من حوارات القرآن والسنة 9

الدرس في من حوارات القرآن والسنة 9، الدرس التاسع: ( الحوار الذي دار بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عفو النبي صلى الله عليه وسلم وأثره في هداية الناس

يسرد المقطع مواقف متعددة من عفو النبي صلى الله عليه وسلم كعفوه عن ثمامة بن أثال والأعرابي وأهل مكة وأهل الطائف. وتبرز هذه المواقف كيف كان عفوه سبباً في هداية قلوب ودخول الناس في دين الله أفواجاً.

فضل العفو وكظم الغيظ في الإسلام وأثره في إصلاح النفوس

يبرز المقطع مكانة العفو وكظم الغيظ في الإسلام بوصفهما من أخلاق الأنبياء والصالحين مستدلاً بالقرآن والتوراة وقصص يوسف وأبي بكر. ويؤكد أن العفو المقترن بالإصلاح هو الأكمل ودليل عزّة ورفعة عند الله مشروطاً بتحقيق النفع والخير.

أخلاق العفو والصفح والاعتذار في السيرة النبوية والصحابة

يتناول المقطع أهمية العفو مستشهداً بمواقف عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وقصة الإمام الشافعي في قبول الاعتذار. ويؤكد أن المسلم يجب أن يعظم كلمته في أخيه ويبادر بالاعتذار وأن قبول المعذرة من أخلاق الصابرين الموعودين بالأجر العظيم.

