التعليق على تقريب التدمرية 102

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 102، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الموالاة والبراءة في الإسلام

يشرح الفرق بين الموالاة الكفرية والمسموح بها، ويبين شروط الاستعانة بالمشركين والبر بهم دون محبة لدينهم أو انتصار لهم على المسلمين. يشدد على أهمية فهم الضوابط الشرعية لمنع الخلط بين الموالاة الجائزة والمحظورة.

وجوب البراءة من الكفار والمشركين

يجب على المسلم البراءة من الكفار والمشركين ومن عملهم، ولا يرضى بذلك ولا يقره. البراءة من الشرك والكفر واجبة لتحقيق الإيمان، كما أن البراءة من المعاصي مطلوبة لصحة الإيمان وكماله.

تفاصيل البراءة من المعاصي والكفر

يجب التبرؤ من العامل بالكفر بكل حال، ومن العاصي من وجه دون وجه حسب درجة إيمانه ومعصيته. يجب البراءة من الكفر والمعاصي مع الرضا بقضاء الله الكوني.

خاتمة والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء إلى آله وصحبه أجمعين، ويكون بمثابة ختام للمواضيع السابقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في الفصل الذي تقدم، شيء من الكلام عليه، وهو يتعلق بأن الإسلام لا يتم إلا بالبراءة مما سواه. ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل الآيات من كتاب الله جل وعلا التي فيها بيان براءة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من أبيه وقومه، وهكذا براءة إبراهيم ومن كان معه من قومهم، ومما يعبدون من دون الله، والكفر بذلك. وذكر كذلك رحمه الله تعالى نهي الله جل وعلا المؤمنين من اتخاذ أعداء الله وأعداء أعداء الإسلام وأعداء أهل الإسلام أولياء، بإلقاء المودة إليهم. وهكذا رحمه الله تعالى قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. وهذه الآية فيها النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، بأن اليهود أعداء الله جل وعلا، وهكذا النصارى أعداء الله جل وعلا، وأعداء هذا الدين الذي بعث به سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك لا تجوز موالاتهم ولا مودتهم، بل الواجب بغضهم ومعاداتهم، حال الذي أمر به ديننا وشرعنا. وكما تقدم أن الموالاة ليست كلها كفرًا، موالاة المشركين وموالاة اليهود والنصارى، وإنما الموالاة التي هي كفر هي ما كان معها عمل الباطل، وهو العمل القلبي من المحبة لدينهم، أو الانتصار لدينهم على دين الإسلام، أو لرفعة دينهم على دين الإسلام، أو غير ذلك مما ينافي الدين. وهذا الاعتبار كما سمعتم دل عليه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام حين استفصل من حاطب رضي الله تعالى عنه، وإرضاء لما والى المشركين. فحصلت من حاطب موالاة لكفار قريش، لكن هذه الموالاة من أي النوعين هي؟ هل هي من النوع الكفر أم لا؟ الجواب: لا، وذلك حين استفصل منه النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره حاطب أنهم ما فعلوا ذلك رغبة عن دينهم، ولا ارتدادًا عن دينهم. قال: صدقكم، وهو ممن شهد بدرًا رضي الله تعالى عنه. ولا يمكن أن يقع أن يكفر أحد ممن شهد بدرًا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله غفر لهم. ومعنى هذا أنه لا يقعون في الكفر والشرك بالله جل وعلا، ويرتدون عن دين الله ممن شهد بدرًا. وهذه منقبة لأهل بدر عظيمة. فإذا لا ينافي الاستعانة بالمشركين بالضوابط الشرعية، الموالاة أو المعاداة من المشركين. ولا تهدم الاستعانة بالمشركين هذا الأصل، وهو ما يتعلق بالولاء والبراء في الدين. لأن الاستعانة بالمشركين على نوعين: استعانة كفرية، واستعانة جائزة، وربما تكون استعانة محرمة. فلكل حكمه، أن النبي عليه الصلاة والسلام استعان بمشرك يدله على الطريق، وأخذ الصلح مع المشركين، والصلح مع الكافرين، هذا ليس معناه موالاة لهم. لا، قالوا: يسلم صلحًا. كفار قريش صلح الحديبية المشهور. فلابد أن يفهم الضابط في الموالاة التي جاء النهي عنها، والمعاداة التي جاء الأمر بها للكفار، وما هي الكفر، وما هي ليس كذلك. فاستعانة بالمشركين بالضوابط الشرعية لا شيء في ذلك. وأما من لم يفهم هذا المقام، فيجعل كل استعانة بالمشركين نوعًا من الموالاة لهم، هذا باطل أبدًا. الاستعانة بالمشركين إذا كانت بأجل القضاء على الإسلام، نعم، من استعان باليهود والنصارى لإذلال الإسلام، ولإذلال أهل الإسلام، هذا كفر. لكن من استعان بالمشركين لأجل الإسلام، هناك من يتمرد على الإسلام، هناك من يدعو إلى الكفر والعياذ بالله، هناك من يدعو إلى تحطيم شعائر الله جل وعلا، وهناك من لم يعظم شعائر الله جل وعلا، يريد أن يفسد في بيوت الله جل وعلا، أو في الحرمين أعظم البيوت. فالاستعانة بالمشركين لأجل القضاء على هؤلاء المفسدين، هذه استعانة لأجل الإسلام، ولأجل تعظيم شعائر الله. فرق بين استعانة بالمشركين لأجل إذلال أهل الإسلام، وإذلال الدين، ورفع راية المشركين وراية الكافرين، وبين استعانة إنما هي أصلا حصلت لأجل نصرة هذا الدين، وتعظيم شعائر هذا الدين. فلابد أن يفقه هذا الأمر. وهكذا كذلك ما يتعلق بالإحسان والإقصاط مع الوالدين المشركين، هذا ليس فيه موالاة لهم، إذا كان ليس معه حب لدين هذين الأبوين، أو حتى كذلك من كان من الكفار ضعيفًا، ليس من الذين يقاتلون، وليس من الذين يعينون على أذية المسلمين. فلا ينافي الموالاة كما قال جل وعلا: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقاملصطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾. إذن لا ينهى الله جل وعلا أحدًا أن يبر، وأن يقسط مع من لم يكن مقاتلًا لهذا الدين، ولأهله، ومخرجًا لأهل هذا الدين، ولا مشاركًا، ولا معاونًا. كالضعفة، كبار السن، وهكذا. وهذا من إنصاف هذا الدين العظيم الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإذن التعامل مع هؤلاء بالإحسان، وبالبر، لا ينافي الموالاة التي نهي عنها مع هؤلاء. بل الشرع يقول كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. ذا مصاحبة في الدنيا فقط. ولما جاءت أم أسماء في الوقت الذي حصل له الصلح مع كفار قريش، كما جاء في الصحيح، وأراد أن تأتي إلى ابنتها أسماء، فاستشارت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أدن لها». مع أنها مشركة. وقال لوالد عبد الله بن أبي سلول: «بر أباك». فهذا يدلنا على أن البر والإحسان مع الوالدين، بل مع غير الوالدين من الكفار والمشركين، إذا كانوا ممن ليس يقاتل، ولا يعادي، ولا له شيء من المشاركة والمعاونة فيما يكون سببًا في الاعتداء على هذا الدين، وعلى أهله. فالله جل وعلا ينهى عن البر مع أولئك، والإحسان. فإذا نفرق بين الموالاة متى تكون