيْطَانُ لَمَّا نَظَرَ إلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، نَظَرَ إلَى