العفو والتخلق به في الكتاب والسنة

يؤكد المقطع على كثرة النصوص في القرآن والسنة الآمرة بالعفو والتخلق به قولاً وفعلاً مبيناً خيره العظيم عاجلاً وآجلاً. ويختتم بالدعاء بأن يجعل الله المتكلم ممن يتخلق بهذا الخلق العظيم والصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحوار درسنا لهذا اليوم حوار دار بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وثمامه ابن أثال، سيد أهل اليمامة. وجاء الخبر في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلًا قبل نجد، فأتوا برجل من بني حنيفة يقال له ثمامه ابن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه في المسجد في سارية المسجد. فجاءه رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال له: «ماذا عندك يا ثمامه؟» قال: عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت مالًا سل تعطى ما شئت. فتركه رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى الغد، فجاءه فقال له: «ماذا عندك يا ثمامه؟» قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت مالًا سل تعطى ما شئت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أطلقوا ثمامه». فأطلقوه، فذهب إلى نخل قريب المسجد فاغتسل، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما كان وجه أبغض إلي من وجهك، فصار اليوم وجهك أحب الوجه إلي، وما كان على وجه الأرض دين أبغض إلي من دينك، واليوم صار دينك أحب الأديان إلي، وما كان على وجه الأرض بلد أبغض إلي من بلدك، فصارت بلدك أحب البلاد إلي. يا رسول الله، وإن قومك أسروني، وكنت أريد العمرة، فماذا تأمرني؟» فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اعتمر». وبشره عليه الصلاة والسلام، فقدم مكة، فقال له كفار مكة: «أصبوت؟» قال: «لا، ولكنني أسلمت، ولا والله ما يأتيكم من حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». مثال عظيم في أثر العفو على الناس. عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الرجل كان سببًا في إسلامه ودخوله في هذا الدين العظيم. وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يعفو في المواضع التي يعلم منها الخير لمن يعفو عنه. وأثر ذلك في البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: غزونا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل نجد، وفي رواية: في غزوة ذات الرقاع. قال: فلما قفلنا استضللنا تحت الشجر، واستظل رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت شجرة كبيرة. قال: فما استيقظنا إلا ورسول الله عليه الصلاة والسلام ينادينا، فجئنا، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن هذا اخترط علي سيفي». النبي عليه الصلاة والسلام نام تحت هذه الشجرة وعلق سيفه على هذه الشجرة، فجاء هذا الأعرابي فأخذ هذا السيف. النبي عليه الصلاة والسلام يقص عليهم ما جرى من حوار بينه وبين هذا الأعرابي الذي اخترط عليه سيفه: «إن هذا اخترط علي السيف، فقال لي...» قال: فاستيقظت وهو في يديه صلتًا، أي مسلولًا، فقال لي: «من يمنعك مني؟» قال: فقلت: «الله» ثلاثًا، أي قال: «الله، الله، الله». فجلس، ولم يعاقبه. في رواية: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له، حين قال له: «من يمنعك مني؟» قال: «الله»، سقط هذا السيف من يد ذلك الأعرابي، فأخذه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قال ذلك الأعرابي: «من يمنعك مني؟» قال: «كن خير آخذ». قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: «لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، وأن لا أقاتل مع قوم يقاتلونك». فعفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام وتركه. أثر هذا العفو: ترك قتال النبي عليه الصلاة والسلام، وترك القتال مع أناس يقاتلون النبي عليه الصلاة والسلام. له أثر، ولا بد، مع أنه لم يسلم هذا الأعرابي، ما أتى بالشهادتين، لكن العفو هنا أثر، وهو أن هذا الأعرابي عاهد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يقاتله، وأن لا يكون مع قوم يقاتلون النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا أثر من آثار العفو. فتركه النبي عليه الصلاة والسلام وعفى عنه، جاء إلى قومه قائلًا لهم: «جئتكم من عند خير الناس، جئتكم من عند خير الناس». وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة، قال لأهل مكة: «ماذا تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: «أخ كريم وابن أخ كريم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ما أثر هذا العفو من النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؟ الدخول في الإسلام، دخلوا في دين الله جل وعلا. وهذا أثر من آثار عفوه عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء الذين لاقى منهم ما لاقى. في حديث عائشة في الصحيحين، حين لقي النبي عليه الصلاة والسلام من قومه أشد ما لقي، حين عرض دعوته على ابن عبد ياليل، فلم يجبه إلى ذلك، فخرج مهمومًا مغمومًا عليه الصلاة والسلام، ولم يستفق إلا بقرن الثعالب. فأرسل ربنا عز وجل جبريل ومعه ملك الجبال. فقال جبريل: «السلام عليك يا رسول الله» أو «يا محمد». فرد عليه وسلم السلام. فقال له: «إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك، وأرسل معي ملك الجبال لتأمره بما شئت». فسلم ملك الجبال على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام السلام. فقال ملك الجبال: «يا محمد، إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك، وبما ردوا عليك، فأرسلني لتأمرني بما شئت، ما شئت. إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين». جبلان عظيمان ببكة، يقال لأحدهما: جبل أبي قبيس، والآخر: طعان، أو بالقاف. جبلان عظيمان بمكة، لو أطبق على أهل مكة لكانوا في خبر كان. لكن عفو النبي عليه الصلاة والسلام، والنظر إلى البعيد وإلى العواقب، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن قال: «لا، بل أسأل الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا». وماذا كان من أثر هذا العفو؟ دخل في هذا الدين أولئك الذين لاقى منهم النبي عليه الصلاة والسلام تلك الأذية الشديدة، ومع هذا صاروا بعد ذلك من قادة هذا الإسلام العظيم، فتحوا المشارق والمغارب، من أنثال خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، وغيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من أثر عفوه عليه الصلاة والسلام على هؤلاء. وهذا يدلنا على عظيم هذا الخلق في دين الإسلام، وهو خلق العفو وكظم الغيظ. فكثير من الناس ربما لا يصدق أن يخضم غيظه ولا يعفو، وذلك لأنه ربما يرى أن ذلك من الضعف، وأن ذلك كذلك من عدم الحزم أو غير ذلك. العفو عزّة عند الله جل وعلا ورفعة. إلا تظن أنك إذا عفوت، هذا دليل على أن هذا دليل على ضعفك، وعلى عدم قدرتك؟ رد السيئة بالسيئة أبدًا، وإنما يدل على تعظيمك لشرع رب العالمين جل وعلا، والاستجابة لأمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «ما نقصت صدقة من مال، ولا زاد الله عبدًا بعفو إلا عزّة، وما تواضع أحد لله إلا رفعه». هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فالعفو عزّة ورفعة عند الله جل وعلا. أليس ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134]. أثنى الله جل وعلا على عباده الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأن هذا من أعظم الإحسان، والله جل وعلا يحب المحسنين. وكما وصف ربنا جل وعلا عباده بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39]. قال في تفسير هذه الآية، كما في البخاري، ابن كثير رحمه الله: «قالوا: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا». عفوا مع مقدرة، ليس عن خور أو جبن، لا، لأنهم يعلمون أن الأكمل والكمال في رد السيئة بالحسنة، ليس في رد السيئة بالسيئة. وإن كان أحيانًا ترد السيئة بالسيئة لمن استحق ذلك، وهذا جزاء لمن يستحقه، لكن هناك أكمل إذا كان في موضعه، وهو العفو. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. فمن عفى وأصلح فأجره على الله. بين أولًا أن السيئة جزاؤها السيئة، وهذا جائز في حق من ارتكب السيئة، يجزى بالسيئة، ويعاقب بمثل ما فعل. لكن هناك شيء أفضل، وهناك شيء أكمل، ألا وهو العفو. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وهذا يبين لنا أن العفو المحمود هو العفو الذي يترتب عليه النفع والخير والإصلاح. أما من لا يستحق العفو، والذي لا يقدر قيمة العفو، فلا يعفى عنه. من الناس من لا يقدر قيمة العفو، إذا عفوت عنه، إذا عفوت عنه ما قدر قيمة العفو. ومن الناس من إذا عفوت عنه زاد تمردًا وتعنتًا وتجبرًا وإيذاء. هل هذا يعفى عنه؟ لا، لا يعفى عنه، لأن العفو إنما ينبغي أن يكون في موضعه الذي يكون من ورائه الخير، وأن ينفع للناس، وكذلك لمن يعفى عنه، حتى ينتفع بهذا العفو فينزجر، وكذلك يستفيد ويرجع وينيب إلى الله سبحانه وتعالى. ونبينا عليه الصلاة والسلام وصف بهذا الخلق، حتى في التوراة وصف حتى في التوراة بهذا الخلق العظيم. ففي البخاري من حديث عمرو بن العاص، حين سأله عطاء بن يسار رحمه الله، قال له: «هل ذكر وصف النبي عليه الصلاة والسلام، أو صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام في التوراة؟» فقال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: «نعم، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَحِرْزًا لِّ الْأُمِّيِّينَ أَنتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا﴾». هكذا وصف ربنا جل وعلا نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام في التوراة بهذا الوصف العظيم: لا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، وليس بغليظ ولا فظ ولا سخاب في الأسواق. هذه هي صفته عليه الصلاة والسلام. وصفات الأنبياء كذلك، ربنا عز وجل ذكر لنا عفو يوسف عليه الصلاة والسلام في القرآن. قد لاقى من إخوته ما لاقى، ومع هذا لما قالوا له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91]، قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]. وهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الخلق العظيم والخلق الرفيع. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قصته مع مسطح بن أثاثة، كما في الصحيح. مسطح رضي الله تعالى عنه كان ممن تكلم مع من تكلم في عائشة رضي الله تعالى عنها، مما برأها الله جل وعلا منه. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه ينفق على مسطح لقرابته، كان قريبًا لأبي بكر، فكان ينفق عليه. فلما سمع أنه تكلم على عائشة رضي الله تعالى عنها، قال: «والله لا أنفق على مسطح بعد اليوم، بعد ما قال وبعد ما تكلم». فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر: «بلى، والله أحب أن يغفر الله لي». فأعاد النفقة على مسطح، أعاد النفقة على مسطح، وأنفق عليه بعد ما قال. وقد برأ الله جل وعلا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. فكان في العفو إصلاح، وكان في العفو نفع، لأن الآيات قد نزلت ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها. والأمر يختلف إذا كان قبل أن تنزل آيات ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها، مع هذا الكلام ربما لا يكون العفو في موضعه. لكن منذ قد برئت