كفرًا، ومتى تكون ليست بكفر، ومتى تكون جائزة. وهذا كله بالتمشي مع نصوص الكتاب والسنة، لا مع الهوى. لا مع الهوى. إذا أنت تتبع الهوى، فربما لا تجعل شيئًا من الموالاة جائزًا، أو شيئًا من البر والإحسان جائزًا، وهو نوع من الموالاة لهؤلاء الذين سمعتم، ممن ليس بهؤلاء المعاندين، أو المشاركين، أو الذين يعينون على أذية أهل الإسلام. فإذا لابد من التمشي مع نصوص الكتاب والسنة، وخاصة في هذا الباب العظيم الذي هو باب الولاء والبراء. اليوم الناس في باب الولاء والبراء، العاطفة، عوام مساكين، يفورون على فوران عظيم. وجدوا دعاة يزيدون الطين بلة، كما يقولون: خلاص، العوام ما عندهم شيء اسمه استعان بكفار، ما عندهم شيء أن هناك يجيزه الشرع مع هؤلاء. لا يفرقون بين حربي وغير حربي، ومستأمن ومعاهد، وذمي، إلى آخر ما هنالك. السبب وجدوا دعاة لا يبينون لهم هذه الأمور، وإنما يذكرون لهم ما يفعلون. هؤلاء فعلوا، وفعلوا، وفعلوا. طيب بين أنت إذا كنت منصفًا، أدلة الشرعية في هذا الباب، بين للناس الحق بهذا. كيف تكون المعاداة لهؤلاء؟ ومن الذي يستحق المعاداة؟ وما هي المعاداة التي تصل بصاحبها إلى الكفر، ويكون كافرًا؟ وما هي الموالاة التي هي محرمة، وإن كانت لا تصل بصاحبها إلى الكفر، ولكنها من كبائر الذنوب؟ فالناس بحاجة إلى تفهم هذا الدين، والنصوص الشرعية الواردة. لا ننظر بعين عوراء إلى بعض النصوص، ونهمل النصوص الأخرى. لا، وإنما ننظر في النصوص، ونجمع بين النصوص، ليتبين لنا الحق والصواب، وخاصة في هذه الأمور الخطيرة، وخاصة في هذه الأزمنة التي احتدمت فيها الأمور، واختلط فيها الحق بالباطل، والسنة بالبدعة. نسأل الله العافية والسلامة. والآية الأخرى وهي قوله جل وعلا: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾. هذه الآية فيها ثناء عظيم من رب العالمين جل وعلا لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك لغيرهم من أهل الإيمان، ممن اتصف بهذا الوصف، وهو أنه ليس في قلبه مودة ومحبة لمن حد الله ورسوله. لأن الميزان عنده الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. فأحبابه هم المتقون الذين أطاعوا الله ورسوله، وعظموا شرعه. وبغضاءه هم الذين حادوا الله ورسوله، وهم يتفاوتون في تلك المحادة. ولذلك هو يتفاوت عنده كذلك البغض والمحبة لأهل الإيمان، والبغض لغير أهل الإيمان الكفار، ومن ضعف إيمانه ممن وقع في شيء فيه المخالفة لشرع الله جل وعلا، وقع في شيء من الإلحاد، وهو الميل عن الحق إلى الباطل، ولكن لم يخرج عن الإسلام. فيبغض بقدر ما وقع فيه من مخالفة ومن محادة. فالميزان الكتاب والسنة في هذا الأمر العظيم. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن هذه الآية قيل إنها نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح لما قتل أباه في بدر، وهكذا نزلت في أبي بكر الصديق لما هم بقتل ابنه عبد الرحمن في بدر، ونزلت في مصعب بن عمير لما قتل أخًا له في بدر، وفي عمر لما قتل بعض عشيرته. ﴿لا تجد قومًا يؤمن بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. ولو كانوا آباءهم، أي مثل ما فعل أبو عبيدة مع أبيه به، أو أبناءهم، أو أبناءهم كما هم أبو بكر بقتل ابنه عبد الرحمن، لأن هذا الباب باب دين، ليس فيه عاطفة تخالف شرع رب العالمين جل وعلا. أو