الدرس في شرح القواعد الأربع 1، الدرس الأول ( بسم الله الرحمن الرحيم ... فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة ). ألقاها
يبدأ الكتاب بمقدمة تشمل التعريف بأهمية الكتاب في بيان التوحيد والتحذير من الشرك، ودعاء الشيخ للطالب بالتوفيق. يشمل الدعاء طلب البركة والصبر والشكر عند العطاء والابتلاء والاستغفار عند الذنب.
يبرز المقطع أهمية الرحمة في التعليم مستشهدًا بالآيات القرآنية، ويشير إلى أن العلم هو رحمة من الله عز وجل. يُظهر أيضًا أهمية الإخلاص في طلب العلم والعمل به للفوز برحمة الله.
الدعاء للطالب بأن يكون مباركًا ونافعًا حيثما كان، وأن يكون ممن يشكر عند العطاء ويصبر عند البلاء ويستغفر عند الذنب. شرح معاني هذه الصفات الثلاث واستدلالها بكلام ابن القيم.
قد يبتلي الله بعض الناس بالذنوب والمعاصي، ولكنها تكون سببًا لرجوعهم إلى الله وندمهم وتوبتهم، فيدخلون الجنة بسبب عبودية التوبة والانكسار. يكون هذا الرجوع نتيجة لرؤية أثر المعصية والذنب.
هذا كتاب القواعد الأربع لإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهو أحد الكتب التي ألفها الشيخ رحمه الله تعالى بيانًا للتوحيد، وكذلك بيانًا لما يضاده وهو الشرك، وهي رسالة صغيرة ولكنها مفيدة. الشيخ رحمه الله تعالى، كما هو معلوم، عاش عمره يدعو الناس إلى دعوة الرسل، إلى دعوة التوحيد والتحذير من الشرك، رحمه الله تعالى وألف في هذا المؤلفات كثيرة، منها مختصر ومنها مطول، ومنها رسائل ومنها فتاوى، إلى غير ذلك. وقد جعل الله عز وجل في كتبه البركة، ولعل ذلك - والله أعلم - والله حسيب - من إخلاصه وإخلاصه على وصول الخير، على إيصال الخير إلى غيره، فرحمه الله تعالى وغفر له. ولا نطيل في ذكر مقدمة بين يدي الكتاب، فإنه قد تقدم شيء من ذلك، فندخل في صميم الكتاب بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. افتتح الشيخ رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة، كعادته أنه إذا افتتح الكتب يبدأ بها، فيبدأها بالبسملة، وهي كما تقدم معنا مرارًا أنه الذي استقر عليه عمل المصنفين، أنهم يفتتحون كتبهم بالبسملة، وهو مقتد بذلك بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في مكاتباته ومراسلاته لملوك الأرض. وكذلك من حيث المعنى، في البسملة نوع استعانة، استعانة بالله عز وجل على ما يقدم عليه العبد، لذا شرعت البسملة في مواطن كثيرة لهذا المعنى، أي أن يستحضر العبد أنه فقير، محتاج إلى ربه عز وجل في فعل ما أراد، وكذلك لازم ذلك في دفعه، أو في دفع ما قد يكون عائقًا بينه وبين ما أراد. قال رحمه الله تعالى: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة. قوله رحمه الله تعالى في هذه الكلمات: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم إلى آخره، هذا فيه ما عليه الشيخ رحمه الله تعالى من حرصه على إيصال الخير إلى غيره، وأن الله عز وجل ينفع بذلك الغير، ويجعله من أوليائه الصالحين المقربين حقًا، وأن يجعله كذلك ممن برك في عمره وفي علمه، إلى غير ذلك من المعاني التي ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. وهذه المعاني تدل على حسن سريرته رحمه الله تعالى. وفيه أيضًا أن المعلم للناس لا بد أن يكون رحيمًا بالناس، وإلا لنفروا الناس من حوله. قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وأيضًا الله عز وجل قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. مع أن الله عز وجل في آية أخرى قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ﴾. فالشاهد: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إذا ضممنا هذه الآية مع الآية السابقة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، في دلالة على أولًا: أن المعلم لا بد أن يكون رحيمًا، ثانيًا: أن العلم رحمة، أن العلم