الدرس في حلية طالب العلم 13، ألقاها
يشرح معنى أن يكون الشخص سلفيًا على الجادة، ويعرف السلف الصالح ويشدد على أهمية الالتزام بآثار رسول الله. يبين أهمية ترك الجدال وعلم الكلام في المنهج السلفي.
يناقش انتقاد علم الكلام وذم أهله، ويبين آثاره السلبية مثل الشك والريبة في دين الله. يستدل على ذلك بأقوال العلماء مثل الإمام أحمد والدارقطني والذهبي.
يؤكد على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك علم الكلام، مستشهدًا برأي الإمام ابن قدامة المقدسي. يبين بطلان علم الكلام وضرورة عدم الالتفات إليه أو الاغترار به.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: «كن على جادة السلف»، قال رحمه الله: «كن سلفيًا على الجادة». كن سلفيًا على الجادة طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم ممن قفى أثرهم في جميع أبواب الدين من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام وما يجب وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع. قال الذهبي رحمه الله تعالى: وصح عن الدارقطني أنه قال: «ما شيء أبغض إلي من علم الكلام». قال الذهبي: «قلتم لم يدخل، لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا». قال المؤلف رحمه الله: «وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة المتبعون آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أهل السنة نقاوت المسلمين، وهم خير الناس للناس"». قال: «فالزم السبيل ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله». هذا العنوان كما ترون واضح: «كن سلفيًا على الجادة»، أي على جادة السلف، على طريقة السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. ومعنى «كن سلفيًا»: السلف في اللغة من سلف، وجمعه سلاف وأسلاف، وهو كل من تقدمك، كل من تقدمك يقال له بأنه سلفك من آباء وغيرهم. وأما السلف كاصطلاح، فالعلماء رحمهم الله تعالى يطلقون السلف على عدة معان، منها أنهم يطلقون السلف ويريدون بهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فإذا قال إنسان: «هذه طريقة السلف»، أي طريقة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ومنهم من يعمم ذلك فيقول: «إن طريقة السلف طريقة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من أتباعهم»، أي من التابعين وتابعيهم، وإمة الإسلام. وهذا في الحقيقة يرجع إلى الأول. ومنهم من يعرف السلف باعتباره منهجًا، أي منهج السلف، وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه من الأقوال والأفعال والاعتقادات والأحوال إلى غير ذلك. فالحاصل أنه تارة يطلق ويراد به المنهاج، منهاج السلف، وتارة يطلق ويراد به طوائف وأشخاص. وقول الشيخ رحمه الله: «كن على جادة السلف الصالح»، يدخل فيه هذه المعاني كلها. ومعنى «كن على الجادة»، أي على الأصل وعلى السلامة، الجادة الطريق المعتاد. قال: «كن سلفيًا على الجادة طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم ممن قفى أثرهم في جميع أبواب الدين». هذا تعريف للشيخ رحمه الله تعالى بالمقصود من قوله: «السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم ممن قفى أثرهم في جميع أبواب الدين»، في العقائد، في العبادات، في المعاملات، في الأخلاق، في السلوكيات، في جميع أمور الدين. قال: «من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي متميزًا أيها الطالب للعلم بالتزام آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا. قال: «وتوظيف السنن على نفسك»، بمعنى أن تكون عاملا بما علمت من السنن، أن تكون عاملا بما علمت من السنن والآثار النبوية. قال رحمه الله: «وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع». وهذا تنبيه من الشيخ رحمه الله تعالى إلى ما يقابل طريقة السلف، فإن طريقة السلف تقابلها طريقة الخلف. وطريقة الخلف هي طريقة علم الكلام ممن خاضوا في علم الكلام وحسنوا الظن بأنفسهم وأساءوا الظن بالسلف الصالح رضي الله عنهم وارضاهم. قالوا: «طريقة السلف أي الصحابة ومن سار على سيرهم أسلم سالمة، وطريقة الخلف أعلم وأحكم». انظر هؤلاء من الخلف يقولون: «طريقة السلف ماذا؟ أسلم سالمة، وطريقة الخلف أعلم وأحكم». وهذه القاعدة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم، قاعدة كلامية باطلة، أولها ينقض آخرها، وآخرها يهدم أولها، لأن من كانت طريقته أسلم فطريقته أحكم وأعلم. هكذا جمع أم لا؟ ولكن هؤلاء أرادوا الغمز واللمز في طريقة السلف من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، بأسلوب كما يقال مؤدب. فقالوا: «إن الصحابة شغلوا بالجهاد وبالفتوحات فلم يغوصوا في معرفة معاني الدين ومعاني القرآن، ويستخرج المقصود من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله»، لماذا؟ لأنهم مشغولون بماذا؟ بالجهاد والفتوحات ونحوها. فكانت طريقتهم أسلم لأنهم آمنوا بالظواهر، آمنوا بظواهر القرآن والسنة. وأما طريقة الخلف من علماء الكلام فإنها ماذا؟ أعلم، وكذلك أحكم، وكذلك ماذا؟ أحكم، لماذا؟ قالوا: «لأن الخلف غاص في البحث عن حقيقة الشرع ومرادات الشرع، لذا كانت طريقتهم أعلم»، أعلم اسم تفضيل، أي أعلم من طريقة من السلف. هذا مدح للسلف أو ذم، تأمل. «وأحكم أحكم من طريقة من السلف»، وهذا مدح أو ذم، هذا ذم، ولكن بطريقة ماذا؟ مزخرفة. فيقولون: «طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم أحكم». عبارة كما سمعتم فيها الطعن في طريقة السلف واضح، جماعة أم لا؟ فالحاصل أن الشيخ رحمه الله تعالى قال: «متميزًا بالتزام آثار الرسول وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام»، لماذا؟ لأنه علم كلام، وكما قال من قال من أهل العلم: «سمي علم الكلام بعلم الكلام لأن مستنده على ماذا؟ على الكلام، مبناه على الكلام، ليس على أدلة وبراهين، وإنما على كلام وآراء ونظريات». فحسبك من علم الكلام ذما أن نسمه ماذا؟ علم الكلام، واضح جماعة أم لا؟ لذا حذر العلماء رحمهم الله تعالى تحذيرا بالغا من علم الكلام، لماذا؟ لأن فيه فتحا لأبواب شر وأبواب الشك في دين الله جل وعلا، وأبواب الريب في دين الله جل وعلا. لذا كما قال من قال من العلماء: «أكثر الناس شكا في دين الله جل وعلا أهل الكلام». أكثر الناس شكا في دين الله جل وعلا علم الكلام، علماء الكلام، لماذا؟ لأنهم قد تلوثوا بعلم الكلام، فأوردت عليهم تلك البدع وتلك الجدليات وتلك النظريات وتلك المقدمات شكوكا، فجعلوا يصادمون ما تقرر عندهم من علم الكلام، وهو كلام بماذا؟ بالإخبارات الإلهية من القرآن الكريم والإخبارات النبوية. عندهم يقولون: «عارض العقل النقل، عارض العقل النقل». العقل بسبب علم الكلام صار عنده قواعد وأصول ثابتة العقل، ثم نظروا إلى كتاب الله جل وعلا، قالوا: «ما في العقول يناقض ما في المنقول». ومن الحكم يا جماعة؟ قالوا: «الحاكم هو العقل»، لماذا؟ قالوا: «لأننا بالعقل أدركنا النقل، ولولا العقل ما أدركنا النقل، إذن العقل هو الأصل والنقل هو الفرع». تأمل إلى هذه الحجة الشيطانية. رد عليهم أهل السنة والجماعة بأجوبة كثيرة، منها أن هذا القول باطل، لماذا؟ لأن العقل العقل مضطرب، العقل مضطرب، فأي عقل يوزن به الشرع؟ هل هو عقل الفلاسفة الذين ينكرون البعث وينكرون النشور وينكرون الجنة والنار والأمور التي هي ثوابت في دين الله جل وعلا؟ أم أنه العقل عقل الجهمية؟ الذين يقولون: «لا نسمي الله جل وعلا بأي اسم ولا نصف بأي صفة»، لا نقول بأن الله جل وعلا هو الرحمن الرحيم والغفور إلى غير ذلك من أسماء الله جل وعلا الحسن، ولا نصف الله جل وعلا بصفة، لماذا؟ لأن العقل لا يدركه ولا يعقله. أم هو عقل المعتزلة؟ أم هو عقل الأشاعرة؟ أم هو عقل من؟ العقول مضطربة، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، دلت هذه الآية على أن غير كتاب الله جل وعلا فيه اختلاف واضطراب، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. لذا العقول مضطربة ومختلفة، ودلت الآية على أن ما جاء من عند الله جل وعلا لا اضطراب فيه ولا اختلاف. فإذا لما اختلفت هذه العقول احتاجت إلى ماذا؟ إلى حكم ومرجح، أي العقول أصح؟ هل هو عقل الفيلسوف أو عقل الجهم أو عقل المعتزلة أو عقل الأشاعرة؟ عقل من هو الراجح وهو الصحيح؟ العقول احتاجت إلى ماذا؟ إلى دليل، هكذا جماعة أم لا؟ فما هو الدليل الذي يرجح أي العقول أسلم وأصح؟ دليل النقل، واضحة جماعة أم لا؟ إذن صار الحاكم حقا ما هو؟ دليل النقل، النقل أي من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فدل هذا على أن النقل حكم على العقل، هو الذي يحدد أي العقول أصح وأسلم، وأي العقول فاسدة وضعيفة وبعيدة عن الحق. فالحاصل أن علم الكلام كما سمعتم يورث الشكوك، لذا كان أكثر الناس شكا علماء الكلام. ولهم في ذلك من الكلام ما هو نثر، ما هو منسوج، وما هو ماذا؟ وما هو منضوم. فمن ذلك ما قاله أبو المعالي، وين أبو المعالي؟ من كبار علماء الكلام، صعد يوما على المنبر فقال: «كان الله ولم يكن شيء معه، وهو اليوم على ما كان عليه قبل»، كلمات ماذا؟ كلامية، عبارات فلسفية كلامية. فقال له الأستاذ الإسفراييني رحمه الله تعالى، وكان حاضرا: «يا أستاذ، دعنا من هذا الكلام، دعنا من هذا الكلام، وقل لي ما هذه الضرورة التي يجدها الإنسان إذا دعا ربه جل وعلا، يجد ضرورة من نفسه تتوجه إلى السماء». أبو المعالي أراد بقوله: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وهو اليوم على ما كان قبل»، أراد أن ينفي أن يكون الله جل وعلا في السماء، أراد أن ينفي أن يكون الله جل وعلا فوق سماوات سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وكما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. فقال له هذا الأستاذ: «دعنا من هذه الكلام، من هذه الجدليات، وقل لي ما هذه الضرورة التي يجدها الإنسان إذا دعا ربه جل وعلا، رأى من قلبه توجهًا إلى السماء». أي دليل الفطرة؟ الفطرة تدل على أن الله أين؟ في السماء. الإنسان إذا دعا أين يتوجه قلبه قبل أن تتوجه أيديه إلى أين يا جماعة؟ إلى السماء. فلما قال له الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الكلمات، ماذا صنع أبو المعالي؟ نزل من على المنبر وهو يضرب رأسه ويقول: «حيرني الإسفراييني، حيرني الإسفراييني». إذن طريقتهم آخرها إلى ماذا؟ إلى الحيرة. لذا قال رحمه الله تعالى في آخر أمره قبل أن يموت: «قد خدت البحر الخضم، دخلت البحر الكبير»، أبو المعالي يقول: «وتركت أهل الإسلام وعلمهم»، أي ترك العلم المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «وها أنا اليوم أموت على دين عجائز نيسابور، وإن لم يتغمدني الله برحمته لأكونن من الخاسرين»، أو كما قال رحمه الله. بعد أن خاض وأضاع العمر في علم الكلام، يقول: «ها أنا اليوم أموت على ماذا؟ على دين من؟ العجائز، على دين ماذا؟ على دين الفطرة». وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن علم الكلام من أوسع أودية الباطل التي تؤدي بكثير من الناس إلى ماذا؟ إلى الحيرة وإلى الشك في دين الله جل وعلا. ولهم في ذلك أبيات منظومة ومأثورة. وتأمل قول الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى: «ما شيء أبغض إلي من علم الكلام». وقد قال الذهبي رحمه الله تعالى معلقا: «لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيا»، أي لا يكون سلفيا وهذا حاله، واضح لماذا؟ لأن منتهاه إلى ماذا؟ إلى الشك والريبة. قال رحمه الله: «وهذه الآثار أي قول الدارقطني رحمه الله تعالى قد جاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى معناه». فقد جاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «عليكم بالسنة والحديث، وما ينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام». بل نقل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى اتفاق السلف على أنه بدعة وأنه محرم مذموم. فقال رحمه الله، أي الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب المغني: «وإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبع سنتهم في جميع الأمصار والأعصار متفقين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك علم الكلام وتبديع أهله وهجرانهم»، إلى أن قال: «فيجب القول ببطلانه، وأن لا يلتفت إليه، وأن لا يغتر به أحد». إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.