إخوانهم كما فعل مصعب بن عمير مع أخيه، أو عشيرتهم كما فعل عمر. وهذا كما فعل حمزة وعلي بن أبي طالب، وكذلك أبو عبيدة، أو عبيدة بن الحارث قتلوا ربيعة وعتبة وشيبة، وسوى ذلك. فالآية تدل على الثناء على هؤلاء لو حصل منهم قتل لآبائهم بحق، وحصل منهم قتل لأبنائهم بحق، وحصل منهم قتل لإخوانهم، أو لعشيرتهم، ما دام هذا بحق. لأنهم استحقوا ذلك، لأنهم من الكافرين الذين حادوا الله ورسوله، وكان جزاؤهم هذا. فهذا يدل على شيء، إنما دل على تعظيمهم لدين رب العالمين جل وعلا. ولله سبحانه وتعالى. فليست عندهم مودة على حساب الدين، وليست عندهم موالاة على حساب الدين، بل الدين هو المقدم على كل شيء. ولذلك لا أكسبت عن عمر رضي الله عنه لما استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في أسارى بدر، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، هؤلاء عشيرتك وابن عشيرتك. قال عمر: لا أرى هذا، لا أرى هذا يا رسول الله، بل الذي أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر، فأضرب عنقه، وأن تمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وأن تمكن فلانًا وفلانًا من فلان وفلان فيضربون عنقهم. حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا مودة لهؤلاء المشركين. الشاهد من هذا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد بلغوا مبلغًا عظيمًا في باب الولاء والبراء، لأجل هذا الدين العظيم. ولذلك أذن الله سبحانه وتعالى عليهم. ومن اتصف كذلك بهذه الصفات، فهو كذلك هو على سير هؤلاء، وهو من هذا الحزب الذي هو حزب الله. «ألا إن حزب الله هم المفلحون». قال رحمه الله تعالى: والبراءة نوعان: الأول براءة من عمل، والثاني براءة من عامل. فأما البراءة من العمل فتجب من كل عمل محرم، سواء كان كفرًا أم دونه. فيبرأ المؤمن من الشرك والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، بحيث لا يرضاه. بحيث لا يرضاه ولا يقر به ولا يعمل به. لأن الرضا بذلك أو إقراره أو العمل به مضادة لله تعالى. وبراءة المؤمن مما يعبد من دون الله، هي براءة من العامل والعمل. فالبراءة من الشرك بعدم الرضا به، وعدم الإقرار به. فمن رضي بالشرك فليس بمؤمن، ومن أقر الشرك فليس بمؤمن. لابد من عدم الرضا به، ولابد من إنكاره والكفر به، لأن هذا واجب. فلا يتحقق الإيمان إلا به. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهي كلمة التوحيد. فلابد فيها من الإيمان بالله، والبراءة من الطاغوت، وهي الكفر بالشرك. كما في حديث طارق بن أشيم في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل». فتبرأ أنت من هذه الذنوب، والمعاصي، والشرك والكفر، لا ترضاها، ولا تقر بها. وهكذا الذنوب والمعاصي دون الشرك، فلا ترضى بالمعاصي، ولا تقرها. فإذا قاربت بالمعاصي، بمعنى أنك لم تستحلها، ولكن أحببتها مثلًا، أو فعلتها، فلم تتبرأ منها، فقد وقعت فيما ينافي كمال الإيمان، ووقع عندك تفريط في البراءة. فهناك براءة لا بد منها، لا يحصل الإيمان إلا بها، وهي البراءة من الشرك بالله جل وعلا. فتبرأ من كل عمل، ومن كل عبادة صرفت لغير الله جل وعلا، لأن هذا طاغوت، لا بد من الكفر به، حتى تحقق كلمة التوحيد. والذنوب والمعاصي كذلك، أنت مطالب بالبراءة منها، بعدم إقرارها، وبعدم الرضا بها. فإذا