رحمة من الله عز وجل يرحم فيها من شاء الله عز وجل، بمعنى أن من تعلم العلم وعمل به وأخلص في ذلك، كان ذلك العلم سببًا من الأسباب العظيمة والراقية والكبيرة في دخول ذلك المتعلم في رحمة الله عز وجل الواسعة. قوله رحمه الله تعالى: أسأل الله الكريم، فيه إشارة إلى أن ما يكون عليه العبد من الهدى والخير والعلم والتوحيد والبعد عن الشرك، هو من كرم الله عز وجل وفضله. وفي هذا أيضًا قد يكون إشارة إلى قول الله عز وجل لنبيه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، فربنا عز وجل أول ما افتتح، أو أول ما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآيات الدالة على العلم، وأشار إلى أن ذلك العلم هو من فضل الله عز وجل وكرمه. قال رحمه الله تعالى: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم، والعرش كما قال الشيخ رحمه الله عظيم، كما وصفه الله عز وجل بذلك، فهو كما يقول علماء أعظم المخلوقات، أي حجما. قال: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، أن يتولاك في الدنيا والآخرة، تقدم معنا معنى الولاية، ومن هو الولي، تقدم معنا أن الولي هو كل مؤمن تقي، فإذا صار العبد وليًا لله، كان هذا سببًا لأن يمده الله عز وجل بعون منه وتوفيق. قال رحمه الله تعالى: وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، مباركًا مفعول من بارك، فهو من البركة، والبركة أصلها كثرة الخير ودوامه. قال رحمه الله تعالى: وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، أي حيثما كنت، وحيثما نزلت، وحيثما كنت في أي مكان، وكذلك في أي زمان، يدعو الله عز وجل الشيخ لهذا الطالب بأن يكون مباركًا، أي نافعًا، كثير الخير، نافعًا، أن يكون نافعًا، كثير الخير حيث كان. قال: وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الثلاث عنوان السعادة. هذا الكلام الأخير منتزع من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، إذ أن ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «ولا ينفك عبد عنها أبدًا، أي النعمة والبلية والذنب». قال: فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث، نعم من الله تعالى تترادف عليه، أي تتتابع وتتكرر، قال: فقيدها الشكر، وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة وليها ومعطيها. قال رحمه الله تعالى: والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية. قال: كاللطم وشق الثياب ونكف الشعر ونحوه. قال: فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة. فإذا قام العبد به كما ينبغي، انقلبت المحنة في حقه منحة، واشتبحت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا. ثم ذكر رحمه الله تعالى الصنف الثالث، وهي التوبة، والشيخ رحمه الله تعالى ذكر هنا الذنب، كأنه ليناسق بين العبارات، والتوبة أساسها وأصلها الندم، الندم كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التوبة الندم»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. والإقلاع عن المعصية، والندم عن المعصية، والإقلاع عنها، والإقلاع عن تلك المعصية، الندم على الفعل، والإقلاع عنها تمامًا، فلا يرجع إليها أبدًا، والعزم على ذلك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام له: ورب عبد يبتليه الله عز وجل بسيئة فيتوب منها، فتكون سببًا لنجاته ولفوزه بالجنة. رب معصية يعصي بها العبد ربه، ثم يتوب منها، فتكون سببًا لنجاته ولتوبته. ومعنى هذا أن بعض الناس قد يكون في غفلة عن الله عز وجل وعن طاعته وعن دين الله عز وجل، فيحصل منه هفوة عظيمة، تكون هذه الهفوة سببًا لرجوعه إلى الله عز وجل، ولندمه، ولانكساره، ولرؤية الذنب وأثر المعصية بين عينيه، فيندم على ذلك، ويتعبد إلى الله عز وجل في عبودية التوبة والانكسار والذل والفضوع، فيكون سببًا لدخول الجنة.