عائشة مما اتهمت به، حصل العفو بعد ذلك، لما ليس فيه هضم لحق هذه المرأة الطاهرة التي برأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، على رغم أنوف الرافضة ومن شايعهم. وهكذا عمر رضي الله تعالى عنه، كما في البخاري، كان الحر بن قيس رضي الله عنه يدخله عمر رضي الله تعالى عنه مع الأشياء. فقدم عليه ابن عمه عيينة بن حصن، فقال ابن عمه: «يا عمر، يدخلك مع هؤلاء الأشياء، فهل لك أن تأذن لي أن أدخل عليه؟» فاستأذن الحر بن قيس لابن عمه عيينة بأن يدخل على عمر رضي الله عنه، فدخل. فقال عيينة لعمر رضي الله عنه: «يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير، ولا تحكم فينا بالعدل». فغضب عمر رضي الله تعالى عنه حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إن الله جل وعلا يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وهذا من الجاهلين». فتوقف عمر رضي الله عنه حين تلاها، وكان وقافًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فعفى عن ذلك، مع ما قال من كلام باطل وظلم. ليس عمر رضي الله عنه ممن لا يعطي العطاء، وليس هو ممن لا يحكم بالعدل، بل هو أمير المؤمنين رضي الله عنه، ومن حكام أهل الإسلام الذين ضربوا أروع الأمثلة في الحكم بشرع الله والعدل. ولكنه العفو والصفح. وهكذا كذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه، لما سمع قول بعض الصحابة لأبي سفيان لما مر عليهم، قالوا: «والله ما أخذت سيوف الله من عدوها ما أخذها»، يريدون أبا سفيان. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «تقولون هذا لسيد قريش؟ تقولون هذا لسيد قريش؟» فعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لعلك أغضبتهم، فإن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك». فأبو بكر رضي الله تعالى عنه سارع إلى طلب العذر من إخوانه رضي الله تعالى عنهم وإخوانه الصحابة. عفوا عن أبي بكر رضي الله عنه ما قال. فقال أبو بكر رضي الله عنه لأصحابه: «لعلي قد أغضبتكم؟» قالوا: «لا، ويغفر الله لك يا أخي، لا، ويغفر الله لك يا أخي». طلب العذر منهم، فعذروه. ولذلك علينا أن نتحلى بهذا الخلق. الأخطاء على أخيه لا يتكبر ولا يتجبر، يقول: «أنا أطلب العفو منه، ماذا فعلت؟» عسى يستهين بما قال، وهذا ليس بصحيح. الصحيح أنك تعظم كلمتك في أخيك، لا تستهين بها، وكلمة أخيك فيك عليك أن تستهينها. العكس اليوم، لا، العكس اليوم، العكس. الإنسان يتكلم في أخيه، يقول: «ما قلت شيئًا، كلمة بسيطة». أخوه ربما قال كلمة فيه يسيرة، عظمها وجعلها مثل الجبل، وهي كلمة ربما فعلا يسيرة، لكن عظمها. كلمة أخيه فيه وعظمها، وكلمته في أخيه يقلل من شأنها. وهذا ميزان المعكوس. الصواب أن تعظم كلمتك في أخيك، لا تقول: «يسيرة»، ولا تقول: «سهلة». لماذا؟ ليكون ذلك عونًا لك على الاعتذار. لكن إذا جعلتها هينة سهلة يسيرة، تقول: «ما يحتاج أذهب إليه، أو كذا أو كذا، ما قلت كلمة، يسأل لا، كلمته فيك هونها حتى لا تأخذ عليه، حتى لا تأخذ عليه». إذا كان الناس على هذا الخلق مع إخوانهم لحصل خير كثير. لكن هذا يقول كلمة، وهذا يجعلها مثل الجبل، وهكذا لا يعتذر، يسارع في الاعتذار. مهما قال: «أنت بشر، أنت بشر». إذا جئت وقلت: «يا أيها الناس، أنا أخطأت، وأنا فعلت وفعلت، لكنني بشر، تعذرونني؟» نقول: «نعتذر، نعم، لأنك بشر، نعتذر لأنك بشر، ما لست بملك». لكن لا نعتذر بأن لا تذهب وتطلب العذر. فرق بين كونك بشرًا وأخطأت وتطلب العذر لبشريتك، ولكونك بشرًا تخطئ وتقع في الزلة، وبين أن تكون أن لا تطلب العذر من أخيك. رحم الله الإمام الشافعي رحمة واسعة. تكلم عليه شخص، فجاء رجل وقال له: «فلان قد أحدث فيك ذنبًا، قد أحدث فيك ذنبًا، وعار الفتى أيما عاروا، عار الفتى أيما عاروا، عار عليك يتكلم عليك فلان». فماذا قال الشافعي رحمه الله تعالى؟ قال: «قد أحدث عذرًا، ودية الزنب عندنا الاعتدار، قد أحدث عذرًا، ودية الزنب عندنا الاعتدار». أي: قدم الدية، إيش تريد عادك؟ يعني خلاص، دفع الدية، الآن تجي تقول لي: «فلان تكلم»، خلاص دفع الدية، بقي شيء عليه؟ دفع الدية. يعني المراد أنه جاء يعتذر، اعتذر عما قال، ووافق اعتداره. والمسلم يقبل اعتدار أخيه. ما هو يقول: «لا، والله ما أو سامحه، والله ما...». لماذا لا تسامحه؟ هل هو فعلا ممن لا يستحق أن تسامحه، لأنك إذا سامحته تجبر وتبطر؟ أو أنه فعلا ممن أخطأ ويظن فيه الخير، وأن لا يرجع إلى مثل هذا؟ فهذا ليس من أخلاق أهل الإسلام، التحلي بعدمي العفو. النبي عليه الصلاة والسلام يسمع بعض أصحابه يحلف أن لا يفعل كذا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من هذا الذي يتألى على الله أن لا يفعل كذا؟ من هذا الذي يتألى على الله أن لا يفعل كذا؟» معناه أن الخير يفعل، فلا يحلف أحد على عدم فعل الخير. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: 224]. لا تحلف ولا تقسم وتجعل ذلك مانعًا، أن تقول: «لا، قد حلفت أن لا أسامح فلانًا، ولا كذا، ولا كذا». لا، وإنما الواجب عليك أن تعتذر، وأن تقبل اعتذار إخوانك. فهذا الخلق خلق عظيم، عباد الله، وهو من خلق الصابرين، الكاظمين الغيظ، الذين ينادون يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيخيرون من الحور العين ما شاءوا، لصبرهم في هذه الدنيا، ولكظمهم كذلك الغيظ. ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85]. والنصوص كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في الأمر بهذا العفو والتخلق به، قولًا وفعلًا. فإن ذلك له من الخير العظيم، العاجل قبل الآجل. فنسأل الله أن يجعلنا ممن تخلق بهذا الخلق العظيم، إنه لذلك القادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.