أقررتها، بمعنى عملتها، أو فعلتها، وتلذذت بفعلها، فأنت قد وقعت في كبير من كبائر الذنوب، وانتفى عنك كمال الإيمان. وأما إذا استحللتها، فانتفى عنك أصل الإيمان. لأن استحلال الذنوب والمعاصي، والقول بأنها حلال، تفعلها معتقدًا حلها، بعد أن علمت بأنها معاصي وذنوب محرمة، فأنت وقعت في الكفر بالله جل وعلا. فلا بد من البراءة من العمل المحرم الكفري، وهو الذي لا بد منه، حتى يتحقق لك التوحيد، ودون الكفر، حتى يتحقق لك كمال الإيمان. لا ترضى، ولا تقره، ولا تعمل به. كذلك لأنك إذا عملت به، كذلك ماذا؟ وقعت فيما ينافي كمال الإيمان، إلا كما سمعتم، إذا كنت تعمله مستحلًا له، فهذا كفرنا في أصل الإيمان. قال: لأن الرضا بذلك أو إقراره أو العمل به مضادة لله تعالى. ورضا بما لا يرضاه. والرضا بالذنوب والمعاصي، إذا كان من جهتي أنها قضاء الله جل وعلا، فهذا يرضى بها. نرضى نحن بالذنوب والمعاصي، لأنها قضاء الله جل وعلا. هذا لابد من الرضا به. الله جل وعلا قضاء الطاعة، وقضاء المعصية، وقضاء الشرك، وقضاء الإسلام، هذا فعله جل وعلا، وقضاءه سبحانه وتعالى الكوني. فلابد من الرضا بقضاء الله جل وعلا الكوني. نرضاها كونًا وقدرًا، الذنوب والمعاصي، ونسخطها شرعًا. نرضاها كونًا وقدرًا، أي أنها بقدر الله، فنقول: هذا شيء قضاه الله جل وعلا، واقتضته حكمته سبحانه وتعالى. فنرضى بذلك، فلا نعارض. ولكن هذا المقضي، هذا المقضي، إذا كان خيرًا، فنحن نرضاه، ونقره، وندعو إليه. وإن كان المقضي شرًا، فنحن لا نرضاه، ولا نقر به، بل نبغضه. وقد قال ابن قيم رحمه الله تعالى في هذا: «فرضاك نرضى بالقضاء، ونسخط المقضية حين يكون بالعصيان». فرضاك نرضى بالقضاء، فنرضى بالقضاء من خير وشر، لأنه قضاء الله جل وعلا. ونسخط المقضية، أي الذي قضي حين يكون بالعصيان، يعني الذنوب والمعاصي، هذه المقضية، فنحن نسخطها. وفعل الله جل وعلا كله خير، حتى قضى الذنوب والمعاصي، وقضى الشرك. فكلها خير، لأن قضاء ذلك من فعل الله جل وعلا، وفعل الله جل وعلا كله خير، كما قال نبي عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم: «حتى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أرضاه، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». الشر ليس إليك، ليس خلقًا. فالشر مخلوق لله جل وعلا، من شر ما خلق، لكن لا ينسب بالشر إلى فعل الله جل وعلا، فليس في أفعال الله جل وعلا شر. لماذا؟ لأن هذا المقضي، وإن كان شرًا، فإنه يترتب عليه مصالح عظيمة. يترتب عليه مصالح عظيمة، حتى إبليس هذا الذي هو شر، وأعظم الشر، مع هذا قضاه الله جل وعلا. فهل لما قضى الله جل وعلا إبليس، يكون هذا الفعل منه جل وعلا شرًا؟ أبدًا، هذا الفعل من الله جل وعلا خير. لماذا؟ لأن قضاء إبليس لحكمة عظيمة، لحكمة عظيمة. خلق الله جل وعلا إبليس ليعصى، ويقهر، ويعبد الله جل وعلا عن رغب، وعن طاعة، وعن استسلام. فيجاهد الشيطان بترك الذنوب والمعاصي، وبالابتعاد عن ما يزينه الشيطان له. وهذه كلها محبوبات لله جل وعلا. فإذا تأملت في الشر المقضي الذي قضاه الله جل وعلا، وتأملت في المصالح التي ترتبت على ذلك، أبان لك ذلك معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». يعني: فعلًا. لأن أفعال الله جل وعلا كلها خير، والقضاء الكوني من فعل الله جل وعلا، ويدخل فيه الخير والشر، والطاعة والمعصية. وهذا معنى قولنا: نرضى بالمعاصي من قضاء الله، لأنها قضاء الله جل وعلا، نرضى بها، لأن الله جل وعلا قضاها كونًا وقدرًا، وهي من فعله جل وعلا. ولكننا لا نرضاها شرعًا، بمعنى نحبها، كما أن الله جل وعلا لا يحبها. الله جل وعلا وإن قضى هذه الذنوب والمعاصي، والكفر وإبليس، نعم، قضاها كونًا، لكن لا يحبها شرعًا. ونحن كذلك نرضى بقضاء الله جل وعلا، ولا نرضاها شرعًا، بل نبغضها. وكما سمعتم كلام ابن قيم: «فرضاك نرضى بالقضاء، ونسخط المقضية حين يكون بالعصيان». قال رحمه الله تعالى: وأما البراءة من العامل، فإن كان عمله كفرًا، وجبت البراءة منه بكل حال، من كل وجه. سبق من الآيات الكريمة، يعني في الآيات التي فيها براءة إبراهيم من أبيه وقومه. تبرأوا من العامل لهذا الكفر، وتبرأوا من الأعمال الكفرية التي عاملوها. فالكافر يتبرأ منه براءة كاملة مطلقة، بكل حال، من كل وجه. ولأنه لم يتصف بما يقتضي الولاية، وإنما هو كافر. فليس له من الولاية شيء، لأن الولاية إنما لأهل الإيمان، هم يتفاوتون فيها. لكن إذا عدم الإسلام، ولا يجد الإسلام، وإنما هو كافر، فلا يستحق شيء من الولاية. حتى كما سمعتم البر للآباء، وللوالدين المشركين، إنما هذا يعني من معاملة، وغير ذلك، ليس معها محبة دينية، ومحبة لدين لا، وإنما هي معاملة بالحسنة، بما يوافق الشرع، الذي ليس معه محبة القلب. وإنما هذا مما فطر الإنسان عليه فيعمله مع عباد الله جل وعلا، مما فطر عليه، ولا ينافي الإسلام في شيء، ولم يدل دليل على منعه. بل جاءت الذي لدي فعله، وأنه ليس معناه أنه قد ولاهم، أو كذلك قد نقض البراءة منهم. قال رحمه الله تعالى: ويتبرأ منه بما معه من المعاصي. قال: وجبت البراءة منهم دون وجه طيب. وإن كان عمله دون الكفر، هذا في حق المؤمن الذي عنده إيمان، لكن عنده ذنب، معاصي، عنده بدع، محدثات ليست بشرك. وجبت البراءة منه من وجه دون وجه، فيوال بما معه من الإيمان والعمل الصالح، ويتبرأ منه بما معه من المعاصي. لأن الفسوق لا ينافي أصل الإيمان، فقد يكون في الإنسان خصال فسوق، وخصال طاعة، وخصال إيمان، وخصال كفر. كما قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾. فجعل الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة، وصفهم بالإيمان، مع أن قتال المؤمن لأخيه من خصال الكفر. يقول: «أنه سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». ولم تكن هذه الخصلة الكفرية منافية لأصل الإيمان، ولا رافع لإخوة الإيمانية. ولا ريب أن الإخوة الإيمانية مقتضية للمحبة والولاية، ويقوى مقتضاها بحسب قوة الإيمان والاستقامة. وهذا الأصل، أعني أنه قد يجتمع بالإنسان خصلة إيمان، وخصلة كفر، هو ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السلف. فتكون المحبة والولاية تابع لما معه من خصال الإيمان، والكراهة والعداوة تابع لما عنده من خصال الكفر. خلاصة هذا أن المؤمن يوال من وجه، ويعاد من وجه. يوال لما معه من الإيمان والطاعات، ويعاد من وجه آخر لما معه من الذنوب والمعاصي. فيجتمع في حق المؤمن الولاء والبراء، بخلاف الكافر، فلا ولاء له، وإنما يجب البراءة منه. وهذا بحمد الله واضح وبين، لا يحتاج إلى زيادة تفصيل. وصلى الله وسلم وبرك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.